تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
عيون المقالات

مدرسة هارفارد في التفاوض

15/04/2026 - د. محمد النغيمش

علماؤنا سبب علمانيتنا

15/04/2026 - عدي شيخ صالح

أهم دلالات حرب البرهان – حميدتي

14/04/2026 - محمد المكي أحمد

سوريا أمام لحظة الحقيقة

06/04/2026 - عالية منصور

موت الأخلاق

06/04/2026 - سوسن الأبطح

كاسك يا وطن

06/04/2026 - ماهر سليمان العيسى

سوريا أولاً

06/04/2026 - فراس علاوي

لماذا يقف السوريون على الحياد في حرب إيران؟

06/04/2026 - طالب عبد الجبار الدغيم

عيوب متجددة للمعارضة السورية

02/04/2026 - حسام جزماتي


تونسيون يطاردون أحلام الثروة في دهاليز شركات التوظيف المالي




تونس - طارق القيزاني - وضع مراد رأسه بين يديه وهو مستند إلى حاجز حديدي نصبته قوات الأمن أمام المجلس الوطني التأسيسي بينما كان يطالب وإلى جانبه مئات آخرين باستعادة أمواله من إحدى شركات التوظيف المالي بعد أن صادرتها الدولة.


تونسيون يطاردون أحلام الثروة في دهاليز شركات التوظيف المالي
قبل ثلاث سنوات شارك مراد الهمامي /32 عاما/ في رحلة سرية عبر البحر باتجاه السواحل الإيطالية وانتهى به المطاف في مدينة بادوفا حيث قضى ثلاث سنوات من الغربة لم تكن في اغلبها تعكس تلك الأحلام التي هجر من اجلها موطنه وأهله وذويه.
 
لم يطل المقام بمراد في إيطاليا وعاد بعد تلك الفترة إلى مسقط رأسه بحي الكبارية، أحد أكبر الأحياء الشعبية بالعاصمة حيث تتفشى نسب الفقر والبطالة في صفوف الشباب. وأول ما كان يخطط له هو اقتناء منزل جديد حتى ينهي معاناة عائلته مع الإيجار لأكثر من 23 عاما .
 
وفي حديثه مع وكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) لم يوضح مراد كيف جمع المال أثناء وجوده بإيطاليا لكنه في المقابل كان يبحث عن أفضل طريقة لاستثمار ما جمعه في غربته.
 
وتحدث الهمامي لـ (د.ب.أ) قائلا "الأوضاع صعبة في إيطاليا فضلت العودة إلى تونس والبقاء إلى جانب أمي. أردتان أجمع أفراد العائلة في منزل جديد".
 
وأضاف الهمامي "أودعت 36 الف دينار في 'شركة يسر للتنمية' وتبين لي ان شقيقتي أودعت أيضا 160 ألفدينار من مدخراتي التي كنت أرسلها من إيطاليا. اليوم أنا أوشك أن افقد كل أموالي. هكذا بكل بساطة".
 
 
وشركة "يسر للتنمية" التي أسسها رجل الأعمال عادل الدريدي هي من بين إحدى أهم شركات التوظيف المالي التي انتشر نشاطها بتونس وأصبحت في زمن قياسي من بين أبرز الوجهات للمضاربين بالأموال والباحثين عن الثروات.
 
ولأن مدير المؤسسة من منطقة الكبارية فقد نجح في ان يستقطب غالبية حرفائه من أبناء منطقته معتمدا على شبكة من العملاء وسط الأحياء لتسويق أعماله. وقد ناهز في الأخير عدد حرفاء الشركة الستين الف.
 
وتعرض الشركة عقودا مغرية على حرفائها كأن يودعوا مثلا ألف دينار، والرقم ممكن ان يصل حتى 50 ألف، فيحصلوا بعد ثلاثة أشهر على ثلاثة أضعاف المبلغ الذي تم ايداعه.
 
ومن بين العقود الأخرى يمكن للمضاربين مثلا ان يوظفوا مبلغا محددا ليحصلوا بموجب ذلك على مرتب شهري لمدة أشهر أو سنة كاملة.
 
ولتأكيد مصداقية أعمالها التزمت الشركة بتسديد المبالغ المستحقة عليها لحرفائها في الآجال المحددة في العقود وسمح ذلك بظهور طبقة جديدة من الأثرياء والمليونيرات الجدد وسط الأحياء الفقيرة في ظرف وجيز.
 
