تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

لمن تُبنى الدولة السورية؟

10/02/2026 - جمال حمّور

الرقة وقسد: سيرة جسور مُدمّرة

28/01/2026 - ياسين السويحة

سلامتك يا حلب

11/01/2026 - أنس حمدون


تعنيف الجزائريات بين الاستغلال السياسي والصراع الإيديولوجي





الجزائر - تحولت ظاهرة تعنيف النساء في الجزائر إلى موضوع سياسي بامتياز يتنافس فيه المتنافسون بعدما كانت اجتماعية فقط، حيث تحولت إلى جبهة للصراع يسعى كل طرف لتوظيفها واستغلالها لصالحه وفق طموحاته وأطروحاته الإيديولوجية وربما سعيا لإرضاء حتى المنظمات الخارجية، في وقت تعاني فيه الغالبية من بنات حواء من واقع مرير أسوة بالرجال.


 
أعاد مشروع تعديل قانون العقوبات خاصة في شقه المتعلق بتنظيم شؤون الأسرة والعنف الممارس ضد المرأة، الصراع الإيديولوجي إلى الساحة بعدما تخفى في جنبات برامج الأحزاب السياسية ونشاطات جمعيات المجتمع المدني التي تدور في فلكها. ورغم انه حظي بمصادقة " قهرية" في مجلس النواب بعد نقاشات صاخبة وحادة، إلا أن هذا القانون لا زال محل "رفض" من قبل أعضاء مجلس الأمة، مما يجعل أمر تطبيقه معلقا إلى حين.

وتستهدف التعديلات الجديدة لقانون العقوبات " توفير حماية أكبر" للمرأة من كل أشكال العنف سواء تعلق الأمر بالعنف الجسدي واللفظي والتحرش الجنسي وحتى المعاملة المهينة و" العنف الاقتصادي"، بينما يرى منتقدوه أنه يتعارض مع قيم المجتمع الجزائري المسلم ويشجع على تفسخ الأسرة ويهدد تماسك المجتمع، وأن إقراره هو بنية كسب رضا الجمعيات الحقوقية الدولية خصوصا والغرب عموما. قبل أكثر من شهر عاشت مدينة مقرة بولاية المسيلة المحافظة شرقي الجزائر تراجيديا حقيقية اهتز لها الجميع، عندما أقدم شاب على دهس فتاة (رزيقة) حتى الموت في الشارع العام، قيل أنها أنها رفضت الاستجابة لنزواته. مأساة يقول عنها متتبعون أنها تتكرر مرارا في صور مختلفة أمام تواطؤ المجتمع والحكومة معا. العنف واقع موجود تظهر إحصائيات الشرطة الجزائرية تسجيل 7300 حالة عنف ممارس ضد المرأة حتى الربع الثالث من العام الجاري، منها 5350 عنف جسدي و1706 حالة سوء معاملة. كما تم تسجيل 22 حالة قتل عمدي و4 حالات خاصة بالضرب العمدي المفضي إلى الوفاة و206 حالة اعتداء جنسي و81 حالة تحرش جنسي و6 حالات زنا محارم. وشمل العنف مختلف الفئات العمرية للمرأة، حيث أن النساء اللواتي تتراوح أعمارهن ما بين 26 و35 عاما هن الأكثر تعرضا للعنف خلال نفس الفترة بتسجيل 2216 حالة. كما مس متزوجات بالدرجة الأولى ثم مطلقات وعازبات.

يقول الدكتور ناصر جابي أستاذ علم الاجتماع بجامعة الجزائر لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب. أ)، إن كل المجتمعات العربية والإسلامية وحتى الغربية لا يمكن استثنائها من ظاهرة العنف، وأن هذا الواقع موجود ولا يمكن نكرانه مستدلا بأن المجنون في الشارع الجزائري يعتدي في غالب الاحيان على المرأة . وفي حديثه عن الأسباب يشير جابي، إلى الجانب الاجتماعي الذي يحرك المعتدين وما يحدث في الفضاء العام وداخل البيت لافتا إلى أن المتسببين في ذلك غالبا ما يكونوا من الأقارب.

