نيللي رسامة منسية من عصر النهضة تسطع مرة أخرى في فلورنسا




فلورنسا (إيطاليا) – بلاوتيلا نيللي ليست هي أول اسم يقفز إلى الذاكرة عندما يخطر ببالك عصر النهضة الإيطالي، ولكنها فنانة رائدة مبدعة عاشت في القرن السادس عشر وأخيرا حصلت الآن على الاعتراف بموهبتها الذي تستحقه بجدارة.


لو حة العشاء الاخير ل بلاوتيلا نيللي
لو حة العشاء الاخير ل بلاوتيلا نيللي

 

وقامت منظمة "تشجيع الفنانات" الخيرية التي أسستها الصحفية الأمريكية الراحلة والقائمة بالأعمال الخيرية جين فورتشن، برعاية الفنانة نيللي في إطار مسعى لتقريب الفجوة بين الجنسين في المشهد الفني بمقاطعة فلورنسا وإقليم توسكانيا.
وأحد آخر المشروعات التي نفذتها المنظمة هي إلقاء الضوء على لوحة "العشاء الأخير" الرائعة والضخمة الأبعاد حيث يبلغ طولها سبعة أمتار وعرضها مترين، وتم عرض هذه اللوحة المرسومة بالزيت من إبداع الفنانة نيللي ويرجع تاريخها إلى عام 1560 تقريبا، في مجمع متحف سانتا ماريا نوفيلا بفلورنسا في تشرين أول/أكتوبر الماضي، بعد الانتهاء من عملية ترميم لها اتسمت بالتعقيد واستغرقت أربعة أعوام.
وتقول إدارة المتحف في وصف ترحيبي لهذه اللوحة النادرة إنها "ربما تكون واحدة من أهم اللوحات في تاريخ الفن، وتعد هذه اللوحة الفريدة في الحقيقة أول تمثيل وربما الوحيد "للعشاء الأخير" أبدعتها فنانة عاشت في عصر النهضة".
كما تعد نيللي التي عاشت في الفترة ما بين 1524 إلى 1588 أول فنانة معترف بها في عصر النهضة بفلورنسا وهي المقاطعة التي بدأ فيها هذا العصر، وهي تنحدر من عائلة تعمل بالتجارة ودخلت سلك الرهبنة عندما بلغت من العمر 14 عاما.
وفي الدير الذي التحقت به قامت نيللي بتدريب نفسها وأدارت ورشة أنتجت لوحات دينية صغيرة، لقيت إقبالا كبيرا لدى الطبقات العليا في فلورنسا، وأشار إلى اسمها الرسام المعاصر لها جورجو فازاري - وهو رسام إيطالي ومهندس معماري عرف بكتاباته لسيرة الفنانين الإيطاليين – في كتابه الشهير الذي يتضمن مختارات من الفنانين الإيطاليين في عصر النهضة، مما يعد تقديرا نادرا لامرأة.
وقالت ليندا فالكوني رئيسة منظمة "تشجيع الفنانات" لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.ا) إن لوحة "العشاء الأخير" التي أبدعتها نيللي تعد "تاج إنجازاتها الفنية"، ومن المرجح أن تكون تأثرت عند رسمها باللوحة التي تحمل ذات الاسم والأكثر شهرة من إبداع الفنان ذائع الصيت ليوناردو دافنشي، وكانت المشرفة على الراهبات بالدير قد أمرت بأن يتم تعليق لوحة نيللي في غرفة الطعام بالدير.
وهذه اللوحة تلتقط لحظة من الزمن وتجسدها وتبرزها في لمحة بصرية واحدة، ويتضح هذا عندما يقدم يسوع قطعة من الخبز إلى يهوذا كعلامة على أنه الحواري الذي سيخونه، كما تصور اللوحة بشكل يتميز بالحيوية ردود فعل الحواريين الآخرين، بالتركيز بشكل خاص على إيماءات أيديهم.
وفي هذا الصدد تقول روزيلا لاري المعمارية التي قامت بعملية ترميم اللوحة، إن الحواريين في لوحة نيللي "يتحدثون بأيديهم، ويرقصون بأقدامهم الحافية"، وتضيف إن نيللي رسمت الأيدي برهافة حس لدرجة "أنه يمكنك أن ترى أوتار الأصابع والعروق، بل حتى الجلود الميتة حول الأظافر".
وأشارت روزيلا لاري إلى تفاصيل أخرى رائعة في اللوحة من بينها الطاولة المزدانة ببذخ، حيث وضعت أطباق مستوردة من الصين، إلى جانب التفاعل بين الشخصيات الرئيسية في اللوحة وهي يهوذا ويسوع والقديس يوحنا، وتعتقد لاري إن هذه اللوحة قد تخفي "رسالة روحية".
ويجلس يهوذا في صدارة الطاولة بينما يجلس الباقون على الجانب الآخر منها، ويناوله يسوع شريحة الخبز بذراعه اليمنى بينما يحتضن يوحنا الذي يبدو نائما في جانبه الأيسر، مما يشكل قوسا بين الحواريين، ويظهر يهوذا في اللوحة مرتديا ثوبا أحمر اللون وعباءة خضراء، وعلى العكس منه يرتدي يوحنا ثوبا أخضر اللون وعباءة حمراء.
وأوضحت لاري أن هناك "نوعا من الحميمية" بين الرجال الثلاثة، وقالت "إنه نوع من الإبداع الذي يمكنك من أن تدون كتابا كاملا عنه"، مشيرة إلى أنها لم تستكشف خفايا الجوانب الفنية في اللوحة بالكامل بعد، حتى على الرغم من أنها عملت على ترميمها طوال أربعة أعوام.
ومنذ عام 2006 دعمت منظمة "تشجيع الفنانات" عملية ترميم لوحة الفنانة نيللي، وإقامة معرض يضم 70 عملا فنيا من بينها لوحة "ديفيد وباتشيبا " للفنانة الإيطالية التي تنتمي إلى المرحلة المبكرة من عصر الباروك أرتيميسيا جنتلسكي، التي ذاعت شهرتها خلال السنوات الأخيرة.
وتتذكر فالكوني رئيسة منظمة "تشجيع الفنانات"، أنه تم تأسيس المنظمة عندما توجهت مؤسستها في جولة بين متاحف فلورنسا، وتساءلت "أين النساء ؟"، وأضافت السيدة المؤسسة "ما وجدناه هو كثير من الأعمال الفنية التي أبدعتها النساء ولكنها تقبع في المخازن، وتم إخفاؤها وهي بحاجة إلى الترميم".
وتقول فالكوني إن عالم الفن أصبح منتبها بدرجة أكبر لهذه القضية، ويرجع الفضل إلى ذلك جزئيا إلى تزايد عدد مديرات متاحف الفن، وتضيف "نأمل بأن نصل ذات يوم إلى وضع تستيقظ فيه المتاحف لهذه القضية، وهي بدأت في الاستيقاظ بالفعل".
ولم ينتهي بعد عمل منظمة "تشجيع الفنانات".
فوفقا لتقديرات فالكوني هناك نحو 1500 عمل فني أبدعتها 40 فنانة تقبع في قاع مؤسسات فلورنسا وتوسكانيا الفنية في انتظار من يكتشفها.
وتقول "إن ما نريد فعله هو إلقاء الضوء عليها".

ألفيس أرميلليني
الاحد 27 سبتمبر 2020