الفكرة تشبه ما يعرفه كل من خضع لعملية جراحية. الجسد قبل العملية مريض لكنه متعايش مع مرضه، وبعد العملية مباشرة يكون الألم أشد مما كان قبلها. لو حكمنا على الجراحة من صباح اليوم التالي لقلنا إنها فشلت. الحكم الحقيقي يأتي بعد أسابيع، حين يقف المريض على قدميه.
أول من سمّى هذه المرحلة «وادي الدموع» كان عالم ألماني اسمه رالف داهرندورف، كتب عام 1990 للشعوب التي كانت تخرج من الحكم الشيوعي كلاماً يشبه كلام طبيب صريح: يمكنكم كتابة دستور جديد في ستة أشهر، أما إصلاح الاقتصاد فيحتاج ست سنوات، وأما أن يعود الناس ليثقوا ببعضهم وبدولتهم فيحتاج ستين عاماً. وبين اليوم الأول واليوم الذي يشعر فيه الناس بالفرق، وادٍ لا بد من عبوره. لماذا يكون هذا الوادي مؤلماً إلى هذا الحد؟ هناك خمسة أسباب يعرفها كل من مر بها، حتى لو لم يقرأ كتاباً في الاقتصاد.
عالم اسمه آدم بشيفورسكي رسم الفكرة بحرف واحد هو حرف J اللاتيني: خط ينزل أولاً ثم يصعد إلى أعلى مما كان. هذا شكل كل إصلاح صادق. المشكلة أن النزول يحدث في الشهر الأول والصعود يحتاج شهوراً أو سنوات. سائق التكسي يدفع سعر المازوت الجديد صباح الغد، أما المصفاة التي ستخفض الكلفة فتعود بعد شهرين، والمعمل الذي سيشغل ابنه يُفتح بعد سنة. من يدفع اليوم لا يستطيع أن يرى ما سيقبضه غداً، ومن الطبيعي أن يغضب. الغضب هنا ليس جهلاً بالاقتصاد، وإنما لأن الإنسان يُطلب منه أن يثق في وقت لا يرى فيه أمامه سوى الفاتورة.
الاقتصاد الذي ورثته سوريا كان مريضاً لكنه كان مفهوماً: المعمل يأخذ الوقود بسعر مدعوم ويبيع بسعر تحدده الدولة، والتاجر يعرف كم يشتري وكم يبيع، والموظف يقبض راتباً لا يكفي لكنه يعرف موعده. هذه الخيوط كلها كانت مربوطة ببعضها بطريقة سيئة، لكنها كانت مربوطة. حين تتغير القواعد تنقطع الخيوط القديمة دفعة واحدة، بينما الخيوط الجديدة لم تُنسج بعد.
عالم مجري اسمه يانوش كورناي عاش هذا في بلده وسماه «ركود التحول»: البلد لا يصبح أفقر فعلاً، لكنه يصبح مرتبكاً. المعمل الذي كان يعيش على الدعم يتوقف قبل أن يجد المعمل الجديد سوقه، والتاجر يخبئ بضاعته حتى يفهم السعر الجديد، والمزارع يؤجل الزراعة حتى يعرف كم سيكلفه المازوت. كل واحد ينتظر، والانتظار نفسه يوقف الحياة مؤقتاً.
الاقتصاد الجديد لا يُبنى فوق القديم وإنما في مكانه. المهن التي كانت تعيش على الخلل تموت أولاً: من كان يتاجر بالمازوت المدعوم في السوق السوداء، ومن كان يقبض راتباً على وظيفة لا تنتج شيئاً، ومن كان يربح من فرق سعر الصرف. هؤلاء يخسرون فوراً وبصوت عالٍ ونراهم بأعيننا. أما من سيربح من الاقتصاد الجديد، الشاب الذي سيجد عملاً في المعمل الذي لم يُفتح بعد، والفلاح الذي سيبيع محصوله بسعر عادل، فهؤلاء لم يظهروا بعد ولا يعرفون أنفسهم. لهذا تبدو المرحلة الأولى وكأنها خسارة للجميع: لأن الخاسرين لهم وجوه وأسماء، والرابحين ما زالوا أرقاماً في الخطط.