تعتبر شريفة خدار رئيسة جمعية "جزائرونا "والمتحدثة باسم المرصد العنف الممارس ضد النساء، أن حقوق المرأة في الجزائر تعرف بعض التقدم من الناحية التشريعية مقابل تأخر كبير في الجانبين التطبيقي والاجتماعي، مؤكدة أن هذا النوع من العنف بات ظاهرا وحاضرا موازاة مع التزام السلطات الصمت المطبق على كل المستويات. أما مريم بلال رئيسة مركز التكفل بالنساء المعنفات الذي استقبل 8000 ألاف امرأة خلال عقدين من الزمن ويتكفل بإيواء 20 منهن حاليا، فتؤكد ارتفاع حالات الاعتداء على النساء أهمها تلك الناتجة عن العنف الزوجي أو العائلي وهو ما يتسبب في أمراض نفسية يصعب علاجها.

وأضافت أن الموضوع يخص ظاهرة معقدة لان النظام المجتمعي يجعل من فضح احد أفراد العائلة أو مقاضاته أمر يصعب تقبله مقارنة بزوج عنيف، رغم أن أرقام الشرطة تشير إلى أن 99 بالمئة من الضحايا يلجان إلى العدالة. كما لاحظت بلال توجه لرفض هذا العنف الممارس من الأزواج والأشقاء والشقيقات والأمهات، مشيرة إلى نوع جديد من العنف، حيث يتم احتجاز الضحايا في المنزل إلى غاية زوال أعراض الاعتداء وهو ما يعني استحالة تقديم شكوى لدى الشرطة لغياب الدليل المادي.

الإسلاميون والمحافظون في قفص الاتهام تهجمت نورية مسلم وزيرة التضامن الوطني والأسرة وقضايا المرأة، على الأحزاب الإسلامية وحملتها مسؤولية تعليق مشروع القانون الذي يجرم العنف الممارس ضد النساء متهمة نوابها باستخدام خطاب عنيف لقي صدى قويا خلال النقاشات التي دارت بمجلس النواب. كما اتهمت الإسلاميين باستغلال الدين قائلة إن معارضتهم لهذا القانون يعكس أفكارهم واعتقاداتهم بدعوى أن الإسلام لا يسمح للمرأة ضحية العنف الزوجي أن تلجا للجهات القضائية " دفاعا عن نفسها واسترداد لحقوقها".

ورجحت الوزيرة مسلم أن يتجاوز مجلس الأمة ضغوط الإسلاميين ويعرض مشروع القانون للمناقشة خلال الدورة الخريفية الحالية، كاشفة أن أعضاء في المجلس ( سيناتورات) أكدوا لها هذا الأمر.

وتأسفت شريفة خدار، لعدم مصادقة مجلس الأمة على قانون الذي يجرم العنف ضد المرأة رغم انه برأيها لا يستجيب لكل التطلعات، منتقدة المعارضة الشديدة التي أبداها الإسلاميون والمحافظون على المشروع متسائلة هل يريدون باعتراضهم هذا أن يقولوا أن الإسلام هو دين عنيف ضد النساء، وأن الإسلام هو دين يشجع على الاعتداء على النساء؟

منظمة العفو الدولية بدورها تستعجل المصادقة على القانون الذي يجرم العنف ضد النساء المصادق عليه في الخامس من آذار/ مارس 2015 من قبل مجلس النواب لكنه لا يزال عالقا في مجلس الأمة. وتعتقد حسينة اوصديق مديرة فرع الجزائر لهذه المنظمة الدولية، أن العنف ضد النساء يجب أن يعاقب عليه مثلما تعاقب عليه مخالفات انتهاكات حقوق الإنسان داعية الحكومة إلى الاستلهام من الخبرة الميدانية لجمعيات حقوق النساء التي تنشط منذ سنوات دون إمكانيات كبيرة.

