ويعود ذلك إلى أن تكاليف كلا الحالتين فاقت المكاسب الناتجة عنهما. القرم تغرق في ظلام دامش لأن تتار القرم وحلفاؤهم من الأوكرانيين قطعوا خطوط الكهرباء التي تغذي شبه جزيرة القرم منذ أواخر الشهر الماضي. ربما, وكما قال أحد الزعماء التتار بصورة غريبة, بأن الرياح هي التي تسببت في خلل في الأبراج. منذ وقت ليس بالبعيد افتتح بوتين “جسرا للطاقة” ومد كيبلا بحريا يمكن أن يعيد الطاقة مرة أخرى قريبا, ولكن الأمر سوف يستغرق وقتا أطول لاستعادة كامل الطاقة الكهربائية. لقد جعل قطع الطاقة الذي قام به القرميون العلاقة مع كييف أكثر سوء, وذلك مع مطالبة الروس إجراء تغييرات في اتفاقية التجارة الحرة الأوروبية- الأوكرانية, التي سوف تدخل حيز التنفيذ في يناير القادم.
الخطوة التالية, ما لم يكن هناك أي تقدم, سوف تكون مزيدا من العقوبات التجارية الروسية على أوكرانيا. وذلك على خلفية الفشل في كلا البلدين للوفاء بالتزامات وقف إطلاق النار, وسحب القوات والأسلحة الثقيلة وإنشاء منطقة أمنية بمراقبة دولية على طول الحدود الروسية الأوكرانية. هذا التراجع الكبير في العلاقات يمثل مشكلة بالنسبة لأوروبا, ولكنها مشكلة لروسيا أيضا. تجد روسيا أن وكلاءها متطلبين كثيرا وغير طيعين, وقد عادت إلى فكرة أن النفوذ في كييف أكثر أهمية من الاستحواذ على أراض في الشرق, وهي تريد مبادلة شيئ من التعاون في سوريا مع اتفاق ما حول أوكرانيا والعقوبات الأوروبية. سواء أكان ذلك واقعيا أو لا, فإنه المنظور القادم سوف يكون حربا تجارية أوسع, أو الأسوأ من ذلك, العودة إلى مستويات عالية من الأعمال العدائية.
في سوريا, نجح التدخل الروسي دون شك في في دعم الرئيس الأسد في المرحلة التي كان فيها النظام وداعميه الإيرانيين قلقين من أنهم ربما يواجهون تراجعا كبيرا. ولكن ذلك لا يعني أنه عكس الأمور هناك. الهجوم الرئيس الأول الذي شنته القوات السورية بعد أن جاء الروس بطائراتهم توقف بصورة دموية من قبل المتمردين المسلحين بالصواريخ الموجهة المضادة للدبابات التي حصلوا عليها من داعميهم الخليجيين. كحال الولايات المتحدة, وجدت روسيا أن قوتها الجوية ليست لمسة سحرية. الدبلوماسية ليست بالأمر السهل: الاستخبارات الروسية والترتيبات الأخرى مع إيران والعراق تؤسس لتحالف هش يمكن أن ينهار بسهولة, وخاصة فيما يتعلق بمستقبل الرئيس الأسد, وخاصة مع شكوك الإيرانيين أن روسيا ربما تكون مستعدة في مرحلة ما للتخلي عن الرئيس السوري. نتيجة للصراع مع تركيا, ربما يتعلم بوتين بأن الأمر بحاجة إلى وقت كبير لصنع صديق, ولكن الأمر لا يستغرق أكثر من يوم لخسارته. العلاقات الروسية التركية كانت تسير في منحنى متصاعد منذ عام 1992, وقد شهدت أفضل الحالات في عهد الرئيس ديمتري ميدفيدف الذي كان من بين المستمعين لخطاب بوتين يوم الخميس. لم يكن قصف العرقية التركمانية تحركا ذكيا, بغض النظر عما نعتقده حيال رد الفعل التركي. كان هدف روسيا هو إجراء تغيير في الوضع السوري. ولكن بدلا من ذلك, فإنها لم تفعل أكثر من إضافة حماقاتها على حماقات الآخرين.
في أعين الكثير من الروس, فإن المغامرة السورية ساهمت أيضا في مأساة لهم كمدنيين, وذلك على شكل تفجير طائرة روسية تحمل سياح روس عددهم224 شخصا. بصورة صحيحة أو خاطئة, مثل هذه الصدمة ترى على أنها دليل أن هناك ثمن يجب دفعه للتدخل في الخارجي, وهو أمر يجب أخذه بالحسبان قبل القيام بأي تحرك, كما حصل في الجدل البريطاني حول الضربات الجوية في سوريا. لم يحصل مثل هذا الحوار في روسيا. ولكن الأمر لا زال ممكنا, في كل من أوكرانيا وسوريا, بحيث يمكن لروسيا أن تخرج بحلول تشاركية. تتحمل الدول الغربية قسطا كبيرا عن العبث الهائل الذي جرى في كلتا الحالتين, ولكننا بحاجة إلى روسيا أكثر اعتدالا وأقل عدوانية إذا كان في وسعنا الوصول إلى ذلك
--------------------
الغارديان: ترجمة مركز الشرق العربي


الصفحات
سياسة









