عيون المقالات

المشرق العربي على صفيحٍ ساخن

14/04/2021 - علي العبدالله

الساعات ال24 الأولى بعد سقوط الأسد

11/04/2021 - العقيد عبد الجبار العكيدي

حين تتحول العلمانية إلى ضرورة

10/04/2021 - توفيق السيف

فى مواجهة التضليل الإعلامى

08/04/2021 - علي محمد فخرو

فلسفة هيدغر وسياسات التوظيف

08/04/2021 - فهد سليمان الشقيران

حين تتحول العلمانية إلى ضرورة

07/04/2021 - توفيق السيف

«الإخوان»... العودة إلى الشتات

04/04/2021 - د. جبريل العبيدي


من يملك مفتاح السلام مع إسرائيل الأقلية أم الأكثرية؟!









أثناء مفاوضات السلام الإسرائيلية السورية التي بدأت عام ألف وتسعمئة واثنين وتسعين عقب مؤتمر مدريد، تداول السوريون كاسيتا مسجلا لحديث للواء العلوي علي حيدر، قائد الوحدات الخاصة والشخصية العسكرية الأهم التي ثبّتت حكم حافظ الأسد آنذاك، يتحدث إلى جمع من الضباط العلويين غاضبا ما فحواه التالي:
"يقترف حافظ الأسد خطأ كبيرا إن كان جادا في عقد اتفاقية سلام مع إسرائيل. إننا كعلويين مهما طال حكمنا لدمشق عشر أو خمسين سنة ستعود يوماً إلى أهلها ولن ينسى السُنة فعلتَنا لألف عام. عندما تعود دمشق لأهلها، فليعقدوا سلاماً مع إسرائيل ولْيرفعوا العلم الإسرائيلي في عاصمتهم، نحن العلويين لا نستطيع تحمّل الأعباء المستقبلية لرفع العلم الإسرائيلي في دمشق"!



في تلك المفاوضات كان حافظ الأسد حذرا لهذه النقطة إذ صدّر شخصيات سياسية سُنية تجلس مقابل الوفد الإسرائيلي في الجلسات العلنية، خوفاً أنْ تُحتَسَب المفاوضات على الطائفة العلوية، وفي النهاية أفشل حافظ مفاوضات الأربع سنوات، رغم أن تل أبيب وافقت على إعادة هضبة الجولان عدا عن بضع كيلومترات على حدود طبريا كانت لن تؤثر بأي مجال لو كان جادا في السلام مع إسرائيل!

عقب فشل المفاوضات وفي جلسة ضمت حافظ الأسد مع نجاح العطار (التي كانت وزيرة الثقافة حينذاك، ثم أصبحت نائبة الرئيس) قال لها في رسالة لأهل دمشق: "رأيت لم أعقد اتفاقيةَ سلام مع تل أبيب كانت مفاوضات لأجل المفاوضات لا أكثر"!؟ 

طبعا عدا أن بنية حكم أسد الأب والولد غير قادرة على سلام علني مع إسرائيل، لأنها قائمة على دعاية لمبدأ الممانعة والمقاومة، وهي ليست كذبة أسدية بقدر ما هي كمين دولي للشعب السوري جعلتْه يتخلى غصباً عن تنمية بلاده بحجة أن ميزانية الدولة تصرف على الصمود والتصدي ويتخلى أيضاً عن حرياته تحت شعار "لا صوتَ يعلو على صوت المعركة مع إسرائيل"، الأمر الذي بدّد  خيرات البلاد في جهنم الفساد، ثم أحرقها!؟
في مثال صارخ آخر على عدم قدرة الأقليات في منطقتنا على صنع السلام مع إسرائيل أقامت الطائفة المارونية عبر ميليشياتها وأحزابها القوية مع بداية الحرب الأهلية اللبنانية عام ألف وتسعمئة وخمسة وسبعين تحالفا مع إسرائيل، كلل بتوقيع بشير جميّل لاتفاق سلام في أيار عام ألف وتسعمئة واثنين وثمانين، دفعت الطائفة المارونية ثمن هذا الاتفاق غاليا، فعدا أن الاتفاق نفسه لم يصمد سوى بضعة أشهر، واغتيلت معظم الشخصيات المارونية التي ساهمت فيه بما فيهم بشير نفسه، لكن الأخطر أن هذا السلام المنفرد الذي رعته أقلية عرّض ولا يزال الطائفة المارونية للذوبان وجعل نفوذها في لبنان أثراً بعد عين!

