تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

لمن تُبنى الدولة السورية؟

10/02/2026 - جمال حمّور

الرقة وقسد: سيرة جسور مُدمّرة

28/01/2026 - ياسين السويحة


أديرة مايوركا قصص تصوف تعكس وجه آخر للمنتجع السياحي




فاياديموسا (اسبانيا) - كارولا فرنتزن - يفتح ناسك مسن يرتدي جلبابا بنيا مائلا إلى الرمادي الباب الخشبي الثقيل. يدعي "الناسك جابرييل" وهو الاسم الذي اختاره بنفسه ويبتسم بطريقة ودودة من وراء لحيته الكثة. ورغم أنه يبلغ من العمر 72 عاما فإنه الأصغر بين أربعة نساك يعيشون في صومعة سانتيسيما ترينيداد (الثالوث المقدس) بجزيرة مايوركا، المنتجع السياحي الإسباني الأشهر على البحر المتوسط.


 
يعتبر هؤلاء آخر الناسكين المعروفين الذين لا يزالوا يتبعون أسلوب الحياة المتقشفة الصارم لما يطلق عليه "آباء الصحراء" والذي يعود إلى القرن الثالث الميلادي في الصحراء المصرية لتكريس حياتهم للزهد والصلاة، لذا عندما توافيهم المنية سيندثر إرث قديم للمسيحية.

يقول فيليو باوزا - الذي ألف كتابا عن هذا التقليد الديني الموجود بمسقط رأسه - "إنه أمر مؤسف". ورغم أن باوزا وهو محام يعيش حاليا في العاصمة بالما فإنه منحدر من منطقة فاياديموسا الواقعة على بعد 20 كيلومترا إلى الشمال والقريبة للغاية من صومعة هؤلاء الرهبان.

ويضيف "طوال فترة شبابي كنت أرى الناسكين دوما أيام الأحد وأيام العطلات عندما كانوا يأتون إلى القرية من أجل المشاركة في القداس"، مشيرا "كنت أسعى أن يسجل هذا الكتاب حياتهم للأجيال القادمة".

وقبل سنوات قليلة كان لا يزال هناك ستة ناسكين في صومعتين مختلفتين ولكن توفي اثنان منهم في 2010 وأغلقت صومعة "بتلم في ارتا" أبوابها. ويعيش الناسكون الأربعة الآخرون الذين تتراوح أعمارهم بين 72 و80 عاما الآن في فاياديموسا. وقبل ذلك، وحتى بعد الحرب العالمية الثانية بقليل كان هناك 60 صومعة في مايوركا وفقا لما أكده باوزا. أما الآن فيبدو أن هذا التقليد القديم قد اقترب كثيرا من نهايته.

وتتسم القيم الروحية العليا "لأخوية سان بابلو وسان انطونيو للناسكين" بالصرامة كما تتسم بالزهد والابتعاد كل البعد عن عالم الهواتف الذكية والحواسب اللوحية. وتأسست هذا الطائفة في القرن السابع عشر على يد خوان مير ابن مايوركا الذي أصبح ناسكا منذ أن كان في الخامسة عشرة من عمره.

وتستند القواعد التي وضعها مير إلى أسلوب حياة الناسكين المسيحيين بولس بن طيبة وانطونيو عباد "آباء الصحراء" المصريين. وكتب على لوحة خشبية معلقة على حائط أبيض بسيط عبارة "التوبة للرب والصلاة هما أساس حياة الزهد، عذرها هو السكون والحماية والعزلة وهدفها الاتحاد مع الرب".

وفي الواقع يعني هذا بالنسبة لهم الاستيقاظ في الرابعة فجرا وبعدها الصلاة مرة تلو الأخرى. ويردد الناسكون المزامير والصلوات لمدة 18 ساعة أحيانا في صمت كل على حدة وفي أحيان أخرى سويا في المصلى الكنسي. ويمكنهم الحديث فقط في الساعات المتأخرة من المساء. وحتى عندما يسافرون على متن سيارتهم من طراز رينو ار 4 الصفراء التي تعاني من انبعاجات متجهين للقرية، فإنهم يتلون الصلوات باستخدام المسبحة.

وأوضح باوزا بينما تطوف عيناه بساحل جزيرة مايوركا "هدفهم الوحيد هو وهب حياتهم للرب ولا شيء سوى ذلك، لا يعيشون حتى لأنفسهم، فقط للرب."

والمنظر من الصومعة خلاب على نحو مبهر، فعلى اليمين هناك مصلى صغير مشيد بالحجر وأمامه مقبرة وفي الحديقة المليئة بأشجار السرو، حيث ينتصب تمثال مؤسس الطائفة خوان مير. ويزرع الناسكون الجانب الأكبر من طعامهم في بستان صغير حيث تنمو أشجار الموالح والخضروات. كما يتناولون اللحوم مرة واحدة أسبوعيا ويمتنعون تماما عن تناول الكحوليات. كما يحيكون جلابيبهم بأنفسهم وعندما كانوا شبانا كانوا يصنعون صنادلهم، كما أنهم لا يحبون التقاط الصور لذا فلا يعرف الكثير عنهم.

ولكن كيف يمكن لشخص أن يعيش منعزلا هكذا بعيدا عن الحضارة؟ يقول جابرييل الذي أحيانا ما يخرج عن صمته مع الزائرين "لم أختر هذه الحياة، وإنما الرب دعاني. وهذه الدعوات سر". وأصبح ناسكا منذ أن كان في التاسعة والعشرين من عمره.

يقول باوزا "يجب أن يكون المرشحون بعمر مناسب ليكونوا على ثقة من قدرتهم على التحمل". وسبق لجابرييل زيارة عدة أديرة في المنطقة واطلع على كتب بهذا الخصوص. كما أن أحد أقاربه سلك حياة النساك.

لكن كان ذلك في أزمنة أخرى. حاليا لا يوجد أي خليفة في صومعة فاياديموسا. وأوضح باوزا الذي أجرى أبحاثا طوال عامين واقترب من الناسكين كما لم يفعل أحد ليؤلف كتابه "في آخر عشرين عاما كان هناك شخصان أو ثلاثة فقط مهتمين، ولكن هذه الحياة الدينية الخالصة تبدو صعبة للغاية بالنسبة لهم".

أما جابرييل فله تفسير آخر إذ يقول "شباب اليوم مشغولون بالكثير من الأشياء، يحيط بهم ضحيج لا يمكنهم من سماع النداء".

في الوقت الحالي، لا يريد الناسكون التفكير في نهاية الطريقة التي يعيشون بها، حيث يقول باوزا "لا يريدون حتى سماع أحد يتكلم بهذا الخصوص ولا يروق لهم أن توجه أسئلة لهم حول هذا الشأن، لأنه راسخ في عقيدتهم أن الرب سيرسل لنا من يواصل الطريق".

وفي وقت الطعام تفوح من المطبخ رائحة الخضار المشوي. تمر سحب منخفضة على الجبال وتغرد الطيور ومن بعيد تهدر أمواج البحر. ويشع هذا المكان بروحانيات خاصة تجعل المرء يرغب في المكوث هناك.

ورغم ذلك ألا تبدو الصلاة طوال الوقت يوما تلو الاخر بلا انقطاع أمر صعب؟ يقول جابرييل مبتسما "بالنسبة لي لا". بعدها يغلق الباب الخشبي ويختفي في صمت.

كارولا فرنتزن
الاربعاء 25 يناير 2017