ويسود جو من التوتر المحموم والغموض والخوف، وفي هذا المكان يبدو أن الحضارة قد ولت وانتهت، ويبدأ الحكم العنيف لأشد منظمات العالم الإرهابية إثارة للرعب على الجانب الآخر من جدار متداع.
ويحتشد المقاتلون - ومن المتعذر وصفهم بأنهم جنود في جيش نظامي - خلف الجدار، بينما تسلط شمس الصيف الحارقة بشمال أفريقيا أشعتها اللاهبة عليهم.
ويمكن سماع أصوات طلقات الرصاص، إلى جانب الصوت الرتيب المنبعث من انفجارات دانات مدافع الهاون في أعنف عمليات قتال تدور في هذه المنطقة خلال أسابيع، وعلى النافذة الخلفية المحمية بأكياس الرمل للشاحنة الصغيرة كتب شخص ما كلمة " المنصور " بالحروف العربية.
وقال نجل الجاسري وهو يشير بأصابعه تجاه خوذته المموهة طالبا الإذن من والده " سنقوم بالدخول الآن ".
وكان الجاسري قد قال للصحفيين قبل بضعة أيام وهو ينظر إليهم من فوق عدسات نظارته مثل مدرس صارم " لقد جئتم متأخرين جدا، لأن المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية انتهت".
وقد يكون هذا القول مبالغا فيه، غير أن له وجاهته.
وأعربت كل من برلين ولندن وواشنطن عن قلقها منذ بضعة أسابيع إزاء تمدد داعش في ليبيا، وقدرت هذه العواصم عدد أفراد مقاتلي داعش بأكثر من ستة آلاف مجاهد يسيطرون على قطاع ساحلي يمتد بطول 300 كيلومتر.
وقال المراقبون إنه من المستحيل وقف تقدم المقاتلين بدون شن ضربات جوية مكثفة من جانب القوى الغربية، وحذروا من إمكانية سقوط مصراته المركز التجاري الرئيسي في ليبيا وبعدها مدينة طرابلس التي تبعد عنها باتجاه الغرب بمسافة 190 كيلومترا فقط.
ولكن الذي حدث هو بدء حالة تعبئة لميليشيات مصراته، ويمكن الآن رؤية المركبات المحترقة مصطفة على جانبي الطريق المتجه شرقا من مصراته إلى مدينة سرت، التي كانت قوات داعش تسيطر عليها حتى فترة قريبة.
وكانت العربات محملة بالشحنات الناسفة التي كان الجهاديون يفجرونها، محدثين خسائر جسيمة في الأرواح بين صفوف المقاتلين الذين تقدموا ليحاصروا سرت.
وتم بسرعة دفع المتطرفين بداعش - وكان عددهم أقل بكثير من تقديرات المسؤولين العسكريين الغربيين - إلى داخل مدينة سرت مسقط رأس معمر القذافي الديكتاتور الذي تم الإطاحة به وقتله عام 2011.
غير أنه من المرجح أن تكون المعركة الوشيكة التي ستدور من شارع لشارع لإحكام السيطرة على سرت دموية.
ويقول قادة إحدى الميلشيات الليبية وهو يجلس في الناحية الخلفية لمقهى ملبد بغيوم ناتجة عن التدخين جاذبا أنفاسا من نرجيلة، بينما تغوص عيناه السوداوين في أعماق وجهه المضطرب " إننا نقاتل إناسا يريدون الموت، وهو أمر يجردهم من بشريتهم ".
بينما يقول إسماعيل شكري مدير المخابرات العسكرية في المنطقة إن الجهاديين جاءوا من تونس ومصر ودول مجاورة أخرى، ومن بينهم مقاتلون من جماعة بوكو حرام المتطرفة التي تتخذ من شمال شرقي نيجيريا قاعدة لها.
ويضيف شكري إن هناك دلائل أيضا على وجود ثلاثة فرنسيين وسويسريين اثنين بين مقاتلي تنظيم داعش.
ويتكهن بأن الكثيرين من مقاتلي داعش سيحاولون الذوبان في السكان المدنيين حيث سيحلقون لحاهم، كما أعرب عن قلقه إزاء وجود خلايا نائمة في جميع أنحاء ليبيا، وتخشى مصراته بوجه خاص الهجمات الانتقامية.
وبينما تقود المعركة رسميا حكومة الوفاق الليبية التي تشكلت في طرابلس في الربيع الماضي بمساعدة الأمم المتحدة، فإن الميلشيات غير المحترفة هي التي تخوض القتال إلى جانب جيش ضعيف ويفتقر إلى العدة والعتاد، ويرتدي بعض مقاتليه زيا مموها بلون الصحراء بينما يرتدي البعض الآخر تي شيرتات وسراويل الجينز، ويضع عدد قليل من الجنود خوذات.
ويبدو في الغالب أن كل أسرة في مصراته لديها ابن على الجبهة.
