ويأتي هذا التقرير استكمالًا لتقارير الشبكة السابقة التي تناولت الجلستين الأولى والثانية من كل محاكمة، ونُشرت في 19 تموز/يوليو، و26 آب/أغسطس، و22 أيلول/سبتمبر 2026. ويميّز التقرير بين أربع فئات من المعلومات: الوقائع التي رصدها فريق الشبكة المكلف بمراقبة المحاكمات، والادعاءات التي قدمتها النيابة العامة والمدّعون بالحق الشخصي والشهود، والدفوع التي قدمها الدفاع، والنتائج التي خلصت إليها المحكمة في أحكامها. وتؤكد الشبكة أنَّها لا تتولى الفصل في المسؤولية الجنائية للمتهمين، وأنَّ عرضها للأحكام الصادرة لا يعني تبنّيها لتقييم المحكمة للأدلة، أو تكييفها القانوني للأفعال، أو العقوبات التي قضت بها.
ثلاث قضايا وتحديات مختلفة في الإثبات
استندت القضايا الثلاث إلى أنواع مختلفة من الأدلة، واستلزمت كل منها ضمانات إجرائية تتناسب مع طبيعة الأدلة المقدمة فيها. فقد تمحورت قضية نجيب، إلى حد كبير، حول شهادات الشهود ومدى موثوقيتها، في حين جمعت قضية الأسد بين شهادات الشهود والأدلة الطبية والأدلة المتعلقة بالمجموعات المسلحة. أما قضية حسون، فاعتمدت بدرجة أساسية على التحقق من أصالة التسجيلات السمعية والبصرية وتفسير محتواها.تعلقت القضية رقم (1) لعام 2026 بأحداث شهدتها محافظة درعا ابتداءً من آذار/مارس 2011، حين كان عاطف نجيب يتولى رئاسة فرع الأمن السياسي فيها. وخلال الجلسات اللاحقة، استمعت المحكمة إلى عشرات الشهود الذين تناولوا في شهاداتهم اعتقال أطفال على خلفية كتابات على الجدران وتعرّضهم المزعوم للتعذيب، وإطلاق النار على المتظاهرين، والأحداث التي شهدها الجامع العمري، والتسلسل القيادي الذي كان يربط الفروع الأمنية في درعا بدمشق. وقدّم بعض الشهود روايات عن وقائع أفادوا بأنَّهم عاينوها مباشرة، بينما نقل آخرون معلومات عن أطراف ثالثة، أو ذكروا أنَّهم لم يشاهدوا المتهم في المواقع التي تحدثوا عنها. ورفض نجيب جميع شهادات الإثبات المقدمة ضده. وبناءً على طلب الدفاع، ودون اعتراض من النيابة العامة، استمعت المحكمة عبر الاتصال المرئي إلى شاهد قبل نجيب شهادته.
وأدانت المحكمة نجيب بجرائم شملت القتل قصدًا، وقتل أطفال دون سن الخامسة عشرة، والتحريض على القتل، والتعذيب المفضي إلى الموت، والحرمان من الحرية، وكيّفت هذه الأفعال بوصفها جرائم ضد الإنسانية. وقضت بإعدامه، وفرضت عليه عقوبات إضافية عن جرائم أخرى، مع إدغام العقوبات السالبة للحرية وتطبيق العقوبة الأشد، وجمع الغرامات المحكوم بها. كما أصدرت أحكامًا غيابية بحق متهمين آخرين فارّين في القضية نفسها. وأوضحت المحكمة أنَّ الحكم، الواقع في 396 صفحة، سيُنشر على الموقع الإلكتروني لوزارة العدل بعد حذف البيانات التي قد تكشف هوية الشهود المشمولين بالحماية.
أما قضية وسيم بديع الأسد، فتعلقت بتشكيل مجموعات مسلحة وإدارتها، والقتل، والابتزاز، والاتجار بالمخدرات. وخلال الجلسات اللاحقة، أدلى أحد شهود الإثبات بشهادة تضمنت ادعاءات تتعلق بالتهديد والابتزاز، أنكرها المتهم. وأحالت المحكمة أحد المدّعين بالحق الشخصي إلى طبيب شرعي، وأُودع لاحقًا في ملف القضية تقرير طبي أثبت وجود عجز بنسبة 35 بالمئة من كامل الجسم. وخلصت المحكمة إلى أنَّ الأسد شكّل مجموعتين من المقاتلين الرديفين وأشرف عليهما، وأنَّهما انتشرتا في منطقة المليحة بالغوطة الشرقية بين عامَي 2012 و2014 تقريبًا. وقضت بإعدامه عن جرائم شملت القتل العمد مع سبق الإصرار، والقتل المقترن بالتعذيب والوحشية، والحرمان من الحرية والتعذيب. وفي المقابل، برّأته من تهمتَي تهريب المخدرات والاتجار بها لعدم كفاية الأدلة، مع الإشارة إلى إمكان إعادة تحريك الدعوى إذا ظهرت أدلة جديدة. كما أحالت المحكمة نسخة من الحكم إلى الهيئة الوطنية للمفقودين بشأن رفات أشخاص أُفيد بأنَّها دُفنت في بساتين المليحة عام 2012.
