منذ أن سيطر تنظيم "داعش" على الموصل وبعد أن تراخت قبضة بغداد في الأنبار مع عودة الجهاديين إلى الفلوجة مطلع العام، بدأت تظهر بوادر إعادة تشكيل الميليشيات الشيعية مع عودة عدد من كوادر ومقاتلي هذه الميليشيات من سوريا بعد تمرسهم في حرب المدن والشوارع. فمع استفحال الصراع في العراق وتقهقر القوات المسلحة العراقية من جيش وشرطة أمام ضربات تنظيم "الدولة الإسلامية" في عدد من المناطق توقفت رحلات الذهاب إلى سوريا وبدأت رحلات العودة إلى العراق. ففي وجه قوة عقائدية، حيث يلعب الالتزام والاندفاع الشخصي الدور الأهم لدى المقاتل، كان لا بد من أن تلجأ السلطات العراقية إلى قوة موازية. ألم يكن رئيس الوزراء العراقي السابق، نوري المالكي، هو أول من تبنوا مطلع العام نظرية الصراع الديني بين السنة والشيعة ؟ قائلا أن "أنصار الحسين وأنصار يزيد يصطدمون بمواجهة شرسة عنيدة... الجريمة بحق الحسين لم تنته لا زالت فصولها نعيشها اليوم...". وهذا ما قد يفسر بشكل كبير تهاوي قوات الشرطة في المناطق ذات الأغلبية السنية في عدد من المحافظات العراقية، فقد شعر هؤلاء أنهم سيدخلون في صراع خاسر ، فضلا عن خوفهم من عودة الجهاديين لمدنهم ودفعهم لثمن سياسات بغداد. وهذا ما ينطبق أيضا على الصحوات التي جُندت ودُربت أمريكيا، هي التي استطاعت أن تُخرج "دولة العراق الإسلامية" من مدن الأنبار، وجدت نفسها في موقف حرج بعد أن تخلت عنها حكومات المالكي المتعاقبة بالرغم من الوعود المقطوعة لها وللأمريكيين معها. وللمفارقة الكثير من جهاديي تنظيم "الدولة الإسلامية" اليوم هم من أبناء هذه العشائر الذين خرجوا عن طاعة شيوخهم ومنهم من أجبر عشيرته وبحكم الأمر الواقع أن تلحق بالركب وتبايع أبو بكر البغدادي.
عنف يُستثمر وعنف يُخبأ
فتشدد تنظيم "الدولة الإسلامية" العلني وخطابه الواحد الموجه للعالم كما لمؤيديه، كما عنفه ودمويته كلها ظاهرة للعلن. لا بل ويقوم التنظيم بمجهود دعائي ضخم لإخراج وتظهير واستثمار العنف والإرهاب كسلاح فتاك في جعبته، فصور المجازر بحق الجنود والمتطوعين الشيعة كما إعدام مقاتلي عشيرة البونمر السنية نشرها التنظيم نفسه ومشاهد النحر وقطع الرؤوس كذلك. بيد أن الجهة المقابلة من قوات حكومية وصحوات وميليشيات شيعية لا تقل دموية وعنفا، لكنها على خلاف التنظيم تتستر على ذلك وتقوم بمجهود ضخم لإخفاء عنفها وتجاوزاتها. لكنه بين فترة وأخرى تخرج أو تُسرّب مقاطع وصوّر عن تنكيل بجثث وإعدامات ميدانية وقتل على الهوية. علما أنه أواخر شهر آب/ أغسطس الفائت حصلت مجزرة بحق مصلين في مسجد مصعب بن عمير في ديالى، وقع ضحيتها العشرات من القتلى والجرحى ما جعل إخفاءها عن الإعلام صعب.
أول من أضاء على هذا الواقع العراقي المستجد بطريقة جدية وعلمية كانت "منظمة العفو الدولية" عبر تقرير نشرته منتصف الشهر الفائت أكتوبر/تشرين الأول بعنوان "العراق: أدلة تثبت ارتكاب جرائم حرب على أيدي الميليشيات الشيعية التي تدعمها الحكومة". وبما أن المكتوب يُقرأ من عنوانه من الواضح أن المنظمة الحقوقية تُحمل السلطات العراقية المسؤولية الكاملة عن تجاوزات الميليشيات الشيعية. بما في ذلك حكومة حيدر العبادي خلف نوري المالكي في رئاسة الحكومة العراقية.
يشمل تقرير المنظمة الحقوقية، المكون من 32 صفحة والموثق بالصور والأدلة والشهادات، توثيقا لعدد من عمليات الخطف التي جرت طلبا للفدية. فقد تم استغلال الحالة الأمنية المتردية إما لتصفية حسابات أو للربح المادي. ويفيد التقرير أن العديد من الذين خطفوا من المدنيين السنة قد تم قتلهم حتى وبعد دفع ذويهم للفدية التي كانت تصل في بعض الأحيان لمبلغ 80.000 دولار أمريكي. ذلك بينما يبقى مصير العديد من المختطفين مجهولا حتى الساعة.
