الجمهورية الإسلامية في لبنان

05/06/2020 - فهد سليمان الشقيران

تلك التفاصيل التي يسكنها الشيطان

04/06/2020 - مالك العثامنة


يا وردة الحبّ الشامي!






منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) تأخرت كثيراً، ولكنها في 13/12/2019 وصلت أخيراً، فأدرجت الوردة الدمشقية Rosa Damascena، أو «الوردة الشامية» في تسمية أخرى، أو «الجورية» في التسمية التي أفضّلها كمواطن سوري، ضمن «التراث الثقافي غير المادي» الذي يتوجب صَوْنه؛. كذلك اقتبست اللجنة قرية المراح السورية، في جبل القلمون، في إدراج سلسلة عادات وطقوس وتقاليد وصناعات حرفية ترتبط بالوردة الدمشقية واشتهرت بها هذه القرية على مرّ الأزمنة. وقبل قرار اليونسكو، الهامّ والحيوي حتى إذا وصل متأخراً، كانت المراح موضوعاً لعشرات التحقيقات الإعلامية العربية والعالمية؛ لأسباب عديدة لا تبدأ من الوردة الإعجازية ذاتها، ولا تنتهي عند منتوجات ذائعة الصيت مثل «زيت الورد» و«ماء الورد» و«مربّى الورد»، فضلاً عن مكوّنات العطور النفيسة المختلفة.


 

وفي هذه الأيام تحديداً، ابتداء من منتصف أيار (مايو) وحتى الأسبوع الأوّل من حزيران (يونيو)، يبدأ موسم قطاف الوردة الدمشقية، وتبدأ عمليات الفرز والتحويل والتصنيع المقترنة بالحصاد؛ في أجواء احتفالية فولكلورية تمزج بين خصوصية المكان وتكريم منتوجه الأبرز، وعمومية شعائر الزراعة والاستنبات التي شاعت في حضارات المنطقة على امتداد قرون. وفي مطلع السبعينيات، خلال سنوات الجامعة، شاء حسن الطالع أن يدعونا أحد الزملاء من أبناء القلمون إلى زيارة البلدة الأخرى الشهيرة، عسال الورد، وأن يعرّج بنا على قرية المراح خلال موسم قطاف الورد. ولقد شهدنا تلك البرهة الفريدة من ذهول زميل مغربي إزاء أنساق التماثل مع طقوس أدائية موازية يعتمدها أهالي قرية «قلعة مكّونة» في أعالي الأطلس المغربي، الذين لا يكتفون بإقامة مهرجان للورود (البلدية أو الـ«دامسكينا» كما يقولون، أي الدمشقية في نهاية المطاف) فحسب، بل ينتخبون ملكة جمال الورد أيضاً!

قارئ تعليقات ابن سينا حول الفوائد العلاجية الكبيرة التي تختزنها الوردة الدمشقية سوف يدرك، دون كبير عناء، أنّ الطبيب والفيلسوف العربي كان يتحدث عن وردة أخرى بالتأكيد؛ ليس بمعنى الاختلاف في التسمية والأصل، بل كذلك التكوين والرائحة والطعم

