عملية الاستبدال أعادت رسم علاقة المواطنين بالنقد والبنوك والثقة بالسوق نفسها، وشهدت، بحسب خبراء، نقاط نجاح وتعثر، إذ تمكنت من إدخال مليارات الأوراق النقدية إلى الجهاز المصرفي دون صدمة تضخمية مع استقرار نسبي في سوق الصرف، كما أظهرت ثغرات مثل قلة مراكز الاستبدال والتأخر في مواجهة ظاهرة رفض العملة القديمة.
وحول ما رافق عملية استبدال العملة، طفت على السطح العديد من التساؤلات حول تقييم التجربة وأثرها الحالي والمستقبلي، ومستوى الرضا بين الناس، وعناصر النجاح أو الفشل، وهي أسئلة توجهت بها عنب بلدي لأكثر من طرف، بينهم مواطنون وخبراء، و”مصرف سورية المركزي” الذي لم تتلقَّ منه عنب بلدي أي رد رسمي بهذا الشأن حتى تاريخ نشر الملف.
آليات التطبيق ومواضع التعثر والنجاح
مرسوم رئاسي يغير قواعد العملة
في 24 من كانون الأول 2025، أصدر الرئيس السوري، أحمد الشرع، المرسوم رقم “293” لعام 2025 المتعلق بإطلاق العملة السورية الجديدة.ونص المرسوم على استبدال الأوراق النقدية القديمة، وسحبها من التداول ابتداء من تاريخ 1 من كانون الثاني 2026، وخلال المهل التي يحددها “مصرف سورية المركزي”.
وفي 29 من كانون الأول 2025، أصدر “مصرف سورية المركزي” قرارًا تنفيذيًا للمرسوم، واضعًا القواعد الأولى لاستبدال العملة.
بعد يومين فقط، في 31 من كانون الأول، صدر قرار آخر حدد الجهات المسموح لها بتنفيذ عملية الاستبدال، وهي المصارف العامة والخاصة وشركات الصرافة والحوالات الخاضعة لرقابة المركزي، مع التأكيد على أن العملية ستكون مجانية بالكامل دون أي رسوم أو عمولات.
والهدف كان واضحًا، وهو إدخال أكبر كمية ممكنة من النقد الموجود خارج الجهاز المصرفي إلى القنوات الرسمية.
وكشف حاكم “مصرف سورية المركزي” حينها، عبد القادر الحصرية، بعد أسابيع من بدء العملية رقمًا لافتًا، إذ قال إن السوق كانت تحتوي على نحو 14 مليار ورقة نقدية قديمة، بحجم (سبق وصرح عنه في المؤتمر الصحفي بالمركزي لإعلان التعليمات التنفيذية) يصل إلى 41 تريليون ليرة سورية قديمة، ثم أعقبه بتصريح قال فيه إن هذه الكتلة هي 42 تريليون ليرة.
هذا الحجم المحدد من الكتلة القديمة تحفظ عليه عدد من الخبراء والباحثين الاقتصاديين الذين التقتهم عنب بلدي حينها، ومنهم الأكاديمي السوري وخبير الاقتصاد والمصارف إبراهيم قوشجي، الذي أشار إلى وجود احتمال كبير جدًا أن يكون الحجم الحقيقي للكتلة النقدية القديمة أكبر من 42-43 تريليون ليرة، وقد يصل إلى 50-56 تريليون ليرة سورية قديمة.
والرقم، وفقًا لقوشجي، لا يشمل الكتلة النقدية الموجودة خارج الحدود السورية، سواء في دول الجوار أو في مناطق التهريب والتجارة غير النظامية، وهي كتلة لا يمكن قياسها عبر “سجلات الإصدار” لدى “المركزي”، لكنها تؤثر في حجم الكتلة النقدية الإجمالية.
ولكن بحلول نهاية شباط، أعلن المركزي استبدال أربعة مليارات ورقة، أي نحو 35% من الكتلة النقدية خلال ثمانية أسابيع فقط، ورغم أن الرقم بدا مرتفعًا، فإنه كشف مشكلة أكبر، وهي أن أكثر من ثلثي السيولة كانت لا تزال خارج النظام المصرفي.
