تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

‏لا تسخروا مما سأقول.

01/03/2026 - د. فوزي البدوي

( ماذا تريد واشنطن من دمشق؟ ) ل

01/03/2026 - لميس أندوني

كي لا نكون شعباً من جُنود

28/02/2026 - مضر رياض الدبس

«شؤون الشباب» في معرض الكتاب

28/02/2026 - حسام جزماتي

لمن تُبنى الدولة السورية؟

10/02/2026 - جمال حمّور


رئاسة ترامب تعمق الانقسام داخل الإعلام الأمريكي




غادر عشرات الصحفيين مكاتبهم داخل مبنى البنتاغون وسلموا تصاريح عملهم في أكتوبر 2025، احتجاجاً على قيود جديدة فرضتها الإدارة على تغطية الشؤون العسكرية. واشترطت هذه القيود تعهداً بعدم جمع أي معلومات غير مصرح بها أو نشرها، وموافقةً مسبقةً قبل النشر. وهو ما دفع نحو أربعين صحفياً إلى ترك أماكن عمل ظلوا يشغلونها سنوات.
وفي الوقت الذي أبدت فيه مؤسسات حقوقية ووسائل إعلام مختلفة


 
اعتراضها على القواعد الجديدة لأنها رقابة وانتهاك لاستقلالية العمل الصحفي، وبينها منصات محسوبة على الإدارة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعمه الإجراءاتِ، في استمرار لمسار متوتر بينه وبين الصحافة.

يبدو استهداف الصحفيين في الولايات المتحدة اليوم جزءاً من مشهد سياسي وإعلامي مألوف تتصادم فيه السلطة التنفيذية مع غرف الأخبار في صراع مفتوح على الوصول والرواية، وحدود الدور الصحفي نفسه. كانت المواجهات بين الصحفيين وترامب في ولايته الأولى أقرب إلى ضجيج سياسي ومعارك خطابية يومية، لكنها تحولت في ولايته الثانية إلى صراع مؤسسي ممنهج. فلم يعد الخلاف محصوراً في توصيفات مهينة أو اتهامات متبادلة، حتى وإن وجُدت تحيزات إعلامية ضد ترامب، بل انتقل إلى مستوى السياسات العامة والإجراءات القانونية والتنظيمية التي تستهدف إعادة رسم المشهد الإعلامي الأمريكي نفسه. يُظهر ذلك مسعى لإعادة ضبط العلاقة بين السلطة التنفيذية ووسائل الإعلام، وإعادة تعريف من يملك شرعية تمثيل الإعلام أمام السلطة. وهو ما قد يقيد الوصول إلى المعلومة.


