هذا المنصب الرفيع، وما حصّله من نفوذ في السلطة، مدعوماً بشبكة علاقاته هو وعائلته وأقاربه، الممتدة في أرجاء السلطنة العثمانية وصولاً إلى اسطنبول، لم يقدم له أي حصانة أو حماية إزاء البطش أو المهانة أو حتى الإيذاء الجسيم والتنكيل به، إما لأسباب تافهة أو لرغبة سادية عند الوالي يثبت من خلالها جبروته. فحين أمر أحمد باشا الجزار بتشويه وجه حاييم فقطع أنفه وأذنه وقلع عينه، من دون التخلي عنه وإبقائه في منصبه، فهو فعل هذا من دون مبرر تقريباً. أما قتله بأمر من عبدالله باشا ورمي جثته في البحر، فأتى فقط لأن حاييم أظهر القليل من عزة النفس.
والحال، أن يوسف معوض في روايته "حاييم صراف عكا- يهودي في ذمة الإسلام" (دار رياض الريس، بيروت)، كتب بأمانة تأريخية وثائقية، وبخيال روائي لزوم منح الوقائع طاقة درامية وإيحائية، ليس لتدوين سيرة شخص وحسب، أو لاستكشاف حقبة تاريخية ملتبسة، إنما لنستعيد معه ماضياً ما زال فاعلاً في حاضرنا، خصوصاً في المشرق العربي، حيث لا تزال صراعات السياسة والسلطة، ومعنى الدولة والقانون وعلاقات الجماعات (الأقليات والأكثريات الطائفية أو الإثنية) ببعضها البعض، وحضور الدين ودوره، وحقوق الأفراد وكراماتهم وحرية الضمير.. كلها مسائل خاضعة للقسوة والعنف ومنطق الغلبة والقوة.
عبر رواية "حاييم صرّاف عكا"، أكثر ما يظهر هو أثر "الذمية" في تكوين الوعي السياسي للأفراد والجماعات. وعي مستمر ظاهراً وباطناً حتى يومنا هذا. ذمّية يتناسل منها نظام تمييزي شامل وشديد القسوة، يحكم كل الفروقات أو الاختلافات الدينية أو المذهبية أو الإثنية، ويتصل أيضاً بنظام أكثر قهراً هو استعباد الرجال واستملاك النساء. ثم فوق كل هذا سلطة التحكم بالحياة والموت بلا ضوابط واضحة.
هذا بالضبط، ما شهدناه وما زلنا نشهده، إن في الديكتاتوريات الوحشية أو في التنظيمات المتطرفة والمسلحة، كحال "داعش" وما شابهه. بل وفي المنظومة الأخلاقية والقيمية التي لا تزال سائدة وتنضح بها بعض الدساتير والقوانين، وتتشربها حتى الأجيال الجديدة.
من الوقائع التي يقدمها الكتاب، أحوال شيعة جبل عامل، الذين لم تتوقف عليهم الحملات "التأديبية" على مدى مئات السنين، إلى حد أنهم ما بين أواخر القرن الثامن عشر ومطالع القرن التاسع عشر تقلصت أعدادهم من خمسين ألف نسمة إلى نحو 15 ألفاً فقط. ولا شك أن أصداء ذاك التاريخ تتردد في الضمير الجمعي لأهل جبل عامل، الذين يعيشون اليوم نكبة جديدة تكرس الخوف الوجودي على نحو قاتم وبالغ التشاؤم. أيضاً، بين حين وآخر، كان يمكن للوالي -أياً يكن اسمه- وفي لحظة شك أو ريبة أن يفتك بجماعة مسيحية أو درزية أو يهودية، فقط ليبرهن على قوة شكيمته وتماسك شخصيته أمام حاشيته وحسب.
بالطبع، منطق الغلبة والقمع والتنافس العنيف على السلطة والثروة، يسري بين الجماعات المستضعفة نفسها، وهو ما يخلق مثلاً نزاعات لئيمة وحقودة بين المسيحيين واليهود في تنافسهم على كسب عطف السلطة ومنافعها.
في ذاك العالم، يسود التملق الوضيع والكتمان الشديد والتآمر بلا هوادة، والخوف الدائم، والقتل الفجائي، وتبادل الأحقاد والثارات، وخطر الإبادة. وما على المرء، كحال حاييم إلا التفنن في الطاعة والخضوع والرياء. وحتى براعته في ذلك لم تنقذه من القتل الشنيع.
لا عناء في رؤية صورة حاضرنا في مرآة ذاك الماضي السلطاني الموغل في اعتباطية التسلط وإراقة الدماء وتغذية الأحقاد وكبت الضمائر. ولا عناء أيضاً في الانتباه إلى ذاك "الاستثناء" الذي بدأ يتشكل في جبل لبنان (وبعض الولايات اليونانية والصربية)، حين كانت الإمارة الشهابية الحاملة أيضاً لإرث فخرالدين، تسعى للاستقلال الذاتي متأثرة بطبائع الغرب. ذاك الاستثناء الذي كان يثير ضغينة ولاة دمشق وعكا ويتحينون الفرصة للانقضاض عليه.
وهذا أيضاً ما زال يجلب الويلات على البلد الذي ورث الإمارة، وقرر ذات يوم تقديم الحرية على سواها، حرية المعتقد وحرية التعبير وحرية العيش.
مجدداً، ما تقدمه رواية يوسف معوض ببساطة، هو أن تاريخنا ماضٍ يأبى الانصرام.
-------
المدن


الصفحات
سياسة