مركز بريد القصيبة في ريف القنيطرة الجنوبي يبدأ عمليات استبدال العملة القديمة – 14 حزيران 2026 (سانا)
أول أزمة.. المحافظات البعيدة
مع تقدم عملية استبدال العملة بدأت الفجوة الجغرافية تظهر بوضوح.وفي دمشق وحلب واللاذقية كان الوصول إلى مراكز استبدال العملة القديمة أسهل نسبيًا، بينما واجه سكان دير الزور والرقة والحسكة وأجزاء من السويداء وريف إدلب ساعات انتظار طويلة، بسبب محدودية نقاط الاستبدال وبعد المسافات.
وبدأت تظهر إلى العلن شكاوى متكررة من ازدحام الفروع، وتأخر صرف الرواتب، واضطرار كبار السن للوقوف في طوابير امتدت لساعات.
وفي 17 من شباط الماضي، صدر قرار من المركزي يوسع عملية الاستبدال لتشمل الفئات الصغيرة 500 و200 و100 و50 ليرة من جميع الإصدارات القديمة، مع اشتراط ألا يقل عدد الأوراق المقدمة للاستبدال عن 100 ورقة من الفئة الواحدة.
وبعد أيام فقط، جاء الاعتراف الضمني من قبل “المركزي” بأن الجدول الزمني الأصلي لم يعد واقعيًا، ففي 22 من شباط، أصدر “المركزي” قرارًا بتمديد المهلة 60 يومًا اعتبارًا من 1 من نيسان، بعدما تبيّن أن مليارات الأوراق ما زالت خارج المصارف.
أثر غير متوقع.. السيولة تختفي من الأسواق
خلال آذار ونيسان، بدأت الأسواق تشهد ظاهرة مختلفة، إذ لم ترتفع الأسعار بسبب ضخ نقد جديد، بل بسبب شح السيولة.واشتكى التجار من صعوبة توفير الفئات الجديدة، بينما واجه المواطنون صعوبة في الحصول على النقد، فيما ظهرت عمليات تقريب الأسعار (إلى أعلى أو أدنى سعر) بعد حذف صفرين من العملة، وما رافقها من مشاحنات في الأسواق والحافلات، وسط صمت شبه مطبق من “المركزي السوري”.
وأدى سحب جزء كبير من الكتلة النقدية، اقتصاديًا، إلى تقليص السيولة المتداولة، وهو ما أسهم مؤقتًا في تخفيف الضغط عن سوق الدولار، لكنه خلق أزمة يومية في عمليات البيع والشراء.
وفي 30 من أيار، أصدر “المركزي” قرارًا جديدًا بتمديد الاستبدال 30 يومًا إضافيًا، لتصبح المهلة الجديدة تبدأ في 1 من حزيران، وفي الفترة نفسها أعلن الحاكم أن نسبة الإنجاز بلغت 63% من الكتلة النقدية.
وكان ذلك يعني أن نحو ثلث النقد القديم لا يزال خارج التداول الرسمي، رغم مرور خمسة أشهر.
الخطأ الأكبر.. السوق يسبق “المركزي”
ظهر أحد أبرز الانتقادات التي وُجهت للمصرف المركزي بينما كانت العملة القديمة لا تزال تتمتع بالقوة الإبرائية قانونًا، إذ بدأ عدد من التجار وسائقي وسائل النقل رفضها قبل انتهاء صلاحيتها.وبذلك أصبح هناك من يقول إن العملة صالحة للتداول، وسوق يتصرف وكأنها انتهت.
وفي دمشق وحلب وحمص واللاذقية، سجلت عنب بلدي عشرات الشكاوى للمواطنين من رفض بعض المحال استقبال الأوراق القديمة، في حين تأخر صدور رسائل توضيحية حاسمة من قبل “المركزي السوري” تعيد الانضباط للسوق، وكان يكفي حينها أن يخرج “المركزي” ببيان يؤكد فيه القوة الإبرائية للعملة القديمة لإلزام الفعاليات التجارية والنقل بها.