وصف ترامب في ولايته الأولى في أبريل سنة 2019 في منشور على تويتر الصحافة بأنها "حقاً عدو الشعب" ، قائلاً بأنها تفعل أقصى ما لديها لمحاربة حركته التي تحمل شعار "لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً ". 
يتبنى هذه النظرة اليوم "مشروع 2025"، وهو حزمة من الاقتراحات أعدتها مؤسسة "هريتيج" البحثية المحسوبة على التيار المحافظ لتكون جاهزة للتنفيذ فور وصول الرئيس الجمهوري إلى البيت الأبيض. وبحسب القائمين على المشروع، يتعين على الرئيس المحافظ إصلاح الإعلام من التحيز الليبرالي وما يتبعه من قمع الآراء المحافظة. ويقترح القائمون على المشروع كذلك إعادة النظر في علاقة الإدارة بوسائل الإعلام عموماً، بما في ذلك العلاقة بين البيت الأبيض ورابطة مراسلي البيت الأبيض، وبحث ما إذا كان ينبغي منح الصحفيين مساحة داخل مجمع البيت الأبيض من الأساس.
وإن نفى ترامب أي علاقة له بالمشروع، وفقاً لتقرير نشره مركز "بروكينغز" تناول تداعياته المستقبلية المحتملة على حرية الصحافة، لكن خطته تتوافق معه بدرجة كبيرة. فقبل تولي ترامب السلطة رسمياً للمرة الثانية مطلع 2025 بدأ الهجوم على المؤسسات الصحفية يتخذ طابعاً  قانونياً.
في الأسبوع السابق الانتخاباتِ، وجه محامي ترامب خطاباً قانونياً إلى محامي صحيفة "نيويورك تايمز" ومؤسسة "بينغوين رانِدم هاوس" لنشر الكتب، طالب فيه بتعويض قدره عشرة مليارات دولار، بزعم احتواء تقارير صحفية تصريحات كاذبة وفيها تشهير. واستهدف الخطاب تقارير محددة تناولت مسيرة ترامب المالية والسياسية، وهاجم نيويورك تايمز وعدَّها بوقاً للحزب الديمقراطي يمارس تشهيراً واسع النطاق. ردت الصحيفة بالتأكيد على تمسكها بصحة تقاريرها.
وفي تصعيد آخر نهاية أكتوبر 2024، أقام ترامب دعوى أخرى ضد شبكة "سي بي إس نيوز" الإخبارية بدعوى التلاعب بتحرير مقابلة كامالا هاريس، نائبة الرئيس جو بايدن والمنافِسَة السابقة لترامب في انتخابات 2024، لصالح حملتها الانتخابية. وقد طالبت الدعوى بتعويض مماثل قدره عشرة مليارات دولار. رفضت الشبكة الدعوة واعتبرتها بلا أساس.
كذلك قُدّمت شكوى إلى لجنة الانتخابات الفيدرالية ضد صحيفة "واشنطن بوست" بزعم تقديم دعم غير قانوني لحملة هاريس عبر تقارير صحفية، وهو ما نفته الصحيفة. وتلقى موقع "ديلي بيست" الإخباري خطابات قانونية تطالب بتصحيح تقارير وسحبها، وهي تقارير عن مدفوعات حصل عليها مدير حملة ترامب. ومع تصحيح الموقع خطأً رقمياً وتوضيح أن المدفوعات كانت لشركته وليس له شخصياً، استمرت المطالبة بسحب التقرير.
ومع عودة ترامب إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية انتقل العداء نحو الصحافة من الاتهامات والتشكيك إلى إجراءات فعلية تمس جوهر العمل الإعلامي. كانت بوادرها الأبرز في أبريل 2025 باتخاذ البيت الأبيض قراراً بانتزاع صلاحية اختيار مجموعة الصحافة المرافقة الرئيسَ من رابطة مراسلي البيت الأبيض، منهياً نظاماً قائماً على التنظيم الذاتي للصحفيين ساد عقوداً. وبررت الإدارة القرار بالحاجة إلى تحديث الآليات وإنهاء ما وصفته "احتكار وسائل الإعلام التقليدية" التي سيطرت على المشهد قبل المنصات الرقمية. وعدَّت رابطة مراسلي البيت الأبيض في تصريح لها نقلاً عن رئيس الرابطة يوجين دانييلز في 15 أبريل 2025 الخطوةَ مساساً مباشراً باستقلالية الصحافة، ونقلاً لسلطة الاختيار إلى المؤسسة الرئاسية نفسها. 
ثم تجاوز العداء بين إدارة ترامب والإعلام السياسات المؤسسية، وتجسد في اشتباكاتٍ مباشرةِ بين الرئيس والصحفيين أنفسهم. في نوفمبر 2025 على متن الطائرة الرئاسية اصطدم ترامب مع كاثرين لوسي، مراسلة صحيفة "بلومبيرغ"، بعد طرحها سؤالاً عن ما إذا كانت رسائل جيفري إبستين الإلكترونية تتضمن معلومات تدين ترامب. رد الرئيس الأمريكي عليها بحدة قائلاً: "اصمتي يا خنزيرة"، وهو تعليق دافع عنه البيت الأبيض لاحقاً في بيان صحفي زاعماً أن الصحفية تصرفت بطريقة غير لائقة وغير مهنية، دون تقديم توضيحات إضافية.
بعد هذه الواقعة بيومين في ولاية فلوريدا، انفعل ترامب أثناء إجابته عن سؤال عن مقابلة الإعلامي تاكر كارلسون مع أحد مقدمي البرامج من اليمين المتطرف، نيك فوينتس. وجه ترامب إهانات لمراسلة لم تُظهرها الكاميرا، قائلاً "أنتِ الأسوأ [. . .] لا أعرف لماذا يوظفونك أصلاً". ثم دافع الرئيس الأمريكي عن كارلسون ولم ينتقد فوينتس. 

