تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
عيون المقالات

بروفات فاشلة في دمشق

24/03/2026 - ماهر حميد

حرب تغيير الملامح

13/03/2026 - غسان شربل

( تصريحات ترامب ونهاية الحرب )

12/03/2026 - محمد أبو رمان*


بروفات فاشلة في دمشق




من المثير أن دمشق قد عاصرت كل مدن التاريخ الأولى التي بناها البشر، وفي حين بقيت دمشق متواصلة في الحياة، ومتألقة ومؤثرة في كل فترات التاريخ. فإن جميع المدن الأولى للحضارات المجاورة هي اليوم عبارة عن ركام يعمل فيه منقّبو الآثار.


 
ويندر أن تجد مثلها مدينة في العالم متصالحة مع تاريخها، فدمشق المدينة التي لم تكتفِ بالبقاء، بل صهرت المتناقضات في بوتقة واحدة، حيث يتعايش فيها المتخاصمون تاريخياً في أسماء وأفعال شوارعها وساحاتها، وتحتفظ به دون أن تلقي بالاً لما يتقاتلون من أجله.
فأين لك بمكان يجتمع فيه نهر يزيد بنهرعيشة بالسيدة زينب إلا دمشق؟
وأين تجد إلا في أسماء ساحاتها أن العباسيين والأمويين والبرامكة متصالحون متجاورون؟ وقد لا يستوعب عقل الغريب، أو حتى برنامج تحديد المواقع، أن ابن عساكر سيوصلك إلى باب توما، الذي يدلك بدوره إلى مدحت باشا.
أما أن توصلك فكتوريا إلى ساحة الحجاز، فتلك قصة لا تحدث إلا في كوابيس التاريخ أو أحلام دمشق المهلوسة.
ويبدو أن دمشق القديمة، تلك العجوز التي عاصرت كل التاريخ، لم تعد تعجب الذوق العام للقائمين على أمرها اليوم. فالتاريخ بالنسبة لهم ليس تراكم حضارات، بل هو “بوفيه مفتوح” يختارون منه ما يشتهون، ويرمون الباقي في سلة المنكرات. 
والموضة الجديدة ليس فقط تنميط المدينة، وتلوين الذاكرة بلون واحد، لكن الإبداع الحقيقي تجلّى مؤخراً في جغرافيا المزاج. 
ففي نوبة تقوى مفاجئة، قرر المحافظ أن دمشق يجب أن تكون “صائمة” في شوارع، و”ثملة” في شوارع أخرى! وأصبح للخمور الآن هوية طائفية وجواز سفر محلي؛ فإذا أردت “كأساً” عليك أن ترينا إثباتاً بتنزيل بنطالك إلى الأسفل، أو أن تبرز إخراج قيد يثبت أنك تسكن في زواريب باب توما أو القصّاع. 
تخيّل المشهد السريالي بأن الأخلاقيات أصبحت تقاس بالمتر الطولي، تمر في شارع يُمنع فيه بيع البيرة لأن “تاريخه” لا يسمح، ثم تقطع زقاقاً واحداً لتجد نفسك قد دخلت الى “واحة الحرية السائلة” لأن الحي مسيحي! وكأن ما يسمّونه في عرفهم رذيلة تخجل من دخول أحيائنا، وتأخذ راحتها فقط عند الجيران. 
وفي تلك الأثناء، يمر موكب مسؤول ورع بسياراته المفيمة التي تساعده على الخلوة، جامعاً بين صوفية ابن عربي، وهيبة الخليفة، ورفاهية الملياردير، في خلطة لا تحدث إلا في بلاد الشام. 
هذا الموكب يستهلك من البنزين ما يكفي لإنارة حي ركن الدين ليلة كاملة، ويريد سيد الموكب الورع أن يقنعك أنه يسّر لك السير في الصراط المستقيم، لأن ذلك أفضل من تعبيد المتحلق الجنوبي المليء بالحفر. 
وفي خشوعك الطارئ هذا، ترى رجلاً يحمل الجرّة على كتفه كأنه “سيزيف دمشقي” يحمل صخرته للأبد، ويمشي بها في شوارع دمشق العتيقة بخشوع تام، خائفاً من أن يتطاير ذلك الغاز الذي أصبح لا يمسّه إلا المطهّرون. 
المضحك في الأمر أن هؤلاء يحاولون حتى خصخصة العادات، يريدون إقناعنا أن دمشق لم تبدأ إلا معهم، وأن كل ما سبق كان مجرد “بروفة” فاشلة بانتظار العرض المسرحي الكبير الذي نعيشه اليوم.
وهم يحاولون الإطاحة بجغرافيا دمشق وتغييرها عن طريق القص واللصق كي تشبههم، وكان عليهم أن يتشبهوا بها لأنها هي المسطرة التي يقاس عليها.  
حتى المستعمرون الذين مروا من هنا، حاولوا مراراً وتكراراً أن يعيدوا صياغة جغرافيا المدينة لتناسب مقاساتهم، فقسموها إلى دويلات ورقية، لكنها راقبتهم ببرود الإنكليز ثم ابتلعت خرائطهم وبقيت هي الخريطة الوحيدة الحقيقية. ومن ظن أنه كان يكتب فصلاً جديداً، لم يكن سوى مجرد حاشية باهتة في كتابها العظيم.
لكن المشكلة يا سادة أن دمشق “نحسة”، وتتمتع بذاكرة الفيلة. يمكنك أن تغيّر اللافتة على أول الشارع، وتدهن الحائط باللون الذي تحب، وتغيير أسماء مدراسها، وتمنع “العرق” في الميدان وتسمح به في باب شرقي، لكن الدمشقي حين يقول نازل عند البرامكة أو رايح على ذي قار، هو لا يستخدم أسماءً جغرافية فحسب، بل يستحضر، بعناد ثقافي دفين، طبقات من التاريخ يرفض أن يمحوها قرار. 
ولأن دمشق باقية، بينما تظل قرارات “الفصل المذهبي” على الرفوف، والتي لا تتسق مع مزاجها، فهي أول ما يصدأ ويذوب في أول شتوة وعي دمشقية، فهي تقول لكم ببرود: “غيركم كان أشطر”.
-----------
صحيفة الثورة
كاتب ساخر متخصص بالتاريخ

ماهر حميد
الثلاثاء 24 مارس 2026