حتى لو كان الإصلاح سيجعل أغلب الناس أفضل حالاً في النهاية، فإن كل إنسان يسأل نفسه سؤالاً واحداً: هل سأكون أنا من هذه الأغلبية؟ لا أحد يعرف. وهذا الشك يجعل الناس يقاومون تغييراً سيفيدهم جميعاً، لأن كل واحد يخشى أن يكون هو من يدفع الثمن دون أن يقبض المكافأة. ولهذا السبب تحديداً لا تُقنع الأرقام الكبيرة أحداً: الناس لا يعيشون في المعدلات وإنما في بيوتهم. حين تقول الدولة إن الاقتصاد نما، فالأم التي تحسب ثمن المازوت للشتاء تسأل: نما عند من؟
هنا فكرتان تصلحان لكل بيت سوري. الأولى لعالم اسمه ألبرت هيرشمان سماها «أثر النفق»: تخيل أنك عالق في نفق بمسربين، والسير متوقف تماماً. فجأة يبدأ المسرب المجاور بالتحرك. في اللحظة الأولى تشعر بالأمل، لأن حركته تعني أن الازدحام ينفرج وأن دورك آتٍ. لكن إن طال الوقت وبقي مسربك واقفاً بينما الآخرون يمضون، ينقلب الأمل إلى غضب أشد مما لو لم يتحرك أحد. أي أن الناس يحتملون أن يتقدم غيرهم قبلهم، شرط أن يروا بأعينهم أن دورهم قادم فعلاً وقريباً.
والفكرة الثانية لبولندي اسمه ليشيك بالتسيروفيتش، وهو الرجل الذي قاد إصلاح بلده، لاحظ أن بعد كل تغيير كبير هناك نافذة قصيرة من الزمن يقبل فيها الناس تضحيات كانوا يرفضونها في الأوقات العادية، لأنهم يشعرون أن البلد يبدأ من جديد. من يستعمل هذه النافذة لإصلاحات جريئة وسريعة يعبر الوادي، ومن يضيعها بالتردد والتأجيل يكتشف يوماً أنها أُغلقت وأن الصبر نفد.
الوادي مؤلم لأن الأسعار الحقيقية تظهر دفعة واحدة بعد سنوات من الأسعار الكاذبة، ولأن القديم يموت قبل أن يولد الجديد، ولأن الخاسرين يُعرفون قبل الرابحين، ولأن كل واحد يخاف أن يكون الاستثناء، ولأن الصبر له عمر. ومهمة أي دولة جادة ليست أن تلغي هذا الألم، فلا أحد يستطيع، وإنما أن تقصّر الوادي، وتخبر الناس بطوله، وتمسك بيد من يكاد يسقط فيه، وتستعمل نافذة الثقة قبل أن تُغلق.
ليست سوريا أول من يدخل هذا الوادي. بولندا دخلته مطلع التسعينيات حين قررت بعد سقوط النظام الشيوعي أن تحرر أسعارها وتفكك اقتصاد الدولة القديم دفعة واحدة. ارتفعت الأسعار بشكل مخيف في الأشهر الأولى، وأُغلقت مصانع، وخرج الناس إلى الشوارع، وقيل يومها إن البلاد تنهار. بعد سنتين فقط كانت بولندا أول دولة في أوروبا الشرقية تعود إلى النمو، وصارت اليوم واحدة من أنجح اقتصادات القارة.
ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية بدأت من مدن مهدمة وعملة بلا قيمة. في يوم واحد عام 1948 ألغت عملتها القديمة وأصدرت عملة جديدة ورفعت التسعير الجبري عن أغلب السلع. الشهور الأولى كانت قاسية، لكن البضائع التي كانت مخبأة عادت إلى الرفوف خلال أسابيع، ومن هناك بدأت المعجزة الاقتصادية التي يتحدث عنها العالم إلى اليوم.
إندونيسيا عام 2005 رفعت أسعار الوقود بأكثر من الضعف لأن الدعم كان يلتهم الموازنة، لكنها أعادت جزءاً من المال الموفر مباشرة إلى الفقراء على شكل تحويلات نقدية، فهدأ الغضب حين رأى الناس أن العبء لم يُلقَ عليهم وحدهم.