وعلى جدلية مواقف الرئيس الأمريكي، فإن هذا النمط في التعامل مع وسائل الإعلام يعود بجذوره إلى زمن ولايته الأولى بين سنتي 2017 و2021 والفترة التمهيدية التي سبقتها. فتلك السنوات لم تكن مجرد فترة توتر عابر بين رئيس مثير الجدل وصحافة نقدية، بل فترة مهدت لإعادة صياغة العلاقة بين السلطة التنفيذية ووسائل الإعلام.


مع إطلاق حملته الانتخابية في 2016 استخدم ترامب خطاباً اتسم بالتشكيك والإدانة والتهديد، ومقدماً الصحافة طرفاً معادياً. لجأ إلى تويتر حينها لمهاجمة الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، والطعن في مصداقيتهم، واتهامهم بالاعتماد على مصادر مختلقة أو مضللة. وهو الأسلوب الذي صاحبه بعد توليه الرئاسة في 2017، واصفاً تكراراً عدداً من المؤسسات الإعلامية بأنها عدو الشعب الأمريكي. وبهذا تحول الصحفي خصماً سياسياً يعمل ضد إرادة الشعب، بدلاً من كونه طرفاً رقابياً مستقلاً.
في هذا الصدد، أظهر تقرير مركز "شورنستين سنتر" للسياسة والإعلام في جامعة هارفارد المنشور سنة 2017، الذي حلل تغطية أول مئة يوم من رئاسة ترامب، أن هذه التغطية اتسمت بدرجة غير مسبوقة من السلبية مقارنة بإدارات سابقة في التاريخ الأمريكي الحديث. فمع أن الرئيس عادةً ما يشكل نحو ثُمن التغطية الإخبارية، فإنه في أول مئة يوم من ولايته كان موضوع 41 بالمئة من الأخبار التلفزيونية والمتحدث الرئيس في 65 بالمئة من التغطية.
اعتمد التقرير على تحليل التغطية الإخبارية في النسخ الورقية من صحف "نيويورك تايمز" و"وول ستريت جورنال" و"واشنطن بوست"، والنشرات الإخبارية الرئيسة لشبكات "سي بي إس" و"سي إن إن" و"فوكس نيوز" و"إن بي سي"، وثلاث وسائل إعلام أوروبية هي "فاينانشال تايمز" و"بي بي سي" البريطانيتين وقناة "إيه آر دي "الألمانية. وأوضح أن ترامب نقل المواجهة مع الصحافة للعلن بعكس عدد كبير من الرؤساء السابقين. 
في المقابل، وفق تقرير المركز، استخدم ترامب نتائج التغطية السلبية لتغذية خطاب يشكك في شرعية الإعلام ذاته، ويقدمه جزءاً من منظومة سياسية معارضة. 
مع مطلع سنة 2018، انتقل الصدام إلى مرحلة أكثر تنظيماً حين أعلن ترامب ما سُمي "جوائز الأخبار الكاذبة" عبر الموقع الإلكتروني للحزب الجمهوري، وروج لها وسيلةً لتسمية الخاسرين من وسائل الإعلام. وهو ما أعلنه على تويتر، وطالت القائمة صحفيين ارتكبوا أخطاء معلوماتية صغيرة على وسائل التواصل لتقارير إخبارية حوت معلومات غير دقيقة استدعت التصحيح، وركزت بالغالب على "نيويورك تايمز" وشبكة "سي إن إن".