وفي بلد لا زال يتخبط اقتصاديا وسياسيا بعد اكثر من عامين ونصف من الإطاحة بنظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي في 14 كانون ثان/يناير عام 2011 فإن التوظيف المالي قد يصبح الحل الأنسب للكثير من العاطلين والفقراء لكسب الثورة حتى لو ادى الأمر إلى ان يراهنوا بكل ما يملكون من أجل ذلك.
 
وهناك أكثر من 700 ألفعاطل عن العمل في تونس يشكلون نسبة تفوق 16 بالمئة على المستوى الوطني لكن يمكن أن تزيد تلك النسبة عن 30 بالمئة في المناطق الأكثر تهميشا.
 
كما تكشف للرأي العام بعد الثورة أن نسبة الفقر تبلغ نحو 25 بالمئة وترتفع هذه النسبة حتى أربعين بالمئة في عدد من المناطق الجنوبية خاصة وبجهة الشمال الغربي، وهي المناطق الأقل حظا في التنمية منذ عقود طويلة وينزح سكانها في الغالب إلى أحواز العاصمة مثل حي الكبارية وحي التضامن وغيرها بحثا عن فرص عمل.
 
وتقول مريم الطرابلسي  /33 عاما/ لـ(د.ب.أ) وهي كذلك من منطقة الكبارية "بعض أقرابي وظفوا أموالهم في شركة يسر للتنمية اكثر من مرة وحصلوا على أضعافها وفي المواعيد المحددة. الآن يملكون سيارات ومنازل وأصبحت لهم تجارة".
 
وتضيف مريم "في المرة الأولى قمت بتوظيف 800 دينار ووقعت عقدا للحصول على 300 دينار شهريا لمدة سنة".
 
لكن اتساع أعمال شركات التوظيف المالي مع تقديمها لوعود بمردودية خيالية للمودعين دفع إلى تحرك البنك المركزي الذي لم يبق مكتوف الأيدي في ظل المخاطر التي أصبحت تهدد بتقلص نشاط القطاع المصرفي.
 
وللدلالة على حجم أعمال شركات التوظيف صرح عادل الدريدي في مؤتمر صحفي في نيسان/ أبريلالماضي أن شركته صرفت ما بين 25 شباط/فبراير والأول من آذار/مارس قرابة 20 مليون دينار لأكثر من 8 آلاف حريف من بين 51 ألفاأودعوا أموالهم بشركته.
 
وقام البنك المركزي بإصدار بيان ذكر فيه بأن جمع الودائع لدى العموم هو نشاط حصري للبنوك والمؤسسات المالية المرخص لها والخاضعة لرقابته ولا يجوز قانونا أن يتعاطاه أي شخص آخر.
 
بالنسبة للبنك المركزي فإن نشاط شركات التوظيف المالي هي عمليات نصب واحتيال. وقد قام بتحذير المواطنين في بيانه ورفع الأمر إلى القضاء لإيقاف نشاط هذه الشركات بدعوى مخالفتها للقوانين.
 
وأوقف عادل الدريدي بالفعل في نيسان/ أبريلالماضي لكن سرعان ما تم إطلاق سراحه شرطيا في 26 من نفس الشهر بعد احتجاج المئات من حرفائه أمام المحكمة.
 
لكن ايقاف الدريدي وعلى عكس ما كان متوقعا أعطى دفعة جديدة لأعماله وضاعفت العروض المغرية التي قدمها لحرفائه من شعبيته في الأحياء الفقيرة بالعاصمة وفي معقله تحديدا بحي الكبارية.
 
ومن بين تلك العروض ان شركته ستمنح للمتعاقدين منح أسبوعية بقيمة 600 دينار ولمدة خمسة أسابيع طوال شهر رمضان مقابل توظيفهم لدفعة بقيمة 1500 دينار.
 
وفي 21 حزيران/يونيو الماضي حمل مراد الهمامي الوصل لاستلام الأرباح لكنه تفاجأ بوجود مئات آخرين أمام مقر الشركة بينما كانت الأبواب موصدة وهاتف مدير الشركة مقفل. وانتشر على الفور نبأ فرار الدريدي بين باقي المودعون.
 
وبعد ساعات قليلة تجمع الآلاف من باقي الحرفاء وسط حالة من الهلع خوفا من ضياع أموالهم لكن بمجرد إعلان الأمن عن إلقاء القبض عليه في اليوم التالي حتى بدأوا بتنظيم وقفات احتجاجية أمام مقر الشركة ووزارة الداخلية ومقر الحزب الحاكم، وأخيرا أمام المجلس الوطني التأسيسي للمطالبة باستعادة أموالهم بعدما تناهى إلى مسامعهم خبر ان الدولة قد وضعت يدها على أملاك وأرصدة الدريدي.
 
