تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

لمن تُبنى الدولة السورية؟

10/02/2026 - جمال حمّور

الرقة وقسد: سيرة جسور مُدمّرة

28/01/2026 - ياسين السويحة

سلامتك يا حلب

11/01/2026 - أنس حمدون


مدينتان توأم على ضفاف المسيسيبي واحدة للهو والأخرى للنوم




مينابوليس/سان بول - هايكه شميت -هل هما توأم ؟ هذا ضرب من الخيال، وعلى الرغم من إطلاق لقب المدينتين التوأم على مينابوليس وسان بول إلا أنهما لا يبدوان مثل شقيقتين، وتقع المدينتان في قلب ولاية مينيسوتا بوسط الغرب الأمريكي الجنوبي وتفصل بينهما مسافة عشرين كيلومترا على ضفتين متقابلتين من نهر المسيسبي العظيم، ولكن هنا تنتهي أوجه الشبه بينهما.


مدينتان توأم على ضفاف المسيسيبي واحدة للهو  والأخرى للنوم
فمدينة مينابوليس يافعة وحديثة، ويحيط حزام أزرق من البحيرات الطبيعية بالمدينة التي تحفل بناطحات سحاب متلألئة مرسومة بدقة ومشيدة من الزجاج والصلب، وجاء الاسم من مزيج من مفردات الهنود الحمر واللغة اليونانية القديمة ويعني " مدينة الماء " وأطلقه عليها المستوطنون البيض الأوائل.

وتطورت مينابوليس على جانبي نهر المسيسيبي فوق أطول شلال طبيعي يتدفق على النهر، وكانت طاقة مياه الشلال الذي يعرف باسم سان أنطوني تدير في السابق ورش نشر الأخشاب للمستوطنين وتدير في وقت لاحق طواحين الحبوب، وأعلنت المدينة نفسها عاصمة العالم لطواحين الدقيق، وفي الحقيقة كان مبنى طواحين واشبورن - أ الذي بناه واشبورن عام 1874 ينتج من الدقيق ما يكفي لخبز 12 مليون رغيف في الوقت الحالي وكان يعد أكبر مطحن ينتج الدقيق في العالم، وبعد تجديد المبنى أصبح حاليا يستضيف متحف " طاحونة المدينة ".

وتعني الطاقة المستخرجة من القوى المائية الوفرة، وعلى الرغم من أن الطواحين توقفت عن الدوران منذ فترة طويلة إلى أن مدينة مينابوليس لا تزال تدور حول الماء، وإذا كان أبناء المدن الأمريكية الأخرى ينقلون الزلاجات فوق أسقف سياراتهم فإن سكان مينابوليس يقطرون زوارقهم بالسيارات بينما يمكن مشاهدة العديد من الزوارق الشراعية وهي تتهادى على صفحة بحيرات كثيرة، وعلى طول ضفتي النهر يتسابق الشباب على متن الدراجات وألواح التزلج.

وعندما يحل المساء ترفه المدينة عن نفسها في أحد المسارح الكثيرة الواقعة على طول طريق هينيبين، وبالتالي تستحق المدينة أن تلقب بـ " التفاحة الصغيرة " لأنها تحتل المرتبة الثانية بعد نيويورك التي تلقب بـ" التفاحة الكبيرة " في عدد مقاعد المسارح، أما التصميم المعماري لمسرح جوثري الجديد فيكفي أن يمثل عرضا فنيا بمفرده حيث يتلألأ بغطاء زجاجي يشع زرقة في الليل ويتضمن تصميمه أشكالا هندسية جريئة، وبعد مشاهدة العروض المسرحية في حي المتاجر السابقة بوسط المدينة يتجه أبناؤها إلى الحانات الكثيرة.

أما مدينة سان بول فيمكنها فقط أن تهز رأسها رفضا لكل هذا الهرج والمرج، وكان تجار الفراء الكنديون من أصل فرنسي قد أنشئوا هذه المدينة عام 1840 عند النقطة التي لا يمكن للبواخر العريضة الإبحار فيها بنهر المسيسيبي، وتعد سان بول أكبر سنا ببضعة أعوام عن شقيقتها مينابوليس المحبة للمرح، ومن المعترف به أن بدايات المدينة وهي عاصمة ولاية مينيسوتا يسودها الاضطراب بشكل مماثل ويحفل تاريخها بأحداث عن الهنود الحمر والمغامرين والمحتالين ومنتجي الخمور ومن أشهرهم تاجر الفراء الكندي الفرنسي بيير بارانت الملقب بـ" عين الخنزير " نظرا لأنه فقد بصر إحدى عينيه.