في المقابل، أوضح تقرير نشرته لجنة حماية الصحفيين "سي بي جي" في يناير 2019 أن ترامب منذ إعلان ترشحه للانتخابات الرئاسية سنة 2016 وحتى نهاية عامه الثاني في الرئاسة، نشر 1339 رسالة عن وسائل الإعلام اتسمت بالنقد أو التلميح أو الإدانة أو التهديد. وكذلك نشر أكثر من 5400 منشوراً لمتابعيه الذين تجاوز عددهم 55.8 مليون شخص احتوت أكثر من 11 بالمئة من هذه المنشورات على إهانات أو انتقادات للصحفيين والمؤسسات الإعلامية، أو أدانت وشهَّرت بالإعلام. ووفقاً للتقرير، استخدم ترامب تويتر لاتهام الصحافة بتلفيق مصادر مجهولة، وكتب عن مصادر زائفة أو مفبركة في خمس مناسبات في فترة ترشحه، وجميعها نشرت في الأشهر الثلاثة بين فوزه بالانتخابات التمهيدية الجمهورية والانتخابات العامة.
وفي تقرير لاحق سنة 2020، وصفت لجنة حماية الصحفيين تصاعد استخدام الإدارة الأمريكية الأدواتِ القانونية والأمنية في سياق يخلق ضغطاً متزايداً على العمل الصحفي ومصادره. وذكر التقرير أن توسيع استخدام الأدوات الجنائية ضد مصادر الصحافة يشكل تهديداً فعلياً لحرية الصحافة. إذ أن الخوف من الملاحقة القانونية قد يدفع مصادر محتملة إلى الامتناع عن التواصل مع الصحفيين، ما يقوض قدرة الإعلام على أداء دوره الرقابي وكشف المعلومات ذات المصلحة العامة.
واعتبر التقرير أن الجمع بين الضغط القانوني والتصعيد الخطابي يخلق بيئة معادية العملَ الصحفي داخل الولايات المتحدة، ولا يقتصر أثرها على الداخل فقط بل يمتد عالمياً، إذ تُستخدم تصريحات ترامب وخطابه تجاه الإعلام ذريعة من حكومات أخرى لتبرير إجراءات قمعية ضد الصحافة. وبرر التقرير هجمات ترامب على الصحافة أنها بسبب علاقته الإشكالية مع "الحقيقة".
وقد وثقت مؤسسات مستقلة آلاف التصريحات الكاذبة أو المضللة التي أدلى بها ترامب أثناء رئاسته. وبدلاً من تصحيح هذه الادعاءات، كان الرئيس يهاجم الصحفيين الذين يشيرون إلى عدم دقتها ويتهمهم بالتحيز والكذب. هذا النمط، بحسب تقرير لجنة الصحفيين، لم يكن مجرد سلوك فردي، بل ساهم في تطبيع فكرة أن "الحقيقة مسألة نسبية ورأي سياسي" وأن "الصحافة ليست جهة تحقق أو مساءلة بل طرف في صراع سياسي". 