وفي المقابل هناك من دخل الوادي ولم يخرج منه: دول أصلحت دون أن تشرح، أو دون أن تحمي الحلقة الأضعف، أو دون أن تحدد للناس متى ينتهي الألم، أو أصلحت الاقتصاد وتركت الأمن والقانون على حالهما، فتحول الوادي عندها إلى مستنقع. الفرق بين من عبر ومن غرق ليس في حجم الألم، فالألم متشابه في كل التجارب. الفرق في أن الأولى عرفت إلى أين تذهب، وقالت الحقيقة، وحمت من لا يحتمل، وأرت الناس نهاية النفق.
ما تمر به سوريا اليوم ليس أزمة محروقات. المحروقات مجرد آخر وجه من وجوه وادٍ دخلته البلاد كلها منذ لحظة التحرير، ومن الإنصاف أن يُرى المشهد كاملاً.
قبل أقل من عامين ورثت الدولة الجديدة بلداً بلا اقتصاد تقريباً: خزينة فارغة، وعملة فقدت أغلب قيمتها، ومؤسسات تحولت في عهد النظام السابق إلى شبكات نهب، وجيش من الموظفين برواتب لا تشتري طعام أسبوع، وكهرباء بساعات معدودة، ونفط تديره جهات متعددة، وملايين خارج البلاد وملايين نازحون في داخلها، وعقوبات كانت تخنق كل معاملة مصرفية. فوق هذا كله، خرائط سيطرة متعددة وسلاح في كل يد.
خلال هذين العامين حدثت أشياء يعرف كل سوري ثمنها لأنه دفع جزءاً منه. تغيرت العملة وحُذفت الأصفار، فارتبك الناس في الأسواق وما زال بعضهم يرتبك. رُفع الدعم تدريجياً عن الخبز والمحروقات والكهرباء، فارتفعت أسعار كان الجميع يعرف أنها كاذبة لكنه اعتاد كذبها. أُعيد هيكلة مؤسسات ووزارات، فخرج موظفون وتغيرت مواقع وتراجعت خدمات مؤقتاً قبل أن تُبنى من جديد. جرى دمج قوى وفصائل في جيش واحد وأمن واحد، بما يحمله ذلك من توتر واحتكاك في الأطراف. وارتفعت رسوم وضرائب كانت شبه معدومة، لأن دولة بلا موارد ليست دولة. كل هذا هو بالضبط ما وصفه العلماء: الخيوط القديمة انقطعت والجديدة لم تكتمل بعد.
وفي المقابل، رُفعت العقوبات التي كانت تخنق البلاد منذ عقد ونصف، وعادت سوريا إلى المنظمات الدولية والمصارف العالمية، ودخلت استثمارات خليجية وأوروبية إلى الموانئ والطاقة والاتصالات، ونما الاقتصاد من نحو عشرين مليار دولار يوم التحرير إلى ما يقارب ضعفه ونصف اليوم بحسب أرقام الرئاسة، وبدأت المصافي والحقول والمعامل تعود واحدة بعد أخرى. هذه ليست إنجازات كاملة، وإنما بداية عبور. وهي أيضاً «المسرب المجاور» الذي بدأ يتحرك، والناس يراقبونه ويسألون متى يتحرك مسربهم.
ثم جاءت المحروقات لتكشف قاع الوادي دفعة واحدة. سوريا تنتج نحو ثلث ما تستهلكه وتستورد الباقي، وحرب المنطقة أغلقت الممرات البحرية وضاعفت كلفة كل ناقلة، ومصفاة بانياس متوقفة للتأهيل الشامل. رفعت الحكومة الأسعار بنسب وصلت إلى 40 بالمئة، وخرج الناس إلى الطرق في أكثر من أربعين نقطة. القرار موجع ولا يفيد أحداً إنكار وجعه، ومن قال إن الحمل ثقيل قال الحقيقة. لكن الحقيقة الأخرى أن الدولة كانت أمام خيارين: أن تبقي السعر كاذباً وتدفع الفرق من خزينة لا تملكه فيأتي الغلاء بعد أشهر من باب أشد وتغيب المادة من المحطات، أو أن تقول الحقيقة الآن وتدفع ثمنها الآن. اختارت الثاني، وهو الأصعب سياسياً والأصدق اقتصادياً.