وفي 29 من حزيران، صدر قرار عن “المركزي” حسم الجدل نهائيًا، ونص على أن 30 من تموز 2026 سيكون آخر يوم للاستبدال، وأن 31 من تموز هو تاريخ فقدان العملة القديمة لقوتها الإبرائية بالكامل.
وللمرة الأولى انتقل الخطاب الرسمي من “الاستبدال” إلى “السحب النهائي”.
نهاية التداول في 31 من تموز
مع انتهاء المهلة أصبحت الأوراق القديمة غير صالحة لأي معاملة مالية، لكن “المركزي السوري” لم يغلق الباب تمامًا، فقد أعلن عن بدء مرحلة جديدة تمتد خمس سنوات، يتم خلالها استقبال طلبات سحب العملة القديمة حصرًا في “مصرف سورية المركزي” بدمشق، مع شروط أبرزها:- حد أدنى 100 ورقة من الفئة الواحدة.
- تحويل القيمة إلى حساب مصرفي أو “شام كاش” بالليرة الجديدة.
- عدم استيفاء أي رسوم أو عمولات أو ضرائب.
أين نجح “المركزي” وأين تعثر؟
قال الخبير الاقتصادي والمصرفي السوري محمد فقيه، لعنب بلدي، إنه يمكن رصد أربع نقاط نجاح رئيسة:- تنفيذ عملية واسعة دون فرض رسوم على المواطنين.
- إدخال مليارات الأوراق النقدية إلى الجهاز المصرفي.
- تجنب صدمة تضخمية مباشرة نتيجة الاستبدال.
- تحقيق استقرار نسبي في سوق الصرف مقارنة بالمخاوف الأولية.
- قلة مراكز الاستبدال في المراحل الأولى مقارنة بحجم الطلب.
- ضعف التواصل الإعلامي من قبل “المركزي السوري” مع المواطنين والأسواق خلال بعض المحطات الحساسة.
- التأخر في مواجهة ظاهرة رفض العملة القديمة في الأسواق.
- الانتقال المفاجئ من التوسع في نقاط الاستبدال إلى حصر السحب لاحقًا في دمشق، ما أثار مخاوف سكان المحافظات البعيدة.
تفاقم خسائر السوريين في الأسواق
غياب الفئات الصغيرة وتعدد العملات
قد يبدو فقدان جزء صغير من بقية ثمن سلعة أو أجرة وسيلة نقل خلال التداولات في الأسواق والمحال أمرًا لا يستحق التوقف عنده، لكنه يتحول، مع تكراره يوميًا، إلى عبء إضافي على أصحاب الدخل المحدود.وقبل نحو شهر من انتهاء المهلة الإبرائية، رصدت عنب بلدي في سوق الصرافة بدمشق نقصًا في السيولة المخصصة للاستبدال، فقد كانت مصارف كثيرة تحدد قيمة الاستبدال بـ500 ألف ليرة سورية فقط، في حين كان عدد قليل منها يسمح باستبدال ما يصل إلى خمسة ملايين ليرة يوميًا.
هذا ما كشفته شهادات جمعتها عنب بلدي من محافظات سورية عدة، إذ تداخل نقص الفئات الصغيرة مع فوضى الصرف وتعدد العملات واستغلال الحاجة إلى استبدال الأوراق النقدية القديمة.
تبخر الفئات الصغرى وغياب “الفراطة” بالأسواق
بعد تفعيل قرار إلغاء القوة الإبرائية للعملة السورية القديمة في نهاية تموز الماضي، برزت إشكالات مرتبطة بتداول العملة الجديدة، أبرزها محدودية توفر الفئات النقدية الصغيرة، ولا سيما:- فئة العشر ليرات البديلة عن الألف ليرة القديمة.
- فئة الخمس ليرات البديلة عن الخمسمئة ليرة القديمة.
- عدم طباعة فئة 20 ليرة كبديل عن فئة الألفين القديمة التي تحمل صورة الرئيس المخلوع بشار الأسد.