أوردت هذين المثالين لأننا بتنا نسمع أصواتا عديدة من داخل منظومة بشار أسد منذ العام الماضي تطالبُه بعقد سلام مع إسرائيل. فإذا علمنا أنه في دمشق لا يستطيع أحد أن يقاقي دون موافقة أمنية أو إشارة من "القصر الجمهوري"، عرفنا أن هؤلاء مدفوعون لتحضير الأرضية الشعبية لتقبل اتفاق سلام بين أسد وتل أبيب. كما لاحظْنا أيضاً رسائل أسدية يحملها أصدقاء مشتركون إلى تل أبيب، بتنا نقرأ ونسمع صداها في وسائل الإعلام العالميةِ تستجدي السلامَ علَّ ذلك يعطي نظامَه نقطة قوة إضافية. لكنني أعتقدُ أن هناك عاملين أساسيين يجعلان هذا المنال صعبا جدا إن لم يكن مستحيلا.

العامل الأول داخلي: وهو عدم قدرة الطائفة العلوية على تحمّل هذا الاتفاق وتبعاتِه عليها مستقبلاً، كما أن الاتفاق سيكسر العصا الوحيدة، عصا المقاومة والممانعة التي تقيم نظام أسد أمام جمهوره، والتي لا تزال فاعلة مع كمّ لا بأس به من المغرر بهم. أما الاتفاق نفسه فهو عديم الجدوى فيما لو تم، لأن سوريا الحالية دولة في قمة هرم الدول الفاشلة وينعدم الانفاق والاستهلاك والإنتاج فيها مثلما ينعدم الأمن الداخلي والانسجام الطائفي وأي أسباب قوة قد تحسب لها إسرائيل حساباً!

والعامل الثاني خارجي: فالإسرائيلي أذكى من أنْ يقع في مستنقع عقد اتفاق سلام مع مجرم حرب صنف العالم إجرامه كأفعال فاقت وحشيتها النازية بأشواط، والإسرائيليون شديدو الحساسية تجاه هذه النقطة، مما سيجعل اتفاق سلام مع أسد لطخة كبرى على جبين السياسة الإسرائيلية لا مبررَ لها طالما إسرائيل تحصل على ما تريد من سوريا منذ أكثر من نصفِ قرن عبر العلاقة السرية.


لكن البعض يخشى من قبول صانع القرار الإسرائيلي توقيع اتفاقيةِ سلام مع المجرم أسد لأن الساسة الإسرائيليين لا يزالون يستجدون اعترافا من دول صغيرة، بشكل مهين لدولة باتت أكبر وأقوى دولة في محيطها، وأكثرها نخبا ومؤسسات علمية وتكنولوجيا متطورة وصلادة أيضا.

مع أنني لا أعتقد أن إسرائيل تأخذ استجداءات أسد للسلام على محمل الجد، كونها تعرف أن توقيع اتفاقية سلام معه سوف يؤثر على الروايةِ الإسرائيلية للهولوكست والتعاطفِ الإنساني مع ضحاياها من اليهود، وستؤثرُ كذلك على رواية التحضر وإنسانية الشخصية الإسرائيلية في محيطٍ جغرافيٍ عنيف! إضافة لإدراكِهم أن السوريين لن يسامحوا الإسرائيليين على هذا الفعل لزمن طويل، مما يجعل السلام الحقيقي بين الشعبين السوري والإسرائيلي بعيدا جدا!

إذاً من يستطيع إقامة سلام حقيقي مع إسرائيل؟
إن من يستطيع صنع السلام بين الدول العربية وإسرائيل هم الأكثرية، السُنة العرب تحديدا، عبر قيادات عربية تقبل بها شعوبها وتحترمها، قيادات ذات حكم رشيد أو حكم ديمقراطي واعٍ. فالسُنة العرب هم وحدهم القادرون على حماية السلام وتحمّل نتائجه وجعله حقيقة وليس خيانة، واقعا تحصد ثماره المنطقة كلها وخصوصاً إسرائيل التي تكاد تكون الدولة المنتجة الوحيدة في بحر من الاستهلاك!

حقيقة إن العرب والإسرائيليين جيران شئنا أم أبينا، وتجمعُنا جغرافية واحدة مهما كانت معقدة، حقيقة لم يعد يستطيع نقضها إلا الحمقى والمغامرون بمصير شعوبهم، لذلك فإن شعبي المنطقة عرباً وإسرائيليين باتوا يحتاجون إلى حياة أكثر هدوءا وتنمية، ولهذا الحديث مقال آخر.. 
--------
اورينت نت

 

غسان عبّود
الاثنين 1 مارس 2021