وفي قضية أحمد بدر الدين حسون، المفتي العام السابق، تعلقت الاتهامات الموجهة إليه بالتحريض على العنف والقتل، وإثارة الاقتتال الطائفي، والاشتراك في القتل، وإساءة استخدام النفوذ. وبناءً على طلب الدفاع، أمرت المحكمة بإجراء خبرة فنية على التسجيلات المصورة، تتولاها لجنة مؤلفة من ثلاثة خبراء. ووفقًا لملخص التقرير الذي تُلي أمام المحكمة، خلصت اللجنة إلى أنَّ التسجيلات المعروضة كانت مقتطفات من مواد أصلية، وأنَّ اقتطاعها لم يؤثر في قيمتها الإثباتية. وقد تبنّت المحكمة هذا الاستنتاج في حكمها. من جانبه، أنكر حسون إصدار أي فتوى تدعو إلى القتل. وأدانته المحكمة بجرائم شملت الاعتداء الرامي إلى إثارة حرب أهلية واقتتال طائفي، والتحريض على القتل قصدًا، والاشتراك الأصلي في القتل قصدًا، وجرائم أخرى. وقضت بسجنه مؤبدًا، في حين كانت النيابة العامة قد طلبت الحكم بإعدامه. كما نص الحكم على عدم استفادته من العفو أو الإفراج الشرطي.
الضمانات الإجرائية المرصودة والمسائل التي لا تزال بحاجة إلى معالجة
وثّق فريق الشبكة المكلف بمراقبة المحاكمات عددًا من الإجراءات التي شهدتها الجلسات، من بينها تمثيل المتهمين بمحامين طوال مراحل المحاكمة، بمن فيهم الأسد الذي تولى الدفاع عنه محامٍ عيّنته المحكمة، وتقديم محامي الدفاع مذكرات وطلبات، وإتاحة الفرصة لكل متهم للرد على الشهادات المقدمة ضده والإدلاء بكلمته الأخيرة. كما استجابت المحكمة لطلبات إجراء فحوص طبية وخبرات فنية، وشارك المدّعون بالحق الشخصي في الإجراءات بواسطة ممثليهم القانونيين. وهذه وقائع إجرائية قابلة للتحقق، إلا أنَّ حدوثها لا يكفي، بحد ذاته، للجزم بأنَّ حق الدفاع قد مُورس بصورة فعالة. فتقييم فعالية هذا الحق يتطلب النظر في مدى تمكين الدفاع من الاطلاع على مواد القضية، وتوفير الوقت الكافي لإعداد دفوعه، وإتاحة فرصة حقيقية لمناقشة أدلة الاتهام والطعن فيها.ولم تكن علنية الجلسات مكفولة بالقدر نفسه في جميع المحاكمات. ففي عدة جلسات من محاكمة نجيب، اقتصرت التغطية الإعلامية على وسائل إعلام تابعة لوزارة العدل. أما في محاكمة الأسد، فقد قررت المحكمة إغلاق إحدى الجلسات أمام الجمهور عند بدء الاستماع إلى شهود الإثبات. وتؤكد الشبكة أنَّ علنية المحاكمات هي الأصل، وأنَّ أي قيد يُفرض عليها يجب أن يستند إلى سبب مشروع ومعلن، وألا يتجاوز النطاق الضروري لتحقيق الغرض الذي يبرره.
وفي قضية حسون، أفاد محامي الدفاع، خلال المرحلة الختامية من المحاكمة، بأنَّه لم يحصل على تقرير الخبرة الفنية. ولا تعتبر الشبكة هذا التصريح، بحد ذاته، دليلًا كافيًا على وقوع انتهاك لحقوق الدفاع، إذ يتوقف تقييم أهميته على توقيت إتاحة التقرير للدفاع، ومدى كفاية الوقت الممنوح له للاطلاع عليه ودراسته ومناقشة نتائجه والطعن فيها. ولم تتمكن الشبكة من التحقق من المنهجية التي اتبعتها لجنة الخبرة، ولا تتبنى استنتاجاتها الفنية.