وقال أمين سر جمعية حماية المستهلك، عبد الرزاق حبزة، لعنب بلدي، إن التأثير السلبي لعملية الاستبدال يظهر في الأسعار، خصوصًا مع اقتراب انتهاء مهلة تبديل العملة، عندما حاول المواطنون التخلص من الفئات القديمة، من فئة 500 و1000 و2000 ليرة، بأي طريقة ممكنة، ما أسهم في ارتفاع الأسعار خلال تلك الفترة.
تعدد العملات يربك أسواق إدلب وريف حلب
في ريف حلب وإدلب، لا تقتصر المشكلة على غياب الفئات الصغيرة، بل تمتد إلى تعدد العملات المتداولة (ليرة تركية، دولار، يورو) وما يرافقه من تفاوت في أسعار الصرف وفرص للاستغلال.وأفاد مراسل عنب بلدي في ريف حلب بأن الليرة التركية هي العملة الأكثر تداولًا، في ظل رفض بعض البائعين التعامل بالليرة السورية أو قبولها وفق سعر صرف منخفض، وذكر المراسل حالة المسن “أبو محمود” الذي تكبد خسارة بسبب عدم امتلاكه الليرة التركية.
وعندما اضطر “أبو محمود” إلى شراء كيس من السكر يبلغ سعره 280 ليرة تركية، طلب منه البائع مبلغًا بالعملة السورية الجديدة يعادل 380 ليرة تركية.
وفي إدلب، قال أشخاص تواصلت معهم عنب بلدي، إن تعدد العملات يتسبب بحالة من الارتباك في عمليات البيع والشراء.
من جهته، يرى حبزة أنه ينبغي الاستغناء عن العملات الأخرى المتداولة في الأسواق، واعتماد الليرة السورية وحدها، إلى جانب إلزام البائعين بالإعلان عن أسعار المواد الغذائية والأدوات الكهربائية وغيرها بالعملة المحلية الجديدة.
الحسكة.. ثلاثة أسعار للدولار واستبدال غير رسمي
في محافظة الحسكة، أفاد مراسل عنب بلدي بأن السكان يعانون من محدودية تداول العملة الجديدة، بالتزامن مع استمرار وجود أوراق من العملة القديمة وتداول الدولار الأمريكي.وأسهم هذا الوضع في استغلال بعض الصرافين لفارق التصريف بين العملتين القديمة والجديدة، ويظهر التباين الإداري والاقتصادي في المحافظة من خلال تعدد أسعار صرف الدولار، إذ يتداول السوق ثلاثة أسعار مختلفة بحسب فئة العملة المستخدمة.
وبلغ سعر الدولار بالنسبة إلى فئتي 2000 و5000 من العملة القديمة نحو 14,500 ليرة للشراء و14,900 ليرة للمبيع.
وبالنسبة إلى فئتي 500 و1000 من العملة القديمة، بلغ السعر نحو 16,500 ليرة للشراء و17,000 ليرة للمبيع، بينما يبلغ سعر الدولار مقابل العملة السورية الجديدة 127 ليرة أي ما يعادل 12,700 ليرة من العملة القديمة للشراء و132 ليرة للمبيع، أي ما يعادل 13,200 ليرة قديمة.
كما ظهرت قنوات غير رسمية لاستبدال العملة القديمة، تفرض فارقًا قد يؤدي إلى خسارة تصل إلى 30% من قيمتها.
وقال أمين سر جمعية حماية المستهلك، إنه قبل نحو أسبوعين من انتهاء مهلة الاستبدال برزت ظاهرة “الربا”، إذ اضطر بعض المواطنين إلى التخلي عن جزء من مدخراتهم بالعملة القديمة بسبب عدم قدرتهم على تبديلها عبر المنصات الرسمية.
