تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

لمن تُبنى الدولة السورية؟

10/02/2026 - جمال حمّور

الرقة وقسد: سيرة جسور مُدمّرة

28/01/2026 - ياسين السويحة

سلامتك يا حلب

11/01/2026 - أنس حمدون


مغامرة مع الإبل في دروب الصحراء المغربية وسط الكثبان و الرياح




محاميد( المغرب) - أليكي ناسوفيس - يعد وادي درعة المكسو بالخضرة اليانعة واحة واسعة تزدان بأشجار النخيل التي ترتفع إلى عنان السماء وتتخللها حقول الذرة الكثيفة، غير أن هذه المساحات الخضراء تأخذ في التلاشي لتفسح المجال لأراض قاحلة كلما اقترب الركب من الصحراء المحيطة بالمكان.


مغامرة مع الإبل في دروب الصحراء المغربية وسط الكثبان و الرياح
ويستمر الطريق الواقع في الجنوب المغربي لعدة كيلومترات وسط مناطق مأهولة بعدد قليل من السكان حتى ينتهي في قرية محاميد الصغيرة، وهنا توجد مجموعة قليلة من المباني تتحدى الصحراء وتتيح نقطة انطلاق للجولات السياحية.
 
ويشاهد أحد العاملين في محاميد يرتدي عمامة فوج السياح ويصيح وعلى فمه ابتسامة عريضة : " مرحبا بكم في نهاية العالم ".
 
ولا ينتهي العالم بالطبع عند حافة الصحراء ولكن الذي ينتهي بالفعل هو العالم الحديث المألوف لنا كما سيتضح خلال الأيام القليلة القادمة بالنسبة للفوج الذي يقوم بجولة على ممر بالصحراء مع الأبل.
 
وقد عادت الصحراء الغربية الأفريقية الشاسعة المساحة لتحتل أهم الأنباء مؤخرا مع وصول القوات الفرنسية إلى باماكو عاصمة مالي التي تبعد عن محاميد بمسافة 2000 كيلومتر، ومع الهجمات الإرهابية التي وقعت في موقع للغاز الطبيعي بالجزائر يبعد أيضا عن هنا باتجاه الشرق بمسافة 1500 كيلومتر.
وتبدأ الجولة خارج وادي درعة بعمل شاق، ويجب أولا تحميل الجمال بجميع الأشياء التي ستحتاجها الجولة : الطعام ومواقد الغاز والخيام وحقائب النوم وبالطبع زجاجات المياه على أن تكون بالعشرات.
 
ولا يبدو أن هذه الأحمال الثقيلة تزعج الجمال التي ترقد في هدوء بينما يتم تثبيت السلال على ظهورها.
 
ثم يحين الوقت للبدء في الرحلة سيرا على الأقدام على الطريق الذي يمر فوق الرمال الحمراء التي تشع بالوميض، وتأخذ البيوت في الاختفاء بالتدريج عن الأنظار ولا يبقى شيئ يمكن رؤيته سوى الصحراء.
 
ويتم ربط الجمال بعضها بالبعض وتتحرك إلى الأمام كل إثنين معا، ويسود الصمت ويصبح كل ما يمكن سماعه هو صوت تحرك الأبل وأصوات السياح وخشخشة زجاجات المياه.
 
وبعد مرور وقت قصير يتم الإعلان عن أول مغامرة كبيرة بينما ينظر عابدين وهو أحد إثنين من المرشدين السياحيين الذين يرافقان الجولة إلى الأفق ويصيح عابدين : " ثمة عاصفة رملية ستهب علينا ".
 
وهذه العاصفة ليست مجرد رياح تثير بعض الرمال في الأنحاء، وتصبح السماء رمادية اللون وتخفي الرمال وجه الشمس الحارقة، وتدور أطنان من الرمال في الهواء وتضرب بقوة البشر والحيوانات وتجعل الكلام مستحيلا، ويصبح من العسير الرؤية أو حتى التنفس ويلف السياح والمرشدان السياحيان ثياب البربر حول رؤوسهم ووجوههم.
 
وبمرور الوقت تشتد قوة الرياح لدرجة أنه يصبح من الأفضل إغلاق العيون تماما، ويركز كل فرد على تقدمه على الطريق وعلى أن يكون متصلا مع القافلة الصغيرة.
 
وتصل المجموعة أخيرا إلى تل من الرمال، ولأنه مستقيم ومرتفع وعريض فإنه يصد الرياح كما أنه كبير بما فيه الكفاية ليقام على سفحه مخيم لتمضية الليلة، والآن أصبح بوسع كل فرد أن يتنفس مرة أخرى، وبعد فترة وجيزة يتم إقامة خيمة وتدخل المجموعة فيها ويبدأ عابدين في إعداد طعام العشاء وهو عبارة عن وجبة بسيطة مكونة من الأرز والخضراوات.
ويدور حديث بين السياح والمرشدين السياحيين، والمرشد الآخر يدعى فؤاد وهو أكثر خجلا من عابدين حيث تظهر على شفتيه عادة ابتسامة تنم عن الإحراج عندما يوجه إليه الكلام، ومع ذلك ينضم إلى المحادثة بخليط من الإنجليزية والفرنسية.
ويبلغ فؤاد من العمر 22 عاما بينما يبلغ عابدين 25 عاما، وقد ترعرع كل منهما في الصحراء وعملا منذ فترة كمرشدين في الجولات السياحية.
 
