المشكلة في التطبيق لا في العقوبات
قال عدنان المحمد، الباحث في معهد كارينا لعلم الآثار المستدام في كلية بيركبيك بجامعة لندن، في حديث لشبكة شام الإخبارية، إن قانون الآثار السوري، رغم قدمه وحاجته إلى تعديلات في بعض جوانبه، يتضمن عقوبات بحق المتورطين في التنقيب العشوائي ونهب الآثار وتهريبها.
وأوضح المحمد أن المشكلة الأساسية لا تكمن، وفق تقديره، في شدة العقوبات المنصوص عليها، وإنما في ضعف تطبيق القانون، مشيراً إلى أن بعض المتورطين في هذه الأنشطة يظهرون علناً عبر منصات مثل «يوتيوب»، ويتحدثون عن أجهزة كشف المعادن وعمليات التنقيب بصورة واضحة.
وأضاف أن ملاحقة هؤلاء الأشخاص والقبض عليهم وتجريمهم والإعلان عن الإجراءات المتخذة بحقهم يمكن أن يشكل عاملاً رادعاً لآخرين يفكرون في ممارسة التنقيب غير المشروع أو نهب الآثار.
فرصة لمواجهة نهب مستمر منذ سنوات
أشار المحمد إلى أن المرحلة الحالية، التي وصفها بمرحلة عدم الاستقرار، قد تتيح لبعض المتورطين في عمليات النهب والتنقيب غير المشروع الظهور بصورة أكبر.
ورأى أن تشديد تطبيق القانون في هذه المرحلة يمكن أن يشكل فرصة لملاحقة المنقبين غير المشروعين والحد من عمليات نهب التراث السوري، التي قال إنها استمرت على مدى يتراوح بين 15 و20 عاماً.
اقتراح بجهة أمنية متخصصة
أكد المحمد أن حماية المواقع الأثرية تدخل ضمن مسؤوليات الدولة، باعتبارها أملاكاً عامة ينص قانون الآثار على حمايتها، مشيراً إلى أن المختصين والمهتمين بالتراث يدركون في الوقت نفسه أن البلاد تمر بمرحلة إعادة بناء للمؤسسات وتواجه تحديات متعددة.
وطالب بتعزيز التنسيق بين المديرية العامة للآثار والمتاحف ووزارة الداخلية، وإنشاء آلية سريعة ومباشرة للتعامل مع الاعتداءات التي تستهدف المواقع الأثرية.
واقترح المحمد استحداث قسم أو فرع أمني متخصص بمكافحة نهب الآثار وتهريبها وتدميرها، على غرار الوحدات المختصة بمكافحة المخدرات أو الجريمة المنظمة أو الجرائم الإلكترونية.
استجابة أسرع للبلاغات
أوضح المحمد أن وجود جهة أمنية متخصصة تتعامل مباشرة مع المديرية العامة للآثار والمتاحف من شأنه تسريع الاستجابة عند ورود بلاغات عن عمليات تنقيب أو نهب.
وأشار إلى أن هذا النوع من التنسيق قد يسمح بتحريك الدوريات إلى المواقع المستهدفة وملاحقة المتورطين قبل تمكنهم من الفرار.
ولفت إلى أن غياب الاختصاص الأمني المباشر في هذا الملف يؤدي، بحسب تقديره، إلى بطء الاستجابة أحياناً، ما يسمح باستمرار حالة وصفها بـ«القط والفأر» بين الجهات التي تحاول حماية المواقع ولصوص الآثار.
حراس وقنوات اتصال
دعا المحمد إلى تعزيز قدرات الجهات المختصة بالآثار عبر توفير حراس للمواقع الأثرية، ولا سيما المواقع المهمة والحساسة منها.
وأشار كذلك إلى ضرورة إنشاء قنوات تواصل سريعة مع السكان والجهات الأمنية، بما يسمح بالإبلاغ الفوري عن أي اعتداء أو حفر أو تنقيب غير مشروع.
المجتمع طرف أساسي في الحماية
بيّن المحمد أن حماية المواقع الأثرية تقوم، وفق رؤيته، على ثلاثة أطراف رئيسية، هي المجتمع، وأجهزة الدولة، والمؤسسات المختصة بالآثار.
وأكد أن تكامل أدوار هذه الجهات يمكن أن يوفر حماية أكثر فاعلية، ولا سيما في ظل محدودية الموارد المتاحة للمؤسسات الأثرية وصعوبة تغطية جميع المواقع بالحراس.