باعة يخسرون ربع قيمة أموالهم
قال النائب السابق لرئيس غرفة تجارة دمشق، محمد الحلاق، في حديث إلى عنب بلدي، إن التجار لم يتأثروا بدرجة كبيرة خلال مرحلة استبدال العملة، لكنهم يتأثرون حاليًا بضعف القوة الشرائية لدى المستهلك وارتفاع النفقات المترتبة على الأسر، خصوصًا في المواسم التي تتزايد فيها المصاريف، مثل:- بدء العام الدراسي.
- الأعياد.
- موسم إعداد المؤونة.
حلول اقترحها مواطنون التقتهم عنب بلدي
-
ضخ الفئات النقدية الصغيرة بكميات كافية.
-
اعتماد الليرة السورية الجديدة في التسعير والتعاملات.
-
ضبط عمليات الصرف غير الرسمية.
-
توسيع الدفع الإلكتروني تدريجيًا.
-
البدء بالقطاعات ذات التعاملات النقدية الكثيفة، مثل محطات الوقود.
-
تعزيز الثقة بالقطاع المصرفي وأنظمة الدفع.
-
توفير “الفراطة” والدفع الإلكتروني.
تفعيل الدفع الإلكتروني ليس معقدًا، ويمكن البدء بالقطاعات الأشد إلحاحًا، مثل محطات الوقود.
محمد الحلاق
النائب السابق لرئيس غرفة تجارة دمشق
ماذا تغير في حياة السوريين بعد استبدال العملة؟
لم يؤدِّ استبدال الليرة السورية الجديدة بالعملة القديمة إلى تغيير القيمة الفعلية للأموال التي يملكها السوريون، إذ قامت العملية على حذف صفرين من العملة، بحيث تعادل الليرة الجديدة 100 ليرة من الإصدار القديم، لكن الانتقال بين الإصدارين فرض تغييرات واسعة على تفاصيل الحياة اليومية، من طريقة حساب الرواتب والأسعار، إلى التعاملات التجارية وأجرة النقل وشراء الحاجيات الأساسية.وكانت عنب بلدي رصدت خلال الأشهر الماضية مظاهر مختلفة لهذا الارتباك، من رفض بعض المحال قبول فئات قديمة رغم استمرار صلاحيتها، إلى ظهور فروق في أسعار صرف الدولار، بحسب نوع العملة التي يحملها المواطن، فضلًا عن صعوبات مرتبطة بنقص مراكز الاستبدال والفئات الصغيرة.
راتب أصغر بالأرقام والمصروف نفسه
بالنسبة إلى الموظفين وأصحاب الدخل الثابت، لم يحمل حذف الصفرين تغييرًا جوهريًا في قيمة الدخل، إذ انخفض عدد الأرقام التي يتعاملون بها كما انخفض عدد الأرقام في أسعار السلع، بينما بقيت العلاقة بين الدخل وتكاليف المعيشة هي العامل الحاسم.قال محمد العلي، موظف حكومي، إن راتبه أصبح يُحسب بالعملة الجديدة، لكنه احتاج إلى فترة حتى يعتاد الأرقام الجديدة.
وأضاف أن “المشكلة لم تكن في عدد الأصفار، وإنما في الأسعار التي ندفعها كل يوم”، موضحًا أن المواطن لا يقيس راتبه بعدد الأوراق التي يحصل عليها، وإنما بما يستطيع شراءه منه.
وتتكرر الصورة نفسها في السويداء، لكن من زاوية عامل يتقاضى أجره يوميًا، إذ قال عدي ع.، وهو عامل في تركيب الحجر، إن أجره اليومي كان يبلغ 100 ألف ليرة قديمة، والتغيير الأكثر وضوحًا بالنسبة إليه كان في شكل المبلغ الذي يحمله، إذ انتقل من عدد كبير من الأوراق إلى ورقتين من فئة 500 ليرة جديدة، لكنه لا يشعر بأن ذلك انعكس على مصروفه اليومي.
في المقابل، يرى بسام ناصر، وهو متقاعد من حماة، أن التغيير أصبح أسهل مع مرور الوقت، معتبرًا أن الصعوبة الأساسية كانت في بداية التعامل مع حذف الصفرين.