وقال مراد "أشعر برغبة في الانتحار. ثلاث سنوات من الغربة طارت في الهواء. تحطم مستقبلي الدراسي من قبل والآن غربتي تتحطم".
 
وتقول مريم الطرابلسي "بعد إيقافه في المرة الأولى ومغادرته السجن قمت مع أفراد عائلتي بتوظيف مبلغ 20 ألف دينار بعد أن بعنا أرضا لنا. وكان يفترض ان نستلم ثلاثة أضعاف المبلغ في 13 تموز/يوليو".
 
وتضيف مريم "الغريق دائما يتعلق بقشة. افرجوا عن الدريدي وأقيموا عليه الحراسة وعينوا مؤتمنا قضائيا على أملاكه وشركاته وأعيدوا لنا أموالنا".
 
 
وتتضارب تفسيرات الخبراء ورجال القانون في إمكانية استعادة كل أموال الحرفاء لكن محمود البارودي العضو بالمجلس الوطني التأسيسي قال لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) بينما التف حوله المتضررين المحتجين أمام المجلس للمطالبة بحل "سيكون من الصعب إعادة جميع الأموال لكن جزءا هاما منها ستتم استعادته. وسيتطلب ذلك بعض الوقت".
 
 
ووجه البارودي كلامه للمتضررين قائلا "نحن سندعمكم لاستعادة حقوقكم سنكلف محامين للدفاع عن قضيتكم ولنيابتكم أمام القضاء. لكن عليكم التنظم في جمعية واختيار من يتحدث باسمكم".
 
 
وفي وسائل الإعلام المحلية استدعت أعمال شركة "يسر للتنمية" استحضار ما حصل في مصر في ثمانينيات القرن الماضي مع شركة "الريان" للتوظيف المالي والتي نجحت في دفع الكثيرين لهجر القطاع المصرفي، وتبين أن الأرباح المبدئية المعطاة للمودعين كانت من أصول أموالهم، وأن تلك الشركة، استطاعت جمع عشرات المليارات في أزمنة قياسية وهرب كثير من أصحابها إلى خارج البلاد.
 
 
وفي حال ثبوت تهم الاحتيال فإن مصير عادل الدريدي قد لا يختلف عن مصير احمد الريان في مصر الذي أودع السجن عام 1989 ولم يغادره إلا في آب/أغسطس عام 2011.
 
ويطالب المحتجون في تونس أن تنسج الحكومة على منوال نظيرتها في مصر بشأن قضية "الريان" عندما حملت على عاتقها مسؤولية رد أموال المودعين عبر أقساط أو الحصول على بضائع وسلع معمرة.
 
 
وقالت نفيسة العبيدي /63 عاما/ وإلى جانبها عشرات من النسوة يولولن لحجم المصيبة "زوجي عاطل عن العمل وابني معاق. حصلت على قرض بقيمة 2500 دينار قمت بتوظيفهمعند الدريدي وحصلت على وصل بمبلغ 10 الاف دينار يفترض ان استلمهم في أيلول/سبتمبر القادم".
 
 
وتابعت نفيسة تروي قصتها لـ(د.ب.أ) "في شهر آذار/ مارس أودعت مبلغا ثانيا بقيمة 6 ألافدينار وحصلت على وصل بقيمة 15 ألفدينار لاستلامهم في الثالث من تموز/يوليو".
لكن أحلام نفيسة اليوم أصبحت في مهب الريح وهي توشك ان تفقد جميع ما أودعته من مال. ليس هذا فحسب فعليها تسديد أقساط القرض الذي استلمته من البنك.
 
 
ووقفت نفيسة تردد إلى جانب المحتجين "ضعت وضاعت عائلتي.. أريد أموالي". ووجهت كلامها إلى نواب التأسيسي قائلة "خذوا الكراسي وأعيدوا لنا أموالنا".
 
 
في الأثناء أعلن البنك المركزي أنه بصدد التصدي لمجموعة من الشركات الأخرى التي تعتمد منهج شركة "يسر للتنمية" وملاحقتها قضائيا لتعاطيها نشاطا مصرفيا خارج الصيغ القانونية، مشيرا إلى ان هذا النوع من الأعمال ينذر وجود مافيات في تبيض الأموال بتونس.

طارق القيزاني
الخميس 25 يوليو 2013