وبعد دقائق، يبدأ السرب الذي يتكون من 12 نسرا في التهام الجثة، بحذر في البداية، ثم بشراسة في نهاية المطاف.
وبعد أن أمضت تلك الطيور قرابة سبعة أشهر في التفاعل مع نسور برية أخرى داخل القفص، أصبح السرب الذي يتكون من ثمانية نسور بالغة، وأربعة صغيرة، والذي نشأ في الأسر، جاهزا لخوض تجربة الحياة البرية، بعد تزويده بإشارات صفراء اللون وأطواق لتحديد الموقع، عبر تقنية الاتصال بالأقمار الصناعية، من أجل التعرف على كل طائر ومراقبة أنشطته.
ويقول كريشنا براساد بهوسال، خبير النسور في محمية "جروب بيرد كونسيفراشن" بالعاصمة النيبالية كاتماندو: "في اليوم الأول، عادت الطيور إلى القفص، ولكن في اليوم التالي، ابتعدت لمسافة أطول وأخذت تستكشف بيئتها الجديدة وتبحث عن الطعام اعتمادا على نفسها".
وبعد شهرين من إطلاق سراحها في الحياة البرية في إطار محاولة تدخل لإنقاذ هذه الطيور، ابتعدت النسور لمسافات تصل إلى ستة كيلومترات، وحلقت على ارتفاعات تصل إلى 300 متر.
ويقول بهاسول: "بالنظر إلى أنها نشأت داخل قفص في بيئة صناعية، نجحت هذه الطيور في التأقلم بسرعة بالغة".
وكانت عشرات الآلاف من النسور تحلق فيما مضى في سماوات نيبال، ولكن أعدادها انخفضت بشكل كبير في ظل انتشار نوع من الأدوية البيطرية يحمل اسم "ديكلوفيناك". وتبين أن هذا المستحضر الطبي له تأثير مميت بالنسبة للنسور التي تقتات على الحيوانات النافقة. ونظرا لعدم علم المزارعين بالتأثير المدمر لهذه الدواء، استمروا في استخدامه لعلاج التهابات المفاصل لدى الماشية وجاموس الماء.
وفي الهند المجاورة، وهي دولة تسكنها أغلبية هندوسية تعتبر الأبقار حيوانات مقدسة، كان ما يقدر بثلاثين مليون نسر يحلقون في الحياة البرية حتى ثمانينيات القرن الماضي. وخلال قرابة 15 عاما، انخفضت أعداد هذه الطيور التي كانت فيما مضى تتوافر بأعداد ضخمة، وبنسبة تزيد عن 99 بالمئة، مما استدعى بذل جهود عاجلة لانقاذ هذا الطائر الذي يكاد يختفى من الوجود.
ومع اختفاء النسور، بدأت جثث الحيوانات النافقة تنتشر دون أن تجد من يتغذى عليها.
وكان المزارعون يتركون الحيوانات النافقة على جوانب الطرق الرئيسية والقنوات في سهول جنوبي نيبال، وعلى الحدود مع الهند. وأدت الجثث المتحللة إلى انتشار السعار حيث كانت الكلاب البرية تقتات على هذه الجثث، وانتشرت بعض الأمراض بين المواشي مثل الجمرة الخبيثة (أنثراكس)، والسل وغيرها.
وفي عام 2006، حظرت نيبال والهند وباكستان استخدام دواء "ديكلوفيناك"، وشجعت المزارعين على التحول إلى أدوية أقل سمية لعلاج الحيوانات الداجنة.
وبمساعدة المجتمعات المحلية، أسست نيبال ما يطلق عليه اسم "مطاعم النسور" التي توفر أغذية آمنة ومراكز لتربية النسور في السهول الجنوبية، وهي مبادرة يقول الخبراء إنها حققت نتائج إيجابية.
ويقول كريس بودين، رئيس برنامج "إنقاذ النسور الاسيوية من الانقراض" (سيف)، إن "نيبال تقود بالفعل، وبشكل إيجابي، الطريق فيما يتعلق بتحويل دفة التراجع الحاد بشكل كارثي في أعداد النسور".
وأضاف: "نفذت نيبال برنامجا مكثفا في سائر المناطق تقريبا، وأطلقت مبادرة المناطق الآمنة للنسور التي تم تبنيها وتطبيقها في مختلف أنحاء أسيا، وكذلك في افريقيا".
وفي عام 2002، كانت نيبال موطنا لما يقدر بـ205 من النسور بيضاء الظهر، وتراجع العدد إلى 43 طائرا في عام 2011، بحسب بيانات محمية النسور في كاتماندو، ولكن الاحصاء الأخير الذي أجرته المحمية، وهي منظمة غير ربحية، في عام 2017، أظهر أن العدد قد زاد مرة أخرى إلى نحو 100 طائر.
وتقول إيشانا ثابا، رئيسة المحمية، إن خبراء المحمية قاموا بالترويج لاستخدام الأدوية البديلة مثل "ميلوكسيكام"، كما أطلقوا حملة توعية بشأن القضية.
وأضافت أن العديد من المؤسسات البيطرية قد ساعدت في توسيع نطاق حملة التوعية، وأوضحت: "توصلنا أيضا إلى فكرة اعلان مناطق خالية من دواء ديكلوفيناك"، مشيرة إلى أنه تم إعلان خلو 63 من 77 منطقة من هذا الدواء المميت.
وتقول ثابا: "كانت هذه الإجراءات قوية للغاية، ونيبال في طريقها لتصبح دولة خالية من دواء ديكلوفيناك".
وفي حين أن المخاطر الناجمة عن دواء ديكلوفيناك قد تراجعت بشكل كبير، إلا أن أدوية علاج الالتهاب مثل "أسيكلوفيناك" و"نيمسوليد" و"كيتبروفين" التي لها نفس التأثير السام على النسور، مازالت تستخدم على نطاق واسع.
ويقول بودين إن معهد الابحاث البيطرية في الهند يجري اختبارات سلامة على هذه الأدوية، "ولكن المسألة لا تتم بسرعة كافية".
وليست الأدوية البيطرية هي الخطر الوحيد الذي يتهدد هذه الفصيلة من الطيور، ولكن هناك مخاطر أخرى عديدة، حسبما يقول بودين، الذي أشار إلى الطعوم السامة التي تستخدم لاصطياد الحيوانات اللاحمة ( آكلة اللُّحوم) والكلاب، فضلا عن تزايد المخاطر الناجمة عن مشروعات البنية التحتية.


الصفحات
سياسة