وقال إن “التغير الوحيد هو الكم”، فالمبلغ الذي كان يحتاج إلى مساحة كبيرة داخل المحفظة أصبح بالإمكان وضعه بسهولة في محفظة صغيرة، ويستعيد ذكرى المليون ليرة القديمة، التي كانت تحتاج إلى حيز كبير، بينما أصبح ما يعادلها بالعملة الجديدة أكثر سهولة في الحمل والتداول.
أتسلم حاليًا قطعتين من فئة الـ500، أشعر أنه تم الاحتيال عليّ، لقد كنت أجني 20 قطعة من فئة 5000، الآن قطعتان من فئة الـ500 فقط.
عدي ع.
عامل مياومة في السويداء
“الفراطة” تتحول إلى عبء يومي
لم تقتصر آثار الانتقال إلى العملة الجديدة على صعوبة قراءة الأرقام، إذ ظهرت مشكلة أخرى في التعاملات اليومية مرتبطة بالفئات الصغيرة.ورصدت عنب بلدي في مناطق مختلفة لجوء أصحاب المحال ووسائل النقل إلى إعطاء سلع صغيرة بدل الفارق النقدي، بسبب عدم توفر بعض الفئات، وخاصة عند انتهاء الأسعار بأرقام لا تتطابق مع الفئات المتداولة.
وفي الرقة، قال عبد الله محمد العمو، وهو أحد سائقي النقل الداخلي، إن السائقين يحاولون تجاوز المشكلة بوسائل مختلفة، موضحًا: “نعيد للراكب قطعة بسكويت وعلكة وغيرها لتلافي نقص الفراطة”.
وأضاف عبد الله أن المشكلة الأساسية تكمن في إعادة الأجرة، لأن السائق لا يستطيع تحمل الفروق الصغيرة بصورة متكررة، خصوصًا أن العملية تتكرر عشرات المرات خلال اليوم.
وأشار إلى أن جزءًا من دخل السائق قد يضيع يوميًا بسبب عدم توفر الفئات الصغيرة، في وقت ترتفع فيه أصلًا تكاليف تشغيل الحافلة.
وبذلك، تحولت فروق تبدو صغيرة في المعاملة الواحدة إلى عبء متراكم على أصحاب الأعمال والمستهلكين.
وكانت عنب بلدي رصدت أيضًا اضطرار بعض التجار إلى تقريب الفواتير إلى أرقام أعلى بسبب نقص الفئات الصغيرة، ما يحمّل المستهلك تكلفة إضافية عند تكرار عمليات الشراء.
تحولت “الفراطة” في بعض الحالات إلى علكة وشوكولا أو سلع منخفضة الثمن بدلًا من النقود، نظرًا إلى غياب الفئات الصغيرة.
عبد الله العمو
سائق نقل داخلي في الرقة
أكثر من مجرد تغيير في الفئات
في الحسكة، أخذت المشكلة شكلًا أكثر تعقيدًا بسبب نقص العملة الجديدة ومحدودية قنوات الاستبدال، وهو ما انعكس على السوق وعلى أسعار الصرف.قال عبد الله سليمان، موظف متقاعد من الحسكة، إن رواتب التقاعد التي يتلقاها عبر تطبيق “شام كاش” جعلت نقص العملة الجديدة في المحافظة أكثر وضوحًا بالنسبة إليه، إذ لم تكن المشكلة في تسلم الراتب بحد ذاته، وإنما في القدرة على تحويله إلى نقد جديد والتعامل به في السوق.
وأضاف عبد الله أن عملية الاستبدال نفسها واجهت صعوبات بسبب الازدحام ومحدودية المراكز، الأمر الذي دفع مواطنين إلى الانتظار لفترات طويلة، بينما زادت مخاوف آخرين من عدم تمكنهم من استبدال أموالهم في الوقت المحدد.
ولم تكن الحسكة وحدها في مواجهة هذه الصعوبات، فقد رصدت عنب بلدي استمرار الطوابير في المحافظات الشرقية، حتى بعد تمديد المهلة، مع شكاوى من محدودية المراكز ونقص العملة الجديدة وظهور أسعار صرف مختلفة بين الإصدارين.