وتندفع عربات الإسعاف في غربي سرت وهي تومض بأضواء زرقاء خلال شوارع الضواحي حاملة الجرحى إلى مستشفى ميداني.
وتحمل شاحنة مبردة 20 جثة لإعادتها إلى مصراته، وفارق المئات الحياة وهم يقاتلون داعش منذ أيار/مايو الماضي، ويقترب عدد المصابين من ألف جريح، ويتم نقل الحالات الخطيرة جوا لتلقي العلاج في تونس وتركيا.
ويشعر القادة والمقاتلون والسياسيون الليبيون بأن أوروبا تخلت عنهم، وهم بحاجة بالإضافة إلى علاج المصابين إلى صدريات واقية من الرصاص ونظارات للرؤية الليلية ومعدات لإزالة الألغام.
والرسالة التي يوجهها الكثيرون هنا هي أن " المعركة ضد داعش هي معركة دولية، ونحن نموت هنا من أجلكم ".
غير أن الجاسري يعترف بالحصول على مساعدات مهمة من الخارج، ويقول إن القوات الخاصة الأمريكية والبريطانية " لعبت دورا بارزا منذ البداية "، مشيرا إلى وجود عشرة جنود وطائرة بدون طيار تقوم بالتجسس على قوات داعش.
ويضيف إن " هذه القوات الخاصة ترشدنا إلى الأهداف لنهاجمها "، ويتم تنفيذ بعض الهجمات بطائرات لم تستخدم منذ 1986.
وسيمثل الانتصار على داعش نجاحا كبيرا للحكومة الجديدة في طرابلس، غير أنه ليس من الواضح إمكانية الحفاظ على تماسك التحالف على جبهة القتال بعد تحقيق الانتصار.
ومن المفارقات أن داعش أثبتت أنها عامل توحيد، فلولا مساندة كثير من الميلشيات من مختلف أنحاء ليبيا، لكانت الحكومة في طرابلس عاجزة.
وصار الإحساس في مصراته بتراخي الحكومة موضعا للسخرية من جانب البعض ومبعثا للغضب لدى البعض الآخر، وثمة مشكلات كثيرة اعتبارا من نقص السيولة المالية إلى تقطع إمدادات الكهرباء.
ولا يزال الهدف الرئيسي لحكومة الوفاق وهو توحيد الحكومات المتنافسة في شرقي وغربي البلاد أملا بعيد التحقيق.
وهذه الفوضى والمنافسة والفرقة هي التي فتحت الباب أمام تنظيم داعش لدخول الأراضي الليبية.
ويحتشد المقاتلون - ومن المتعذر وصفهم بأنهم جنود في جيش نظامي - خلف الجدار، بينما تسلط شمس الصيف الحارقة بشمال أفريقيا أشعتها اللاهبة عليهم.
ويمكن سماع أصوات طلقات الرصاص، إلى جانب الصوت الرتيب المنبعث من انفجارات دانات مدافع الهاون في أعنف عمليات قتال تدور في هذه المنطقة خلال أسابيع، وعلى النافذة الخلفية المحمية بأكياس الرمل للشاحنة الصغيرة كتب شخص ما كلمة " المنصور " بالحروف العربية.
وقال نجل الجاسري وهو يشير بأصابعه تجاه خوذته المموهة طالبا الإذن من والده " سنقوم بالدخول الآن ".
وكان الجاسري قد قال للصحفيين قبل بضعة أيام وهو ينظر إليهم من فوق عدسات نظارته مثل مدرس صارم " لقد جئتم متأخرين جدا، لأن المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية انتهت".
وقد يكون هذا القول مبالغا فيه، غير أن له وجاهته.
وأعربت كل من برلين ولندن وواشنطن عن قلقها منذ بضعة أسابيع إزاء تمدد داعش في ليبيا، وقدرت هذه العواصم عدد أفراد مقاتلي داعش بأكثر من ستة آلاف مجاهد يسيطرون على قطاع ساحلي يمتد بطول 300 كيلومتر.
وقال المراقبون إنه من المستحيل وقف تقدم المقاتلين بدون شن ضربات جوية مكثفة من جانب القوى الغربية، وحذروا من إمكانية سقوط مصراته المركز التجاري الرئيسي في ليبيا وبعدها مدينة طرابلس التي تبعد عنها باتجاه الغرب بمسافة 190 كيلومترا فقط.
ولكن الذي حدث هو بدء حالة تعبئة لميليشيات مصراته، ويمكن الآن رؤية المركبات المحترقة مصطفة على جانبي الطريق المتجه شرقا من مصراته إلى مدينة سرت، التي كانت قوات داعش تسيطر عليها حتى فترة قريبة.
وكانت العربات محملة بالشحنات الناسفة التي كان الجهاديون يفجرونها، محدثين خسائر جسيمة في الأرواح بين صفوف المقاتلين الذين تقدموا ليحاصروا سرت.
