تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

لمن تُبنى الدولة السورية؟

10/02/2026 - جمال حمّور

الرقة وقسد: سيرة جسور مُدمّرة

28/01/2026 - ياسين السويحة


"القات" يتوغل بين اليمنيين بكثافة وسط الأزمة الراهنة




صنعاء - طالت أضرار الحرب الراهنة في اليمن كل شيء وتسببت في تدهور اقتصادي كبير أثر على معظم الأنشطة التجارية، حيث توقفت المصانع، وفقد العديد من السكان وظائفهم، وارتفعت نسبة البطالة وانعدم الأمن الغذائي في أوساط السكان. ومع ذلك، لا تزال أسواق القات منتعشة في كافة المدن والمحافظات اليمنية، فأينما وليت وجهك ترى هذه الاسواق مكتظة بالمواطنين الذين يتوافدون لشراء القات، لا سيما في وقت الظهيرة.


والقات هو نبتة مُعمرة دائمة الخضرة تنمو على ارتفاعات تتراوح بين 1000 و2500 متر فوق سطح البحر، وتعطي حالة من النشاط عند تعاطيها. ويقضي الكثير من اليمنيين ساعات طويلة في مضغ القات بشكل يومي، حيث يبدأ غالبيتهم بمضغ القات من الساعة الثانية بعد الظهر حتى السادسة مساءً، وقد يستمر بعضهم إلى المساء. ويأتي الرجال في المرتبة الأولى من حيث تعاطي القات، ومن ثم النساء فالأطفال.

في سوق شميلة المركزي لبيع القات، جنوب صنعاء، يقف شايف الذيباني أمام إحدى محال بيع القات باحثاً عن نوعية القات التي تناسبه وتتناسب مع المبلغ الذي يملكه.

يتفحص الذيباني حُزم القات واحدة تلو الأخرى ليختار الأفضل، ويقول لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ)، "هذا القات ليس بالنوع الممتاز ولكنه مناسب لي لأني لا أملك سوى 1500 ريال (6 دولارات) وسأنفقها كلها على القات ومن ثم اواصل عملي حتى المساء."

الذيباني سائق سيارة أجرة، وهي مصدر دخله الوحيد الذي يقتات منه هو وأسرته المكونة من أربعة أفراد، وعلى الرغم من أنه يمر بظروف مادية صعبة بسبب الوضع الإقتصادي المتدهور الذي تشهده البلاد، إلا أنه لا يستغني عن القات طوال أيام الأسبوع، ويعزو ذلك إلى تعطل الأعمال وتعرض أماكن الترفيه للتدمير جراء الصراع الدائر حالياً في اليمن.

ويضيف "توقفت عن تعاطي القات لمدة ثلاث سنوات إلا أني عدت إليه مجدداً وبشكل أكبر منذ تدهور الوضع في البلد قبل أكثر من عام ونصف. في بعض الأيام اضطر للعمل لساعات طويلة فقط لأجمع المبلغ الذي يكفيني لشراء القات، فقد كنا ننشغل في السابق بالوظيفة والمتنزهات والزيارات والسفر ولكن حالياً لا يوجد أمامنا سوى القات، فهو فيتامين النسيان والشيء الوحيد الذي ينسينا جميع الهموم التي نعاني منها في هذا البلد".

ويشهد اليمن، الذي يصنف من أفقر دول العالم، وضعاً اقتصادياً صعباً بسبب الحرب الدائرة منذ نحو عامين في العديد من المحافظات، وما رافقها من عجز الحكومة عن دفع رواتب موظفي القطاع العام لعدة أشهر وارتفاع اسعار المواد الأساسية. وبالرغم من ذلك، انتشرت ظاهرة بيع وتعاطي القات بشكل أكبر في اوساط المواطنين، وتوسعت معها زراعة اشجار القات على مساحة كبيرة من الأراضي.

وكانت اشجار القات تُزرع في السابق على المرتفعات الجبلية والهضاب، إلا أنها تمددت في الوقت الراهن نحو السهول والأراضي الزراعية لتغطية الطلب المتزايد على القات في اوساط المواطنين. صالح الهمداني، مالك مزرعة قات، يقول لوكالة الأنباء الألمانيةـ (د.ب.أ)، إن زراعة القات ازدهرت خلال مدة الحرب التي تشهدها اليمن، ومن المتوقع ان تشهد ازدهارا أكبر خلال السنوات القادمة، مشيراً إلى أن الحرب ساهمت في مضاعفة الطلب على القات، وهو ما دفع المزارعين إلى التوسع في زراعة القات.

ويؤكد الهمداني أن اليمنيين باتوا أكثر إقبالاً على شراء القات مقارنة بالسابق، ويضيف "من المعروف أن القات هو أكثر ما يسعد اليمنيين في ظل الظروف الصعبة التي يعيشونها، والفراغ الكبير الذي يعانون منه، فلولا القات لماتوا قهراً من هول ما يرونه ومن كثرة الهموم والتفكير".

ويشير الهمداني إلى أن معظم المزارعين توقفوا عن زراعة البن والخضروات والفواكه والحبوب وبدأوا يزرعون القات بدلا منها، نظراً للأرباح الوفيرة التي يجنونها من زراعة القات على مدار العام.

وتشير احصائيات الإدارة العامة للإحصاء الزراعي بوزارة الزراعة والري، إلى أن اليمن يشهد توسعاً ملحوظاً في زراعة القات بمعدل 4 - 6 آلاف هكتار سنوياً، طالت أودية وحقولا خصبة تشتهر بزراعة أجواد أنواع المحاصيل. ويؤكد المهندس وجيه المتوكل، باحث في هيئة البحوث الزراعية بوزارة الزراعة والري، أن زراعة القات تتوسع بصورة مستمرة حتى في ظل ظروف الحرب الراهنة.