كما أن التقرير يفيد بأن عمليات انتقام جماعية وإعدامات ميدانية قامت بها الميليشيات الشيعة في عدة مناطق من العراق بغطاء من السلطات العراقية، حيث قالت كبيرة مستشاري شؤون مواجهة الأزمات بمنظمة العفو الدولية، دوناتيلا روفيرا، أنه "من خلال منح مباركتها للميليشيات التي ترتكب بشكل منتظم انتهاكات مروعة من هذا القبيل، يظهر أن الحكومة العراقية تجيز ارتكاب جرائم الحرب وتؤجج دوامة العنف الطائفي الخطرة التي تعمل على تمزيق أوصال البلاد. ويجب أن تتوقف الحكومة العراقية فورا عن دعم حكم الميليشيات في العراق.. الميليشيات الشيعة تستهدف بوحشية المدنيين السنّة على أساس طائفي تحت مسمى مكافحة الإرهاب، وذلك في محاولة واضحة لمعاقبة السنّة على ظهور تنظيم الدولة الإسلامية...".
تقرير ميداني لصحيفة الغارديان البريطانية
من جهتها نشرت صحيفة الغارديان البريطانية تقريرا في 12 نوفمبر/تشرين الثاني، بعد أن قام مراسلاها بالتجول في عدد من القرى التي استعادتها "سرايا الخرساني" الشيعية من تنظيم "الدولة الإسلامية" في محافظة صلاح الدين. من هذه القرى قريتا السلام وينكجة المجاورتين لآمرلي، حيث ظهر لأول مرة قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني مواكبا لفك الحصار عن المدينة، ذلك بدعم من طيران التحالف الدولي الذي كان يغير على مواقع تنظيم "الدولة الإسلامية". ويقول صحافيا الغارديان أنهم رأوا بأم العين "منازل يملكها سنة محروقة ومهدمة"، حتى أنهم أجروا مقابلة مع جواد الحسناوي وهو القائد الميداني لـ"سرايا خرسان"، التي تأتمر مباشرة بالمرشد الإيراني علي خامنئي، في منطقة طوز خورماتو. ذلك علما أن عددا من المقاتلين في هذا الفصيل هم من الذين قاتلوا في سوريا إلى جانب قوات النظام السوري. ويقول الشاب الثلاثيني، بحسب الصحيفة، أن لديه "800 مقاتل" تحت إمرته وأنه "قاتل جنبا إلى جنب مع قاسم سليماني". مُذكرا أنه يتحدر من "عائلة معارضة لنظام الرئيس العراقي صدام حسين الذي شنق اثنين من أعمامه عام "1982. وتقدمه الصحيفة البريطانية على أنه "ابن عائلة مختلطة عراقية إيرانية ودرس في إيران بينما كان أباه من الذين دربتهم إيران أبان الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي".
يقول الحسناوي للغارديان أن نظرته للصراع "لا تقتصر على مكافحة للإرهاب بل هو مواجهة مع الولايات المتحدة، السلفيين، المملكة العربية السعودية والجهاديين السنة معا" وأن هدفه "تحرير فلسطين وإزالة إسرائيل من الوجود". والحسناوي ليس إلا مثال عن المقاتلين الذين حققوا نتائج على أرض المعركة بمواجهة تنظيم "الدولة الإسلامية"، ومن الواضح أن ذلك يعود لعقائديتهم، فضلا عن الدعم الحكومي اللامتناهي لهم. فهذه الميليشيات اليوم بات تعدادها أكثر من تعداد القوات النظامية، وهي تشكل مصدر قلق حتى لمن يقاتل جنبا إلى جنب مع القوات الحكومية كالبشمركة. حيث يؤكد صحافيا الغارديان أنهما شهدا على قتال ما بين "سرايا خرسان" والبشمركة في قرية السلام. فضلا عن التوتر بين الأكراد والميليشيات الشيعية المنتشرة في العاصمة بغداد.
نهاية أعلن حيدر العبادي عن قراره بسحب الميليشيات الشيعية من عدد من المناطق المختلطة ما بين السنة والشيعة، لكن هذا الإعلان يبقى إعلانا للتداول في الإعلام. فعمليا على الأرض الميليشيات الشيعية هي التي تقاتل وتسترد بعض المواقع، بينما القوات الحكومية ما زالت في تخبط، باعتراف القيمين عليها وبشهادة داعميها الأمريكيين. واليوم وبحكم الأمر الواقع الذي فرضه تنظيم "الدولة الإسلامية" يجد التحالف الدولي نفسه وواشنطن معه في صف طهران التي تظهر، أقله حتى الساعة، كالرابح الأكبر في لعبة خلط الأوراق الإقليمية من اليمن مرورا بلبنان وسوريا ووصولا إلى العراق وملفها النووي المُعلق.


الصفحات
سياسة