ولعلّ أقدم ظهور للوردة الدمشقية هو في إحدى جداريات قصر كنوسوس، جزيرة كريت اليونانية، حيث الموقع النيوليثي العائد إلى العصر البرونزي وسنة380 ــ100 قبل الميلاد؛ وأمّا في حضارات المشرق فإنّ الوردة تظهر في الحدائق البابلية المعلقة وفي جنائن الفراعنة، وحملها الأمويون من بلاد الشام والمشرق إلى الأندلس والمغرب العربي، وتولى الرومان وبعض قادة الحملات الصليبية نقلها إلى أوروبا. وعلى مستوى المخيّلة البشرية، كما تتجلى في الاساطير مثلاً، يُقال في بابل إنّ الوردة الدمشقية قَدّمت هدية إلى عشتار، أو إلى إيزيس عند المصريين القدماء، أو إلى أفروديت عند الإغريق، أو إلى فينوس عند الرومان. في بعض السياقات المسيحية تقترن الوردة الدمشقية بمريم البتول، وهذا ما تُظهره رسومات كثيرة خلال العصور الوسطى؛ كما تقترن بشخص المسيح أيضاً، كرمز للحبّ الخالص. وفي جانب من سياقات إسلامية، إيران على وجه الخصوص، ترتبط الوردة بالنبيّ محمد.
وقد ذكرها قدماء الكتّاب والشعراء والمؤرخين، أمثال هوميروس وبندار وهيرودوتوس، وكان دانتي في «الكوميديا الإلهية» قد أعطى الفـــردوس هيئة وردة دمشقية، ولجأ شكسبير مراراً إلى سَوْقها في توصيف الجمال الخاطف والبهاء الأقصى وامتزاج اللونين الأحمر والأبيض (في «خاب سعي العشاق»، تُنصح الأميرة والحسان من حولها بأن «يتوهجن مثل وردات دمشقية»، وأن «يتفتحن مثل وردات دمشقية تتفجر»). وأمّا في الشعر العربي، وبمعزل عن مناخات الصحراء التي لا تسهّل ظهور الورد، فللمرء أن يحدّث ولا حرج عن تمثيلات الوردة الدمشقية.
واستناداً إلى خصائص مورفولوجية، وخلاصات الـ DNA في العصور الحديثة، يجري تصنيف الوردة الدمشقية إلى عشرة أعراق؛ لا تقتصر تمايزاتها على اللون والكتلة وطرائق تكتّل البتلات، بل كذلك ــ وهو العنصر الأكثر إدهاشاً بالطبع ــ على الفروقات الدقيقة بين أريج وأريج، خاصة حين تنتعش شجيرات الورد في مناطق طبيعية منسرحة وخالية من التلوّث، مثل قرية المراح السورية أو «قلعة مكّونة» المغربية على وجه التحديد. فإذا غادر المرء كتاباً مفصلاً متخصصاً بالوردة الدمشقية، فإنّ الفنّ التشكيلي يمكن أن يزوّده بعدّة مرجعية زاخرة وثرّة، بصرية هذه المرّة وليست نصّية فقط. الاسم المفضّل عندي هو الفنّان وأخصائي النبات البلجيكي بيير ــ جوزيف رودوتيه Redouté (1759 ــ 1840)، الذي كان الرسام الرسمي في بلاط ماري أنطوانيت ولكن الثورة الفرنسية أبقت رأسه بمنأى عن المقصلة تكريماً لرسوماته، التي لم تكن بديعة جمالياً فقط، بل أرّخت لعشرات النباتات والزهور؛ ثمّ الوردة الدمشقية على وجه الخصوص، حيث رسم رودوتيه أكثر من 250 منها.
وقارئ تعليقات ابن سينا حول الفوائد العلاجية الكبيرة التي تختزنها الوردة الدمشقية سوف يدرك، دون كبير عناء، أنّ الطبيب والفيلسوف العربي كان يتحدث عن وردة أخرى بالتأكيد؛ ليس بمعنى الاختلاف في التسمية والأصل، بل كذلك التكوين والرائحة والطعم. يبقى، بالطبع، أنّ المحمولات الرمزية للوردة الدمشقية تتعدد وتتنوّع طبقاً للثقافة أو السياق أو المناسبة، فهي للأفراح كما للأتراح وللبهجة الروحية كما لإمتاع الحواسّ؛ رغم وجود إجماع عريق على أنها وردة للحبّ في المقام الأوّل، أو الحبّ الصافي على غرار قصيدة أحمد رامي وأغنية محمد عبد الوهاب. الأمر الذي لا يلغي نظرية المغني العراقي الراحل حضيري أبو عزيز، حول ورد «مو خوش ورد، راسك يشيبه»!
-----------
القدس العربي


صبحي حديدي
الاثنين 18 ماي 2020