ودعا الأهالي إلى الإبلاغ عن أي عمليات حفر أو تنقيب مشبوهة، على أن تتولى الجهات المختصة بالآثار التنسيق سريعاً مع الأجهزة الأمنية للتحرك نحو المواقع المعنية.
التوعية جزء من المواجهة
نوه المحمد إلى أهمية حملات التوعية والتعليم في الحد من الاعتداءات على التراث، داعياً إلى تضمين المناهج الدراسية مواد تتعلق بالآثار والتراث السوري.
وأوضح أن هذه الخطوة يمكن أن تسهم في تصحيح أفكار ومعتقدات خاطئة مرتبطة بالآثار، ولا سيما الاعتقاد بأنها مجرد مصدر للذهب أو الثروات المادية.
ودعا إلى توسيع نطاق حملات التوعية بحيث لا تقتصر على المدارس والجامعات، بل تشمل المجالس المحلية والبلديات وجمعيات الفلاحين والأنشطة المجتمعية المختلفة.
حضور المختصين في المجتمعات المحلية
اقترح المحمد إتاحة مساحة أكبر لعلماء الآثار والمختصين للتواصل مع السكان وشرح أهمية المواقع الأثرية وقيمتها، وكيفية التعامل معها عند اكتشاف أي لقى أو ملاحظات غير اعتيادية.
وأشار إلى أن بناء وعي محلي بهذه القيمة قد يحول المجتمع من متلقٍ للمعلومة إلى شريك مباشر في حماية المواقع والإبلاغ عن الاعتداءات التي تتعرض لها.
قيمة لا تقاس بثمن اللقى
ذكر المحمد، في تصريح خاص لشبكة شام الإخبارية، أن البعثات الأثرية قد تعمل في موقع واحد لمدة عشر أو خمس عشرة سنة من دون العثور على لقى ذات قيمة مادية كبيرة.
وأوضح أن القيمة الأساسية للتنقيب الأثري تكمن في المعلومات العلمية والتاريخية التي ينتجها، إذ تساعد نتائج الحفريات على فهم تسلسل الحضارات التي تعاقبت على سوريا وامتدادها الزمني وتنوعها.
التراث مورد علمي واقتصادي
بيّن المحمد أن التراث السوري يمثل إرثاً وصل إلى السوريين من أجدادهم، وأن مسؤولية الجيل الحالي تتمثل في حمايته ونقله إلى الأجيال القادمة.
وأضاف أن الحفاظ على هذا الإرث يتيح الاستفادة منه مستقبلاً في مجالات السياحة والسياحة الثقافية، إلى جانب البحث العلمي والنشر والدراسات المتخصصة.
إرث مشترك للسوريين
شدد المحمد على أن التراث السوري يمثل إرثاً مشتركاً لجميع السوريين، بتنوعهم الثقافي والديني والإثني، وأوضح أن كل فرد يستطيع أن يجد جزءاً من هويته في الآثار والتراث الموجود على أرض سوريا، معتبراً أن تدمير هذه المواقع لا يعني خسارة مبانٍ أو مقتنيات فحسب، وإنما يهدد أيضاً الروابط التاريخية والثقافية التي تجمع المجتمع.
حماية التراث مسؤولية مشتركة
أكد المحمد أن الحد من نهب الآثار يحتاج إلى مسارات متوازية تشمل تطبيق القانون بصورة أكثر فاعلية، وتطوير آليات الحماية والاستجابة، وتعزيز التعاون بين الجهات الأمنية والمؤسسات الأثرية والمجتمع المحلي.
وختم بالتأكيد على أن رفع مستوى الوعي بحجم الأضرار التي يسببها التنقيب غير المشروع، إلى جانب بناء قنوات سريعة للإبلاغ والتحرك، يمكن أن يسهم في حماية المواقع الأثرية والحفاظ عليها للأجيال القادمة.
وكانت شهدت المواقع الأثرية في سوريا خلال سنوات الحرب في سوريا أضراراً واسعة نتيجة أعمال القصف والتخريب والتنقيب غير المشروع والنهب والتهريب، فيما تعرضت مواقع أثرية ومتاحف ومبانٍ تاريخية في مناطق متعددة لفقدان قطع ومقتنيات ذات قيمة تاريخية وعلمية.


الصفحات
سياسة









