تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

لمن تُبنى الدولة السورية؟

10/02/2026 - جمال حمّور

الرقة وقسد: سيرة جسور مُدمّرة

28/01/2026 - ياسين السويحة


نضال الأمهات في مواجهة تبعات فيروس زيكا في البرازيل




ريو دي جانيرو - فرناندو دوكلوز- رأس فالنتينا صغير الحجم بشكل ملحوظ، ترقد في عربة أطفال ببراءة متناهية لا تدري من أمرها شيئا، بينما تجلس أمها فابيانا لوبيز/ 32 عاما/ على أريكة توضح كيف أن ابنتها السابعة والأخيرة ولدت قبل عام ونصف مصابة بمرض صغر الرأس، الناجم عن الإصابة بفيروس زيكا. "أنا لا أطالب بشئ ولا أثير الشكاوى، هذا نصيبي من الحياة، وأنا راضية به"، تقول آنا بينما تحكي قصتها.

ولدت فالنتينا في السادس عشر من كانون أول/ ديسمبر 2015.


 
صغر حجم الرأس مرتبط بفيروس زيكا الذي تنقله بعوضة الزاعجة المصرية، وقد أثار تفشي الفيروس الوبائي قبل ما يربو على العام مخاوف المجتمع الدولي بأسره. تتابع زيكا "في ذلك الوقت كان الوضع مختلفا. كان الجميع يتحدثون عن فيروس زيكا، ولهذا تم تطعيمنا نحن أيضا، تلقينا العديد من المعونات، كان الناس يساعدوننا، كان الجميع متوترون وقلقون بسبب الوضع في البرازيل".

اتخذت الأمور منحى آخر. أصيب مليون و700 ألف شخص بفيروس زيكا، وأسفر ذلك عن ولادة أكثر من 1700 طفل مصابين بمرض صغر الرأس في غضون اقل من ستة أشهر من العام الماضي. أما الآن فقد بدأت حدة الفيروس في التراجع، وصاحب ذلك تراجع اهتمام الرأي العام وحالة من التراخي تثير مزيدا من القلق والفوضى أكثر ما تبث الطمأنينة والارتياح.

وعلى هذا المنوال، تعيش فابيانا حياة ممزقة بين الاهتمام البالغ الذي يتعين عليها أن تمنحه لطفلتها، والتعامل مع دهاليز البيروقراطية وإجراءاتها لكي تهيئ لطفلتها صغيرة الرأس مقومات النشأة في ظروف أفضل بقدر الإمكان.

ليس لدى فابيانا عمل. تحصل على 880 ريـالا (256 دولارا)، معاش حكومي، تدفع منها 700 قيمة إيجار المسكن، كما تحصل على إعانة من والد إحدى بناتها، آنا جوليا، في الرابعة من عمرها ومصابة أيضا بمرض صغر الرأس. أما الحصول على الأدوية اللازمة لعلاج إبنتها فالنتينا فيتطلب الدخول في دوامة الروتين والبيروقراطية والتردد على المستشفيات، وهي رحلة لا تكلل بالنجاح في معظم الأحيان.

تقيم فابيانا بحي دوكي دو كايشاش، بضواحي ريو، حيث توضح أن الجانب الأكبر من مواردها المحدودة يضيع على الأدوية "مجرد الذهاب إلى المستشفيات يعني تكلفة مواصلات كبيرة لا أتحملها. الدولة لا تساعدني. إذا حصل طفل مصاب بصغر الدماغ على المقومات الضرورية فسيحظى بتنشئة جيدة، ويكتسب مهارات كثيرة"، وتضيف "كلموني عن العلاج بالماء والعلاج بالموسيقى، بينما لا زلت أنتظر منذ ثمانية أشهر لكي يحددوا لي موعدا مع طبيب عظام. هنا المشكلة ليست في توافر العلاج، بل في المستشفيات التي تغلق أبوابها. نحن في بلد مأزوم".