بهذا لم تكن سنوات الولاية الأولى لترامب مجردَ تمهيدٍ زمنيٍ لما تلاها، بل مرحلةً تأسيسيةً صيغت فيها الأدوات والخطابات التي استُخدمت لاحقاً بمنهجية. وأُعيد تعريف الصحافة فاعلاً سياسياً ينبغي تطويقه أو تجاوزه. لم يكتفِ ترامب بمهاجمة الإعلام بل أعاد توظيفه أداةً سياسية، عبر الاعتماد على إعلام حزبي داعم وبناء منصات تواصل رقمية تخصه.


التحول في المشهد الإعلامي الأمريكي يتجاوز التطور التقني أو صعود المنصات الرقمية، ليصبح ساحة صراع سياسي متكاملة تُدار فيها حرب روايات مفتوحة عن من يملك الحق في تعريف الواقع، ومن يملك شرعية مخاطبة الجمهور. وفي قلب هذا الصراع تقف وسائل الإعلام التقليدية في مواجهة منظومة إعلامية بديلة تشمل منصات التواصل الاجتماعي، وشبكات المؤثرين الرقميين.
يشير كتاب "غيت واتشنغ آند نيوز كيوريشن" (مراقبة البوابة وتنسيق الأخبار) لأكسل برونس، الباحث المتخصص في دراسات الإعلام الرقمي، الصادر سنة 2018 إلى أن التحول الرقمي لم يقتصر على استبدال منصة بأخرى، بل أعاد تشكيل دور من وصفهم بحراس البوابة. وهؤلاء الحراس هم الذين احتكرتهم المؤسسات الصحفية المهنية عقوداً وحولتهم من التحكم في تدفق المعلومات إلى مراقبتها. أصبح من الممكن إيصال الروايات السياسية مباشرة إلى الجمهور عبر المنصات الرقمية، من خارج طبقات التحقق وغرف التحرير التي ميّزت الإعلام التقليدي.
هذا المسار لم يكن عفوياً في حالة دونالد ترامب الذي تعامل مع الصحافة التقليدية لا وسيطاً مزعجاً فحسب، بل عقبةً ينبغي الالتفاف عليها أو تحييدها. ومع مرور الوقت، تحول هذا الالتفاف إلى منظومة اتصال شبه متكاملة تقوم على بناء قنوات بديلة وإضعاف القنوات القائمة، وإعادة توجيه انتباه الجمهور بعيداً عن غرف الأخبار.
ففي حملته الانتخابية بولايته الثانية، ركز ترامب على التواصل المباشر مع جمهوره عبر منصات يملك فيها سيطرة شبه كاملة على الخطاب والإيقاع، مثل منصة "تروث سوشال" التي يمتلكها. وقدم من المنصة روايات مكتملة بلا منافس أو صوت آخر يعكس وجهة النظر الأخرى. وقد أُطلقت منصة "تروث سوشيال" سنة 2022 عقب حظر حسابات ترامب وتعليقها على منصات التواصل الاجتماعي الكبرى. وجاء ذلك على خلفية دوره في أحداث اقتحام أنصاره مبنى الكابيتول في واشنطن في 6 يناير 2021 احتجاجاً على نتائج الانتخابات الرئاسية التي خسر فيها ترامب لصالح المرشح الديمقراطي جو بايدن. 