واتخذت المحكمة أيضًا تدابير لحماية الشهود، شملت استخدام رموز تعريفية بدلًا من أسمائهم، وإخفاء ملامحهم، وحفظ بيانات هوياتهم في ملفات سرية. وأبقت هذه التدابير سارية بعد صدور الأحكام. وترى الشبكة أنَّ حماية الشهود ضرورة في القضايا المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة، شريطة ألا تحول هذه التدابير دون تمكين الدفاع من مناقشة مضمون الشهادات واختبار مدى موثوقيتها بصورة فعالة.
وتؤكد الشبكة أنَّ عدد الشهود الذين استمعت إليهم المحكمة لا يشكّل، بحد ذاته، مؤشرًا كافيًا على قوة الأدلة. إذ يجب أن تخضع كل شهادة لتقييم مستقل يراعي مصدر المعلومات، وما إذا كان الشاهد قد عاين الوقائع مباشرة أم نقلها عن آخرين، ومدى اتساق أقواله مع الأدلة الأخرى. وقد اقتصر تقييم الشبكة على الإجراءات والمواد التي أُتيحت لفريق المراقبة التابع لها، في حين لم تكن بعض الجلسات، أو أجزاء منها، متاحة للمراقبة. وعليه، فإنَّ هذا التقييم لا يمثل مراجعة شاملة لمحاضر التحقيق أو لجميع الأدلة الواردة في ملفات القضايا الثلاث.
المساءلة في إطار ضمانات المحاكمة العادلة
تناولت المحكمة، في حيثيات الأحكام التي أعلنتها، مسألة التكامل بين القضاء الوطني والقانون الجنائي الدولي. وكيّفت بعض الأفعال بوصفها جرائم ضد الإنسانية أو جرائم حرب، مع تطبيق العقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات السوري العام. وفي قضية نجيب، اعتبرت المحكمة أنَّ الأفعال المنسوبة إليه وقعت قبل تحوّل الأوضاع في سوريا إلى نزاع مسلح. أما في قضية حسون، فقد خلصت إلى أنَّ طبيعة الجرائم تحول دون خضوعها للتقادم أو استفادتها من العفو العام. وتؤكد الشبكة أنَّ هذه التكييفات القانونية تعبّر عن استنتاجات المحكمة، وأنَّ مراقبتها للمحاكمات لم تتضمن تقييمًا مستقلًا لمدى توافر الأركان القانونية لهذه الجرائم، أو لكفاية الأدلة لإثبات المسؤولية الجنائية الفردية عنها.وتضمنت الأحكام الصادرة في قضيتَي الأسد وحسون إشارات إلى توثيقات الشبكة السورية لحقوق الإنسان المتعلقة بالضحايا والحوادث. ويمكن لهذه المواد أن تسهم في دعم العمل القضائي، غير أنَّ إثبات المسؤولية الجنائية الفردية يظل من اختصاص المحكمة، وفقًا لقواعد الإثبات وقرينة البراءة، واستنادًا إلى الدور المحدد لكل متهم، لا إلى افتراض مسؤولية جماعية. وتشكّل الأحكام الجنائية أحد مكونات العدالة الانتقالية، إلى جانب كشف الحقيقة، وجبر الضرر، والكشف عن مصير المفقودين. وتُبرز الإحالة المتعلقة برفات المفقودين في المليحة الصلة المباشرة بين هذا الجانب من العدالة الانتقالية والإجراءات القضائية في هذه القضايا.
واختتم التقرير بعدد من التوصيات
تدعو الشبكة السورية لحقوق الإنسان السلطات القضائية السورية والمؤسسات المسؤولة عن إدارة العدالة إلى:- نشر الأحكام القضائية الكاملة والمعلّلة في القضايا الثلاث، مع قصر حجب المعلومات على البيانات التي قد تكشف هوية الشهود المشمولين بالحماية.
- ضمان علنية جلسات المحاكمة، وبيان الأسباب التي تستدعي فرض أي قيود عليها، وإتاحة المجال للمراقبة المستقلة.
- تمكين الدفاع من الاطلاع على الأدلة وتقارير الخبرة في الوقت المناسب، وإتاحة الفرصة لمناقشة الخبراء وطلب إجراء خبرة مضادة، حيثما يسمح القانون بذلك.
- اعتماد إجراءات واضحة للتحقق من الأدلة الرقمية، تشمل تحديد مصادرها، والتحقق من سلامتها، وفحص السياق الذي وردت فيه.
- تدوين أسباب القرارات الإجرائية في محاضر جلسات المحاكمة.
- الموازنة بين تدابير حماية الشهود وحقوق الدفاع، من خلال توفير ضمانات إجرائية تتيح مناقشة الشهادات واختبار مدى موثوقيتها.


الصفحات
سياسة