الدولار يدخل على خط التعاملات
في القامشلي، انعكست ندرة العملة الجديدة أيضًا على سوق العقارات، إذ قال حمو إبراهيم، صاحب مكتب عقاري في المدينة، إن قلة وجود العملة الجديدة تجعل الأهالي يعتمدون بصورة أساسية على الدولار في عمليات البيع والاستئجار، مشيرًا إلى أن استخدام الدولار في العقود ليس جديدًا، بل ازداد منذ سنوات مع تذبذب سعر صرف الليرة.لكن الانتقال إلى العملة الجديدة أضاف طبقة أخرى من الارتباك، إذ يطلب بعض الزبائن كتابة قيمة العقد بالعملة القديمة حتى عندما يكون الدفع بالعملة الجديدة.
ويرى حمو أن السبب يعود جزئيًا إلى شعور نفسي بأن الرقم أصبح أصغر بعد حذف الصفرين، رغم أن قيمة المبلغ لم تتغير فعليًا، بينما يفضل آخرون الدفع بالعملة الجديدة رغم محدودية توفرها.
كبار السن أمام اختبار الأرقام الجديدة
أما كبار السن فواجه بعضهم صعوبة أكبر في الانتقال من الأرقام التي اعتادوها لعقود.في مركدة، الواقعة في الريف الواصل بين الحسكة ودير الزور، قال حمد العلي، البالغ من العمر 70 عامًا، إنه كان يخطئ كثيرًا في الحساب مع بداية انتشار العملة الجديدة، ولذلك فضّل لاحقًا تجنب التعامل بها قدر الإمكان.
ويعتمد حمد على حفيده سليمان في المعاملات التي تتطلب حساب الأسعار وتحويلها بين العملتين، وقال: “حتى اللحظة لم أستوعب الفروق وتغير الأرقام، ولا يمكنني أن أحسب الأسعار بصورة جيدة”.
أما حفيده سليمان فيرى أن المشكلة لا تقتصر على كبار السن، موضحًا أن الشباب أنفسهم يواجهون صعوبات أحيانًا، خصوصًا مع استمرار وجود العملة القديمة إلى جانب الجديدة والدولار في الأسواق.
وقال إن غياب الفئات الصغيرة يزيد المشكلة، إذ قد يضطر البائع أو المشتري إلى استخدام جزء من المبلغ بالعملة القديمة لتسوية الحساب، معتبرًا أن هذا التداخل “مرهق لنا، فكيف بكبار السن؟”.
وفي دير الزور، تنظر جود حويج، ربة منزل، إلى العملية من زاوية مختلفة، إذ لا ترى مشكلة أساسية في حذف الصفرين، لكنها لا تعتقد أن ذلك انعكس على قدرة الأسرة على إدارة مصروفها، وقالت إن أسعار المواد لا تزال مرتفعة، وغياب السعر المستقر يجعل تنظيم ميزانية المنزل أمرًا معقدًا.
المرحلة الانتقالية قد تفرض أعباء إضافية على بعض الفئات، خصوصًا مع صعوبة التعامل مع الفئات الجديدة أو نقص الفئات الصغيرة، فضلًا عن احتمال استغلال عدم معرفة المواطنين بأسعار التحويل لرفع أسعار بعض السلع والخدمات.
مازن عبد الله
خبير اقتصادي
وفي حين ينشغل المركزي في تبديل جلود الأوراق النقدية، يدرك الشارع السوري بمرارة أن أزمته ليست في شكل العملة، بل في قيمتها، وبينما هو محاصر بين الأرقام الجديدة وتصاعد الأسعار، لم يعد يكترث برسم الورقة، بل بقدرتها على شراء ربطة خبز، وهو ما يعول فيه على الحكومة لإنعاش الاقتصاد السوري، وتخفيض معدلات التضخم، وتحسين القوة الشرائية لليرة السورية الجديدة.
------------
عنب بلدي


الصفحات
سياسة