ما الذي يجعل هذا الوادي قابلاً للعبور؟ أولاً، لأن للدولة اتجاهاً واضحاً. كل ما جرى في العامين الماضيين، من العملة إلى الدعم إلى الهيكلة إلى الدمج، يصب في مسار واحد: دولة واحدة بمؤسسات حقيقية واقتصاد لا يعيش على الكذب. من عبروا الوادي قبلنا كانوا يعرفون إلى أين يذهبون، وهذه الدولة تعرف.
ثانياً، لأن الدولة اعترفت بالوجع بدل أن تنكره. الرئيس قال بوضوح إن المرحلة الانتقالية قد تحمل صدمات، وإن قرارات مهمة ستظهر آثارها مع الوقت. ومجلس الشعب استدعى وزير الطاقة إلى جلسة استماع علنية بعد أيام من القرار. هذه مؤسسات تعمل، وهذا ما لم يكن السوري يراه في أي أزمة سابقة، حين كانت الأسعار ترتفع بلا تفسير وبلا سؤال وبلا من يُسأل.
ثالثاً، لأن الوادي له نهاية معلنة. الأسعار مؤقتة وتخضع للمراجعة صعوداً وهبوطاً، ومصفاة بانياس تعود خلال نحو شهرين بطاقة أكبر، والإنتاج المحلي يرتفع حقلاً بعد حقل. الوادي الذي نعرف طوله يختلف عن الوادي الذي لا نعرف له نهاية.
وما الذي تحتاجه الدولة لتعبره؟ الاعتراف بالوجع لا يكفي وحده، وتجارب من عبروا الوادي تقول إن على الدولة أربعة واجبات لا تحتمل التأجيل. أن تحمي الخبز والنقل والدواء قبل أي شيء. الوقود يمكن أن يغلو، لكن الرغيف يجب ألا يغيب، وأجرة الطريق يجب أن تُنظم بسرعة، وما يوفَّر من رفع الدعم يجب أن يعود جزء منه مباشرة إلى من لا يحتمل، كما فعل من نجحوا قبلنا.
أن تقول للناس بالأرقام متى وكيف ينتهي كل وجع: متى تعود بانياس وماذا يعني ذلك للسعر، متى تتحسن الكهرباء، متى تُعدل الرواتب لتلاحق الأسعار. الناس يحتملون الصعب إذا عرفوا مداه، ويكسرهم المجهول لا الغلاء. وأن تبقى الدولة واحدة في الأطراف كما في المركز. الاحتجاجات خرجت من الشرق والشمال قبل غيرهما لأن الوادي هناك أعمق: مناطق عاشت سنوات خارج الدولة وتعود إليها اليوم بأسعارها قبل أن تعود إليها بخدماتها.
سوريا خرجت قبل أقل من عامين من أطول ليل في تاريخها الحديث. رُفعت عنها العقوبات، وعادت إلى العالم، وبدأت تبني دولة واقتصاداً من تحت الركام. من عاش الحرب وعرف الجوع الحقيقي والقصف والتهجير يعرف أن ما نمر به اليوم، على قسوته، وادٍ له ضفة أخرى، وأننا نراها.
الحكومة التي تخشى الوادي تبقى على الجبل الخطأ إلى الأبد. والحكومة التي تدخله بلا خريطة تضيع فيه. أما التي تدخله وهي تعرف طريقها وتقول الحقيقة وتحمي الضعيف وتعدل بين الناس، فتلك هي التي تصل. وعلى السوريين، الذين عبروا ما هو أقسى من هذا بكثير، أن يمسكوا بيد دولتهم في هذا الوادي لا أن يتركوها، وأن يبقوا صوتهم عالياً في مطالبهم، وثقتهم أعلى في أن الطريق يصعد.
----------
الثورة


الصفحات
سياسة