في غضون ذلك، تذكرت كيف بدأ الأمر برمته. أصيبت فابيانا في الشهر الثالث من الحمل، بحمى شديدة، مصحوبا بآلام مبرحة في الرأس، وانتشرت بقع حمراء في بشرتها، ولكن لم يتم تشخيصها مطلقا على أنها حالة إصابة بفيروس زيكا، لأنه في تلك الأثناء لم يكن هناك حديث من أي نوع عن الفيروس وتوابعه. إلا أنها متأكدة. بعض الأطباء أكدوا لها الأمر.

ظهر أول مؤشر على مرض فالنتينا، أثناء فترة الحمل، في الأسبوع الرابع والعشرين من الحمل، حيث أظهرت إحدى اختبارات السونار قبل الوضع أن الجنين مصاب بصغر حجم الرأس، ومن ثم فكر الأطباء أن الجنين ربما يكون مصابا بمرض استسقاء الرأس - تضخم السوائل في جمجمة الجنين -، لكن الفحوصات أظهرت بعد ذلك أنها كانت إصابة بصغر الرأس. وحين سارعت فابيانا بإخبار والد الطفلة بالأمر، لم يهتم.

تقول "أخبرني أنه سيساعدني إذا كنت أريد إجراء عملية إجهاض، ولكنه لا يريد أن يكون له طفل مريض ورأي أن موتها أفضل، أما إذا قررت الإبقاء على الجنين والاستمرار في الحمل فهذه مشكلتي، أما هو فلن يتحمل مسؤولية أي شئ على الإطلاق". وهكذا، منذ ولدت فالنتينا، لم تحظ أمها فابيانا بأية مساعدة من أحد سوى ابنتها ماريا إدواردا، التي تعد بمثابة الأم الثانية لفالنتينا. ماريا إدواردا في الثامنة من عمرها، وتعيش مع أمها وشقيقها برينو الذي ترك المدرسة في الرابعة عشرة من عمره، ليعمل من أجل كسب قوت يومه لكي يتمكن من مساعدة الطفلة، التي يقول عنها إنها "حب حياتي".

بالرغم من كل الاهتمام والرعاية التي توليها الأم وأبنائها لفالنتينا، إلا أن الطفل المصاب بمرض صغر الرأس يحتاج لنوع آخر من العناية أكثر تعقيدا، يتطلب وجود خبير متخصص وهو ما لا يتوافر في حالة فالنتينا، ومن ثم لا تتعلم الحركات اللازمة لبلع الطعام، أو حتى القيام بالرضاعة الطبيعية، ولهذا يتم تغذيتها بواسطة المحاليل. تصاب بنوبات تشنج متلاحقة أكثر من مرة يوميا، ولم تقم بأية حركات حتى بلغت شهرها الحادي عشر.

تقول فابيانا "في المرة الأولى التي انفصل عنها الأنبوب، فزعت وشعرت باليأس، ولم أعرف ماذا يمكنني أن أفعل، ولكن مع الوقت بدأت أتعلم. ونفس الشئ مع نوبات التشنج. لقد أعتدت الأمر، ولكني لا زلت أعاني ويصيبني الخوف في كل مرة، وإذا استمرت النوبة أكثر من خمس دقائق، أسرع مهرولة نحو المستشفى". بعيدا عن حالتها، تؤكد الأم أن طفلتها طبيعية بكل المقاييس، تبكي مثل باقي الأطفال وتنام قليلا وعلى فترات متقطعة.

جدير بالذكر أنه منذ بضعة أسابيع نظمت فابيانا لقاء جمعت فيه أمهات أخريات لديهن أطفال مصابين بمرض صغر الرأس، لكي يشددن من أزر بعضهن البعض، وتبادل النصائح والخبرات. "لا يستقر لي مقام في مكان: أصطحب ابنائي إلى المدرسة، ومن هناك اتوجه إلى المستشفى. يبدأ يومي من الرابعة فجرا، وينتهي في ساعة متأخرة من الليل. لا يكاد يغمض لي جفن. وليس لدينا تموين آخر نتغذى عليه سوى الأرز والبقول. ولكن ها نحن"، تؤكد الأم المناضلة.

وتختتم حديثها قائلة "عندما أرى فالنتينا تحرك يديها الصغيرتين، أو تبدأ في تعلم الابتسام، يمدني هذا بقوة كبيرة تدفعني للاستمرار".

فرناندو دوكلوز
الخميس 26 يناير 2017