ويعرب الاثنان عن دهشتهما لأن الأوربيين لا ينجبون كثيرا من الأطفال بل وأحيانا لا يفضلون الإنجاب، ولدى عابدين ستة أشقاء أما فؤاد فلديه أربع شقيقات، ويقول ضاحكا : " إنها أسرة صغيرة ".
وهدأت العاصفة في الصباح التالي وعلى الرغم من ذلك يجد الرحالة أن الرمال التي أثارتها الرياح دخلت في كل مكان حتى في أفواههم وآذانهم، وتشرع الرحلة في التحرك مرة أخرى عبر أراض رملية لا نهاية لها ويتقدم عابدين القافلة بينما يسير فؤاد خلفها في الوقت الذي تسير الجمال فيه منظومة بحبل.
 
وتعد المنطقة الواقعة حول كثبان الصحراء واحدة من أعلى النقاط، وأعلى تل رملي فيها يبلغ ارتفاعه 300 متر، ويقول عابدين إن الرياح تصفر هنا على الدوام، ويحتاج تسلق الكثبان بعض الجهد لأن قدمك أو النصف الأسفل من ساقك ستغطس داخل الرمال مع كل خطوة.
 
ويمسك أفراد المجموعة أحذيتهم في أيديهم ويمشون بصعوبة وهم مرتدين الجوارب بينما تنفخ الريح طبقة رفيعة من الرمال فوق قمة الكثبان، غير أن المنظر من فوق القمة يخلب اللب ويستحق أن تبذل فيه مشقة التسلق.
 
ومثل هذه اللحظات ترسخ في الذاكرة وتجعل كل المصاعب محتملة، مثل اللحظات التي تشاهد فيها الشمس المتوهجة على الدوام أو القدم التي تعاني من البثور من طول السير أو تلك الفرص النادرة التي تتاح لك لكي تراعي أبسط إجراءات النظافة الشخصية.
 
كما أن الرحلة تتيح الكثير من اللحظات التي لا يمكن أن تنسى، مثل منظر فؤاد وهو يضع بالملعقة كميات كبيرة من السكر داخل الشاي بالنعناع ليصنع ما يطلق عليه ويسكي البربر وهو مشروب غير كحولي يقدم في أكواب صغيرة أو كيف يقدم عابدين التحية لجمله المفضل ذلك عن طريق منحه قبلة على خده.
 
ثم هناك الطريقة التي تجتاح فيها الرياح بلطف الأشجار القليلة داخل واحة صغيرة توقفت القافلة عندها للحصول على قسط من الراحة في منتصف النهار وأيضا منظر الشمس وهي تختفي خلف الكثبان وتصبغ كل شيء بضوء أحمر ملفوف بالغموض.
ولعدة أيام لا ترى القافلة أي أناس آخرين ولكن الملل لا يمثل مشكلة حيث أن وجه الصحراء يتغير على الدوام، وأحيانا تغلب الرمال على هذا الوجه وترتفع فيه الكثبان وفي أحيان أخرى يكون الإحساس من يمشي عليه كأنه مطاط يجعل المرء يكاد يقفز مثل الكرة المرتدة مع كل خطوة.
ومن آن لآخر تظهر آثار الحياة البشرية التي تعايشت مع هذا المكان مثل أطلال مبنى قديم أو قطع من الخزف أو حتى عظام بشرية، وعلى أية حال كانت القوافل تمر عبر الصحراء منذ قرون.
وحان الوقت لإقامة مخيم آخر لقضاء الليل، وقبيل غروب الشمس بوقت قصير عثر فؤاد على قطع من الأخشاب لإشعال النار، ويجلس أفراد المجموعة بجوار النيران للتدفئة حيث تحول الطقس إلى البرودة الشديدة بعد أن غابت الشمس.
ويعد عابدين رغيفا كبيرا من الخبز الرقيق المسطح ، ويأخذ بضع جمرات من النار ويفرقها بعصا ثم يضع فوقها العجين المستدير ثم يغطيه بجمرات أخرى.
 
وبعد بضع دقائق يضرب هذا الشاب الخبز بعصا وينبعث صوت أجوف، ويقول إن الخبز أصبح جاهزا ويخرجه من الرماد ثم يوزعه على المجموعة، ويكون مذاق الخبز من الخارج مقرمشا بينما يكون من الداخل طريا ودافئا.
 
وتخمد النيران في وقت لاحق ويسود الظلام ويصبح المخيم أسودا كالزفت، وتلمع آلاف النجوم في السماء وسط الليل البهيم وتبدو أنها أكثر قربا منا وملموسة بدرجة أكبر من أي مكان آخر، ويكون المنظر جميلا، ويبدو أنه من المؤسف أن نضطر إلى العودة في الغد إلى العالم المعتاد.

أليكي ناسوفيس
الاحد 21 يونيو 2015