قُدمت المنصة بديلاً لشبكات التواصل السائدة وطرحت نفسها مساحة لحرية التعبير. وجاء توسع استخدامها بقاعدة ترامب من المؤيدين المتشددين، إضافة إلى مستخدمين سبق أن تأثروا بإجراءات الحذف أو الحظر على منصات أخرى. وأصبحت لاحقاً المنبر الرئيس الذي يعتمد عليه ترامب للتواصل مع جمهوره.
وفي مراجعة لنشاط دونالد ترامب على منصته الخاصة، تتبعت صحيفة "وول ستريت جورنال" أكثر من ستة آلاف منشور نشرها منذ عودته إلى السلطة بولايته الثانية في يناير 2025. وأظهر تحليل الصحيفة أن ما يزيد على ألفين وسبعمئة تدوينة نصية تجاوزت التعبير عن مواقف أو ردود فعل آنية، واتخذت طابع توجيهات سياسية واقتصادية مباشرة وجهت إلى مؤسسات الدولة وشركات كبرى. وهو ما حول منشورات ترامب من مجرد تعبيرات شخصية إلى أدوات تأثير مباشر في القرار العام، ما جعل منصة خاصة تؤدي دوراً يقترب من دور المؤسسات الرسمية.
إلى جانب ذلك، اتجه ترامب بتزايد إلى الظهور في "بودكاست" (برامج صوتية) يقودها مؤثرون لا ينتمون إلى المؤسسات الصحفية التقليدية. ظهر ترامب مثلاً مع أدين روس، أحد أبرز مقدمي البث المباشر على منصة "كيك"، أثناء الترويج لحملته الانتخابية في ولايته الثانية. وجاء اللقاء حينها ضمن مسعى الحملة الجمهورية للوصول إلى الناخبين الأصغر سناً عبر منصات بديلة للإعلام التقليدي. وبعد المقابلة، أثنى الرئيس الأمريكي علناً على ابنه بارون ونسب إليه الفضل في تشجيعه على هذا النوع من الظهور الإعلامي.
هذا النمط من الظهور الإعلامي وفر بيئة مختلفة عن المقابلة الصحفية التقليدية. فمن تلك المنصات يكون الحوار مطولاً دون الالتزام بوقت محدد للبث، وقد تطرح الأسئلة من موقع التعاطف أو الفضول، لا المساءلة المهنية. وفي هذه المساحات لا يُطلب من الضيف الدفاع عن قراراته بقدر ما يُتاح له سرد قصته، وبناء صورة ذاتية أقرب إلى الخطاب الشعبوي المباشر.
حتى وسائل الإعلام المحافظة، التي كانت حليفة التيار الجمهوري، لم تعد بمنأى عن هذا المنطق. تعامل ترامب معها صديقةً مشروطة، يقترب منها حين تتماهى مع روايته، ويتجاوزها حين يرى أنها لا تمنحه الولاء الكامل. فمثلاً مع الانتخابات الرئاسية لنهاية ولايته في 2020، هاجم ترامب شبكة "فوكس نيوز" علناً بعد إعلانها فوز جو بايدن بولاية أريزونا، معتبراً أن الشبكة لم تعد تمثله. وفي حملته الانتخابية بولايته الثانية 2024 عاد مجدداً لانتقادها حين منحته تغطية أقل حماسة من منافسيه الجمهوريين.