وكانت الحانة سيئة السمعة التي بناها من الألواح الخشبية هي أول مبنى يقام في سان بول من الناحية الرسمية وأطلق عليها أيضا اسم " عين الخنزير" وكانت ذات شهرة وفي نفس الوقت سمعة سيئة، وفي ذلك الوقت المبكر تم الإشارة إلى المستوطنة التي أخذت في النمو بذات الاسم.

وشجع هذا التطور الأب لوسيان جالتير وهو مبشر كاثوليكي وصل إلى المنطقة حديثا فأقام على خليج النهر كنيسة صغيرة من الأخشاب أطلق عليها اسم سان بولس وهو القديس المفضل له، وتقف النسخة الرابعة من هذه الكنيسة التي بنيت بضع مرات منذ عام 1915 على نفس البقعة وهي كاتدرائية ضخمة رمادية اللون ولها قبة نحاسية، وتمكن الأب جالتير في النهاية من إقناع السكان بإطلاق اسم سان بول على المستوطنة.

ومنذ ذلك الحين أصبحت المدينة رمزا دعائيا للاحتشام الحضاري، وبينما يوجد في مدينة مينابوليس المقابلة أندية لرقصات الإستربتيز يوجد في سان بول مبنى واحد يحمل اسم" إستريب " وهو مطعم محترم للغاية تقدم فيه شرائح من لحم البقر المتبل والبطاطس المسلوق، ويحمل هذا الاسم لأنه يعني بالإنجليزية أيضا شريحة.

وتتخذ مباني سان بول العالية شكل المستطيل وتصميماتها ذات صبغة عملية وتعد أقصر طولا بمسافة مئة متر من ناطحات السحاب في مينابوليس، ويمكن للمرء أن يجوب في أنحاء منطقة وسط البلد النظيفة خلال نصف الساعة فقط.

ويستطيع المرء أن يشاهد في مركز لاندمارك الرئيسي تمثالا برونزيا لتشارلي براون وهو طفل بطل سلسلة من القصص المصورة ويستقر في حجر التمثال كلبه الأليف سنوبي، ويمكن أن تتنافس مدينة سان بول في مجال نجوم الغناء الذين يتمايلون على خشبة المسرح ولكنها يمكن أن تزعم أنها مسقط رأس تشارلز شولتز مبتكر سلسلة القصص المصورة "بيناتس " وبطلها الطفل تشارلي براون، وأن الروائي الشهير الذي ينتمي لعصر موسيقى الجاز سكوت فيتزجرالد ولد وترعرع فيها.

ومن بين سكان المدينة المشاهير جاريسون كيلور مذيع البرنامج الإذاعي الأسبوعي الجماهيري التقليدي " براري هوم كومبانيون " والذي يذاع مباشرة من مسرح فيتزجرالد بوسط المدينة.
بل يمكن تبين أوجه التناقض بين المدينتين في كيفية التعامل مع لعبة البيسبول وهي الرياضة المحببة في الولايات المتحدة، وتعد هذه الرياضة في مينابوليس نشاطا تجاريا جادا بالنسبة لنادي " مينيسوتا توينز " وهو أكبر ناد بمسابقة دوري البيسبول بينما تعد هذه الرياضة بالنسبة لفريق "سينتس " المحلي في سان بول ذات طبيعة ترفيهية بدرجة أكبر.

ويمكن على سبيل المثال لمشجعي المباريات والذين يمتلكون الجرأة أن يشاركوا في مسابقات للمعلومات العامة على أن يخاطروا بأن يتم غمرهم بصلصة الطماطم في حالة الخطأ في الإجابة، كما يمكن في حالة الحجز المسبق أن يشاهد المشجعون مبارة للبيسبول أثناء الاسترخاء في حوض للسباحة به دوامات.

وتحب المدينتان التوأم أن تمزحا معا، فيقول أبناء مينابوليس " إن مينابوليس مدينة الاحتفالات وسان بول مدينة النوم "، وهناك على الجانب الآخر من النهر يقول السكان " إن الإنجيل يتحدث عن سان بول ولكنه لا يذكر اسم مينابوليس"، وهكذا تدور القفشات في الوقت الذي تستمتع فيه المدينتان بالتناقضات بينهما والتي تجعلهما يتمتعان بالجاذبية كفريق، الأولى حديثة والثانية محافظة ومن هنا يبدوان كزوجين مثاليين.

هايكه شميت
الجمعة 11 سبتمبر 2015