ويقول المتوكل لـ (د.ب.أ) أن زراعة القات تتزايد بشكل مضاعف من عام للآخر خاصة في الوديان والسهول والقيعان، حيث كانت المرتفعات هي وحدها المناطق المحددة لزراعة القات في السابق، "وهذا يعد أمراً خطير".

وبحسب المتوكل، أثرت المواجهات المسلحة الدائرة في محافظات صعدة وحجة وتعز بشكل كبير على زراعة القات في المرتفعات، الأمر الذي جعل مزارعي القات يتجهون نحو المناطق السهلية. وأشار المتوكل إلى أن وزارة الزراعة قدمت قبل سنوات خطة لمنع زراعة القات في الوديان والقيعان الخصبة التي تزرع فيها الحبوب والخضروات، ونوقشت تلك الخطة في مجلس الوزراء آنذاك، وصدر تعميم على المجالس المحلية بذلك، إلا أن ذلك التعميم لم ينفذ منذ صدوره نظراً لعدم وجود آلية تنفيذية حقيقية.

ويضيف "أما خلال الحرب والحصار المفروض حالياً على اليمن، اصبح من الصعب تنفيذ أي نشاط زراعي أو بحثي، إلى جانب عدم توفر الدعم المالي للوزارة سواءً في الجانب الزراعي أو البحثي أو الارشادي".

ولا يوجد حتى الآن أي قانون يمنع زراعة القات في القيعان والسهول الزراعية أو استبداله بالمحاصيل الأخرى.

ويشكل بيع وزراعة القات مصدر دخل رئيسي للكثير من المواطنين، لا سيما بعد توقف الكثير من الأعمال جراء الركود الذي يشهده الاقتصاد اليمني منذ بدء الصراع نهاية آذار/ مارس 2015.

ويقول علي العُمري، بائع قات، لـ (د.ب.أ) إن بيع القات يمثل مصدر دخل له ولغيره من المزارعين والبائعين، إلى جانب كونه الشيء الذي يساعد اليمنيين على قضاء أوقات الفراغ الطويلة بعد توقف الأعمال. يكتظ محل العُمري بالزبائن الذين يقصدونه من مناطق مختلفة لشراء القات، بينما يضع العُمري أكياس القات البلاستيكية بجانبه بحسب نوعية القات (الأرحبي، الهمداني، العنسي، والماوية).

يمضغ العُمري القات داخل محله ويناول أكياس القات لزبائنه، ويقول لـ (د.ب.أ) "أسهمت تجارة القات وزراعته في خلق فرص عمل في مزارع القات وخارجها، كما وفرت لسائقي وسائل النقل فرص عمل جيدة تتمثل في نقل القات من أماكن زراعته إلى الأسواق. وبالإضافة إلى ذلك، يرفد القات خزينة الدولة بعائدات كبيرة متمثلة في الضرائب المفروضة عليه."

ويضيف "ماذا سأفعل في حال توقفت عن بيع القات. هل أمد يدي للناس؟"

ويستمر المزارعون في زراعة القات في الوقت الذي تتفاقم فيه أزمة الجوع في اليمن بشكل كبير. فبحسب تقرير صادر عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة مطلع الشهر الجاري، يعاني 14 مليون شخص في اليمن من انعدام الأمن الغذائي.

ونقل التقرير عن ممثل منظمة "الفاو" في اليمن، صلاح حاج حسن قوله إن "الأزمة الحالية التي تشهدها اليمن تعد من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتدهور مشكلة حصول الناس على الغذاء بسرعة".

وقد خصص الاتحاد الاوروبي مبلغ 12 مليون يورو لدعم المنظمة، حيث سيتم استخدام المبلغ في زيادة الوعي بحجم الوضع الراهن وتفادي تصاعد الأزمة، إضافة إلى تقديم الدعم الزراعي الفوري لأكثر من 150 الف شخص لمساعدتهم على التحسين السريع لإنتاج الغذاء والتغذية.

ويرى أحمد سعيد شماخ، الخبير الاقتصادي ورئيس مؤسسة الإعلام المالي والاقتصادي للدراسات، أن التوسع في زارعة القات، سيؤثر بشكل كبير على المساحات الزراعية الخصبة التي كانت تدر دخلاً على المواطن اليمني.

وتابع في تصريح لوكالة الأنباء الألمانية (د..ب.أ)، "في ظل اقتصاد الحرب يجب الاتجاه والنظر إلى ما تمتلكه اليمن من موارد زراعية وهي موارد متواجدة ومتنوعة، كزراعة الحبوب والبن والخضروات والفواكه".

وأشار إلى أن السياسات المغلوطة التي تعيشها البلاد حالياً، ساهمت في توسع زراعة القات على حساب الأراضي الزراعية الخصبة. وأضاف، "ما يصرفه متوسط اليمنيين على القات ومستلزماته (سجائر- مياه- مشروبات غازية) لعام كامل يتجاوز 7 مليار و 500 مليون دولار سنوياً.

وأفاد بأن كثيرا من اليمنيين يقترضون المال لشراء القات، خصوصاً بعد توقف رواتبهم الشهرية، وهو ما سيزيد حالتهم الاقتصادية سوءا. ويرى شماخ أن من ضمن الحلول التي ستساهم في التقليل من زراعة القات، هو التخفيف من البطالة عن طريق إنشاء مشاريع صغيرة، إضافة إلى ايجاد سياسيات حقيقية لاستغلال الأراضي الخصبة في زارعة المواد الغذائية والبن، من ثم توفير مخزون غذائي إلى جانب إيجاد فرص للأيادي العاملة.

امل اليريسي
الاربعاء 8 فبراير 2017