ومع الطابع غير المسبوق للهجوم الذي شنته إدارة دونالد ترامب على الصحافة الأمريكية، إلا أن العلاقة بين الطرفين منذ ولايته الأولى لم تكن أحادية الاتجاه، واتسمت بدرجات متفاوتة من العداء المتبادل غذت منطق ترامب وقاعدته عن تحيز وسائل الإعلام التقليدية ضد الرئيس.


مع وصول ترامب إلى البيت الأبيض في ولايته الأولى، تعاملت قطاعات من الإعلام الأمريكي مع رئاسته حالةً استثنائيةً تهدد القيم الديمقراطية ذاتها، لا مجرد إدارة محافظة قابلة للنقد والمساءلة. هذا التصور انعكس سريعاً في طبيعة التغطية التي ركزت بكثافة على مواطن الخلل والتناقضات والتصريحات المثيرة الجدل، في مقابل اهتمام أقل بالسياسات العامة أو السياقات البنيوية التي تحكم عمل الإدارة. وهذا ما أظهره تقرير مركز "شورنستين" عن التغطية السلبية للمئة يوم الأولى من رئاسته مقارنة بالإدارات السابقة. 
استندت هذه التغطية في كثير من الأحيان إلى وقائع، تجاوزت في بعض الحالات حدود النقد المهني إلى ما يشبه التوجه السياسي. رأى مؤيدو ترامب أن بعض غرف الأخبار تعاملت مع ترامب خصماً يجب إفشاله، لا رئيساً منتخباً ينبغي إخضاعه للمساءلة الصارمة من دون انزلاق إلى دور المعارضة. وقد بينت مؤسسة دراسة الإعلام المحسوبة على التيار المحافظ في تقرير أصدرته في أبريل 2025 أن 92 بالمئة من تغطية وسائل الإعلام التقليدية في الولايات المتحدة لترامب كانت سلبية. وقارنت المؤسسة بتغطية وسائل الإعلام للرئيس السابق جو بايدن، التي كانت إيجابية بنحو 59 بالمئة. 
وساهم الاقتصاد السياسي للإعلام في هذا السياق. فشخصية ترامب وخطابه التصادمي وفر مادة إعلامية رفعت نسب المشاهدة والتفاعل إلى مستويات غير مسبوقة. ويبدو أن هذا الواقع خلق حافزاً لدى بعض الوسائل الإعلامية لتكثيف التغطية السلبية، بدافع تجاري، إذ بات ترامب نفسه منتَجاً إعلامياً مربحاً.
في المقابل أعاد ترامب توجيه النقاش نحو الإعلام ذاته. ومع كل تقرير سلبي وكل عنوان هجومي، كان يعيد إنتاج رواية العداء لتعزيز تماسك قاعدته الشعبية، وتشكيكها في أي معلومة لا تصدر عن قنواته الخاصة. وقد برز هذا التوتر في الانتخابات الرئاسية أمام كامالا هاريس في ولايته الثانية، إذ ساهمت استطلاعات الرأي في تغذية الصدام بين الطرفين.
ركزت قطاعات واسعة من الإعلام الأمريكي على استطلاعات منحت هاريس تقدماً ملحوظاً في السباق الانتخابي، واعتُبرت هذه الأرقام في كثير من التغطيات مؤشراً شبه حاسم على اتجاه الرأي العام. في المقابل أظهرت بيانات انتخابية لاحقة ونتائج جزئية في ولايات محورية، أن ترامب كان يتقدم بفارق كبير في قطاعات مؤثرة من الناخبين. وهو ما استثمره  ترامب لاحقاً لتأكيد روايته عن انفصال الإعلام عن الواقع.
هناك فارق في موازين القوة بين رئيس يملك أدوات الدولة، ومؤسسات إعلامية تعمل في بيئة متغيرة وضاغطة. لكن الصراع بينهما يفرض قراءة أعقد للمشهد، إذ يتفاعل الطرفان بين خطاب سياسي عدائي، وتغطية إعلامية مشحونة يغذي كل منهما الآخر. فكلما تصاعدت حدة التغطية اشتد الخطاب السياسي، وكلما اشتد الخطاب ازداد الميل الإعلامي إلى التصعيد في حلقة يصعب كسرها. وهو ما تبلور أخيراً في إطلاق البيت الأبيض صفحةً على موقعه أسماها "مُضلل، متحيز، ومكشوف"، فيما بدا قاعة للتشهير بالصحفيين والمؤسسات الإعلامية التي لا تتوافق مع خط ترامب وإدارته أو توجِّه له النقد. 
بهذا بدا الإعلام الأمريكي وهو يؤدي دوراً رقابياً، على الأقل نظرياً، منخرطاً في معركة سياسية مفتوحة أثرت في خياراته التحريرية وأولوياته، وأسهمت في إعادة تشكيل صورته لدى الجمهور. فحين انتقل ترامب في ولايته الثانية من الهجوم الخطابي إلى الحصار المؤسسي، لم يواجه إعلاماً مستقلاً ولا جمهوراً موحداً خلفه، بل مشهداً إعلامياً منقسماً وجمهوراً مستقطباً، وثقة متآكلة من الجانبين.

وهو ما يطرح سؤالاً أوسع عما شهدته الولايات المتحدة في العقد الأخير، وهل هو أثر سياسي بسبب شخصية ترامب الاستثنائية، أم أنه تحول مؤسسي أعمق سيستمر بغض النظر عن من يشغل منصب الرئاسة.