ولم تتأخر المحامية نادية ايت زاي مديرة مركز الإعلام لحقوق الأطفال والنساء، في اتهام التيار المتطرف بالوقوف وراء عدم المصادقة على القانون منوهة أن السلطات تريد ربما من هذا التأخير تهدئة الوضع سياسيا. غير أنها أشارت انه إذا لم يتم برمجة القانون في دورة الخريف للمصادقة عليه من قبل مجلس الأمة، فإن ذلك يعني أن الحكومة رضخت لضغوط أقلية نشطة وتخشى ربما من مظاهرات في الشارع واصفة هذا التصور بالوضع غير المعقول. وتتحجج ايت زاي عدم طرح مشروع القانون للمناقشة أو شرحه للناس، بكونه يستهدف حماية الرجال والنساء من كل أشكال العنف الصادرة عن أية جهة كانت، معتبرة أن القبول بمثل هذا التوجه (الشرح والنقاش) يندرج في إطار الشعبوية. كما تساءلت عن الانتقادات التي تطفو للسطح عندما يتعلق الأمر بالمرأة والعائلة والسلامة الجسدية للأشخاص، في حين لا تطال هذه الانتقادات مشاريع قوانين التي تمس اقتصاد البلاد. مؤكدة على أن هناك العديد من القوانين كان يمكن تعليقها على مستوى مجلس الأمة.

وأعلنت حركة مجتمع السلم المحسوبة على التيار الاخواني رفضها الاتهامات التي تحمل الإسلاميين مسؤولية عرقلة قانون العنف ضد المرأة ومن ثم إيهام الرأي العام بأن الإسلاميين ضد المرأة وحقوقها. وبررت فاطمة سعيدي الأمينة الوطنية للمرأة وشؤون الأسرة بالحركة، رفض المشروع لكون بعض مواده تمس بثوابت الأمة والدين الإسلامي وتناقضها مع المادة الثانية من الدستور التي تؤكد على أن الإسلام دين الدولة. كما اعتبرت المشروع استجابة لامتلاءات وضغوط خارجية وواقع يختلف عن واقع الجزائر وتخل للحكومة الجزائرية عن تحفظاتها بشان اتفاقيات دولية في السابق. ووصفته ايضا بأنه ضرب في العمق لقانون الأسرة الجزائري الذي يعد مكسبا وجب تنميته والعمل على تطويره في إطار خصوصيات المجتمع الجزائري. وتجزم سعيدي، أن مشروع القانون الجديد لن يحل مشكل العنف المتشعب في الجزائر بل سيزيد من تأزم الوضع ويؤدي إلى تفكيك اكبر للأسر وتشريد للأبناء. كما دعت أعضاء مجلس الأمة إلى إلغاء هذا المشروع، وكسر كل المحاولات الرامية إلى ضرب استقرار الأسرة الجزائرية محملة في نفس الوقت المسؤولية التاريخية للمشرع الجزائري والسلطة القائمة في الانعكاسات المستقبلية لهذه المواد على البنية الاجتماعية للشعب الجزائري.

يعلق الاستاذ ناصر جابي على هذا الاختلاف الواضح في الرؤى بالقول إن ذلك يمثل في الحقيقة صراع بين التيارات السياسية والفكرية، وكل طرف يحاول إثبات أنه الأقوى. ويفسر جابي أن الحركات النسوية ومعها المدرسة الليبرالية وقد تكون ممثلة في الحكومة تطالب بحماية أكبر للمرأة وتمكينها من جميع حقوقها، إلى جانب التشدد في معاقبة المتورطين من خلال تطبيق أقصى العقوبات عليهم ، بينما تعتقد القوى الدينية المحافظة، أن الطرف الأخر يبالغ في إثارة هكذا قضية وان الموضوع ليس له أولوية في بلد غارق في الكثير من المشاكل.

د ب ا
الاربعاء 16 ديسمبر 2015