وتم بسرعة دفع المتطرفين بداعش - وكان عددهم أقل بكثير من تقديرات المسؤولين العسكريين الغربيين - إلى داخل مدينة سرت مسقط رأس معمر القذافي الديكتاتور الذي تم الإطاحة به وقتله عام 2011.
غير أنه من المرجح أن تكون المعركة الوشيكة التي ستدور من شارع لشارع لإحكام السيطرة على سرت دموية.
ويقول قادة إحدى الميلشيات الليبية وهو يجلس في الناحية الخلفية لمقهى ملبد بغيوم ناتجة عن التدخين جاذبا أنفاسا من نرجيلة، بينما تغوص عيناه السوداوين في أعماق وجهه المضطرب " إننا نقاتل إناسا يريدون الموت، وهو أمر يجردهم من بشريتهم ".
بينما يقول إسماعيل شكري مدير المخابرات العسكرية في المنطقة إن الجهاديين جاءوا من تونس ومصر ودول مجاورة أخرى، ومن بينهم مقاتلون من جماعة بوكو حرام المتطرفة التي تتخذ من شمال شرقي نيجيريا قاعدة لها.
ويضيف شكري إن هناك دلائل أيضا على وجود ثلاثة فرنسيين وسويسريين اثنين بين مقاتلي تنظيم داعش.
ويتكهن بأن الكثيرين من مقاتلي داعش سيحاولون الذوبان في السكان المدنيين حيث سيحلقون لحاهم، كما أعرب عن قلقه إزاء وجود خلايا نائمة في جميع أنحاء ليبيا، وتخشى مصراته بوجه خاص الهجمات الانتقامية.
وبينما تقود المعركة رسميا حكومة الوفاق الليبية التي تشكلت في طرابلس في الربيع الماضي بمساعدة الأمم المتحدة، فإن الميلشيات غير المحترفة هي التي تخوض القتال إلى جانب جيش ضعيف ويفتقر إلى العدة والعتاد، ويرتدي بعض مقاتليه زيا مموها بلون الصحراء بينما يرتدي البعض الآخر تي شيرتات وسراويل الجينز، ويضع عدد قليل من الجنود خوذات.
ويبدو في الغالب أن كل أسرة في مصراته لديها ابن على الجبهة.
وتندفع عربات الإسعاف في غربي سرت وهي تومض بأضواء زرقاء خلال شوارع الضواحي حاملة الجرحى إلى مستشفى ميداني.
وتحمل شاحنة مبردة 20 جثة لإعادتها إلى مصراته، وفارق المئات الحياة وهم يقاتلون داعش منذ أيار/مايو الماضي، ويقترب عدد المصابين من ألف جريح، ويتم نقل الحالات الخطيرة جوا لتلقي العلاج في تونس وتركيا.
ويشعر القادة والمقاتلون والسياسيون الليبيون بأن أوروبا تخلت عنهم، وهم بحاجة بالإضافة إلى علاج المصابين إلى صدريات واقية من الرصاص ونظارات للرؤية الليلية ومعدات لإزالة الألغام.
والرسالة التي يوجهها الكثيرون هنا هي أن " المعركة ضد داعش هي معركة دولية، ونحن نموت هنا من أجلكم ".
غير أن الجاسري يعترف بالحصول على مساعدات مهمة من الخارج، ويقول إن القوات الخاصة الأمريكية والبريطانية " لعبت دورا بارزا منذ البداية "، مشيرا إلى وجود عشرة جنود وطائرة بدون طيار تقوم بالتجسس على قوات داعش.
ويضيف إن " هذه القوات الخاصة ترشدنا إلى الأهداف لنهاجمها "، ويتم تنفيذ بعض الهجمات بطائرات لم تستخدم منذ 1986.
وسيمثل الانتصار على داعش نجاحا كبيرا للحكومة الجديدة في طرابلس، غير أنه ليس من الواضح إمكانية الحفاظ على تماسك التحالف على جبهة القتال بعد تحقيق الانتصار.
ومن المفارقات أن داعش أثبتت أنها عامل توحيد، فلولا مساندة كثير من الميلشيات من مختلف أنحاء ليبيا، لكانت الحكومة في طرابلس عاجزة.
وصار الإحساس في مصراته بتراخي الحكومة موضعا للسخرية من جانب البعض ومبعثا للغضب لدى البعض الآخر، وثمة مشكلات كثيرة اعتبارا من نقص السيولة المالية إلى تقطع إمدادات الكهرباء.
ولا يزال الهدف الرئيسي لحكومة الوفاق وهو توحيد الحكومات المتنافسة في شرقي وغربي البلاد أملا بعيد التحقيق.
وهذه الفوضى والمنافسة والفرقة هي التي فتحت الباب أمام تنظيم داعش لدخول الأراضي الليبية.


الصفحات
سياسة