تشير دراسة صادرة عن مركز "بيو" للأبحاث سنة 2016 إلى أن الاستقطاب السياسي وتراجع الثقة بالمؤسسات الإعلامية كانا قائمين قبل صعود ترامب. البنية الإعلامية الأمريكية كانت قد دخلت مرحلة انقسام شبكي عميق، وما فعله ترامب هو استثمار هذه التصدعات ودفعها إلى أقصى حدودها. فلم يخلق ترامب الأزمة بقدر ما سرّع انكشافها واستثمر تصدعات كانت قائمة بالفعل في علاقة الإعلام بالجمهور، وفي النموذجين الاقتصادي والمهني اللذين حكما الصحافة الأمريكية عقوداً.
ذلك ما تحدث عنه أستاذ الفلسفة وتاريخ العلم في جامعة بوسطن، لي ماكنتاير، في كتابه "بوست تروث" (ما بعد الحقيقة) الصادر سنة 2018. تناول الكاتب كيفية استخدام المعلومات المضللة عمداً، فمصطلح "ما بعد الحقيقة" لا يعود فقط إلى تلاعب سياسي أو كذب صريح، بل إلى عمل يقوم على فرض رواية موجهة على أنها حقيقة بغض النظر عن الأدلة المتاحة. ويستدل ماكنتاير على ذلك بأمثلة معاصرة، منها الجدل عن حجم الحشود في حفل تنصيب ترامب في انتخابات 2016.
ويؤكد الكاتب أن هذه الظاهرة لم تبدأ مع انتخابات 2016، بل سبقتها مراحل طويلة من إنكار الحقائق مهدت لتوسيع نطاق إنكار الوقائع، مع تراجع الإعلام التقليدي وصعود منصات التواصل الاجتماعي واستخدام الأخبار الزائفة أداةً سياسية. سمحت هذه البيئة لترامب باستثمار حالة الانقسام وفقدان الثقة القائمة ودفعها إلى أقصى حدودها.
هذا التشظي، وفق ماكنتاير، يضعف قدرة الإعلام على أداء دوره التقليدي ساحةً عامةً مشتركة للنقاش، سواء كان ترامب في السلطة أم تولى غيره المنصب. فالإعلام لم يعد وسيطاً جامعاً بقدر ما تحول إلى جزء من منظومة استقطابية، يخاطب كل طرف فيها جمهوره الخاص ويعيد إنتاج قناعاته المسبقة. ونتيجة لذلك باتت البيئة الإعلامية منقسمة على أسس وتوجهات يتلقى فيها المواطنون روايات متباينة للواقع السياسي نفسه. وهذا يقوض إمكانية وجود فضاء معلوماتي مشترك يمكن فيه الاختلاف على أساس وقائع متفق عليها، لا على روايات متوازية لا تلتقي.
لذا تحذر المنظمات المعنية بحرية الصحافة والديمقراطية، ومنها منظمة "مراسلون بلا حدود"، من أن هذا المسار إذا استقر لن يؤدي إلى إضعاف الإعلام وحسب، بل إلى إعادة تشكيل العلاقة بين المعرفة والسلطة. وقد بيَّن مؤشر حرية الصحافة العالمي الصادر عن المنظمة عن سنة 2025 تراجعاً تاريخياً في حرية الصحافة في الولايات المتحدة إلى حد وصف المنظمة الوضع بالإشكالي.

وضع التقرير الولاياتِ المتحدة في المرتبة السابعة والخمسين، مقارنة بالمرتبة الخامسة والخمسين سنة 2024، والمرتبة الخامسة والأربعين في 2023. وهذا التدهور، وفقاً للتقرير، يحمل انعكاسات سلبية تمتد إلى مدى استقلالية المؤسسات الإعلامية وعلاقاتها بالمجتمع. 


في رئاسته الثانية تجاوزت علاقة دونالد ترامب بالإعلام حدود الخطاب العدائي والمناكفات والتشكيك في مصداقية الصحافة التي سادت فترة رئاسته الأولى، لتنتقل إلى إجراءات قانونية وعملية ملموسة تمس جوهر العمل الصحفي وتهدد استقلاليته. ولكن خلف هذا يطرح السؤال فيما إذا كان تأثير ترامب على المشهد الصحفي والإعلامي سيزول بخروجه من السلطة، أم كيف ستتعامل المؤسسات الإعلامية مع إرث أعمق من أن يختزل في شخص واحد. فالتحولات التي شهدها الإعلام الأمريكي في سنوات لا تبدو استثناءً عابراً، بل مؤشرات على دخول مرحلة تتطلب إعادة تفكير في وظيفة الصحافة وحدودها ودورها، داخل نظام يعرف نفسه ديمقراطياً بينما تكشف ممارساته على أرض الواقع عن تناقضات بنيوية عميقة.
---------
الفراتس
كاتب مصري مقيم في واشنطن.

محمد البطاوي
الخميس 5 مارس 2026