لطفي بن جدو وزير الداخلية التونسية
أيها الوزير بن جدو إن ظهورك الاعلامي في كل مناسبة يذكرني بوقوف
"بروتس" وهو يخطب في شعب روما الهائج الغاضب من مقتل ملكه "يوليوس قيصر" على يده.
فقد اعتلى بروتس المربى الحكيم المنبر، واستأذن الجماهير الغاضبة في كلمة يدافع بها عن نفسه تهمة "القتل"، وارتجل "قاتل القيصر" خطبته التي ما أنهاها حتى صار الشعب اللاهج بلعنه مسبّحًا بحمده معلنا إيَّاه ملكا وقيصرا جديدا.
لكن أنطونيو صديق القيصر والطامع في الحكم لم يعجبه ما ذهبت اليه جماهير روما، فتلا خطاب تأبين أجج فيه المشاعر حتى شتت شعب روما وجعله تائها حائرا بين الخطابين ، منطقية بروتس وعاطفية أنطونيو.
ومن المحتمل أن شكسبير نفسه وهو يكتب هذا المشهد الروائي لم يكن يفكر في أنه يحتمل ذلك الذي حُمّل به، وربما لم يخطر على باله ايضا أن صراعات روما في الأمس السحيق قد يخرجها المسرحي الفذ المنصف السويسي عن تونس اليوم.
بهذا الفصل الشكسبيري أظنك أدركت قصدي تجاهك وتجاه غيرك من المسؤولين السياسيين في تونس، ولكن ما يهمني في هذا المقام هو حكمة القاضي وزير الداخلية.
لنقف أمام آخر ظهور لك قبل أيام قليلة واعترافك "أنك لست على علم" بتلك "الوثيقة" المسربة.
أيها الوزير لم لا نعود الى الوراء قليلا ونتذكر مادامت الذاكرة العامة قصيرة، ولا أدري لماذا تصرّ الذاكرة التونسية اللعينة على السير الى الأمام وترفض ربط أحداث الأمس باليوم .
هل تذكر كيف تصرف الشهيد شكري بلعيد حين شعر بخطر الاغتيال ، لقد اتصل بعميد المحامين آنذاك شوقي الطبيب وأمده بتقرير كتابي ذكر له فيه أنه محل متابعة ومراقبة من قبل أشخاص مجهولين.
العميد شوقي الطبيب توجه بمراسلة كتابية رسمية الى وزير الداخلية آنذاك علي العريض، وأعلمه فيها أن الناشط السياسي شكري بلعيد محل متابعة وملاحقة من قبل أشخاص مجهولين كما انه تلقى عدة تهديدات بالقتل حتى تتخذ الوزارة الإجراءات القانونية العادية لحماية مواطنيها.
وقد صرح وزير الداخلية في ذلك الوقت أنه راجع منظوريه، أي المدير العام للأمن الوطني والمدير العام للأمن العمومي، اللذين أعلماه أن ما صرح به شكري بلعيد لا أساس له من الصحة ليقع اغتياله بعد أسبوع ...
هنا أسأل القاضي القابع تحت عباءة الوزير، ألا ترى أن السيناريو نفسه تم مع الشهيد محمد البراهمي؟ ولكن هذه المرة لم يتفطن المرحوم للمراقبة والمتابعة، إنما وكالة الأمن القومي الأميريكي CIA وهي أكبر وكالة مخابرات بالعالم حذرت الحكومة التونسية من إمكانية اغتيال الحاج محمد البراهمي من قبل "سلفيين".
أقول للوزير إن مثل هذه المعلومة الخطيرة والسرية تعتبر ذات أهمية ومصداقية كبرى وكان من المفروض أن تعطى الأهمية القصوى التي تستحق، ولكن وزارتك لم تفعل وهذه سابقة خطيرة جداً كانت نتيجتها إزهاق روح بشرية بريئة كان من الممكن إنقاذها في الوقت المناسب.
بالنسبة للمعلومة الثقيلة التي وصلت المدير العام للمصالح المختصة من قبل أكبر وكالة استخباراتية بالعالم، أظن أن أول إجراء يتم حسب العارفين ، هو إعلام القيادة السياسية المتمثلة أولا في وزير الداخلية ثم الوزير الأول فثم رئيس الجمهورية، وهذا إجراء اعلامي ضروري وعادي في تاريخ وزارة الداخلية.
أما الإجراء الفني التقني الضروري الذي وجب القيام به، هو عقد جلسة عمل يشرف عليها المدير العام للأمن الوطني، يحضرها بالأساس المدير العام للمصالح المختصة والمدير العام للمصالح الفنية والمدير العام للأمن العمومي ، أيضا مدير عام وحدات التدخل وآمر الحرس الوطني. وكل مسؤول سام من هؤلاء له دور فعال ومرتبط بالأساس مع المسؤول الآخر، حيث يتم العمل ضمن خلية يشرف عليها المدير العام للأمن الوطني.
فالمصالح الفنية يتمثل عملها بالأساس، طبعا بعد مراجعة النيابة العمومية وضع محمد البراهمي وعائلته المصغرة وأصدقائه وجيرانه تحت المراقبة الهاتفية لمعرفة كل من يحاول معرفة سير حياته اليومية
كما يتم مراقبة الانترنت المستخدمة من قبل العناصر السلفية القاطنة قرب منزله.
أما دور المصالح المختصة - ودائما حسب أهل الذكر وتمشيا مع ما هو نظامي ومعمول به، حتى لا تتهمني أيها الوزير بالتدخل في عملكم أو فهمه أكثر منكم -.
دور المصالح المختصة وعن طريق الإدارات التابعة لها سيما إدارة الاستعلامات وإدارة الارهاب هو معرفة كل الخطط والمعلومات والبرامج المتعلقة من بعيد أو قريب تتعلق بالنائب بالمجلس التأسيسي محمد البراهمي.
وكان على الأمن الخارجي مواصلة المتابعة ومحاولة معرفة المزيد من التفاصيل من الطرف المقابل أي الجهة الأجنبية التي تبرعت بالمعلومة. ومع كل اتصال بالطرف الأجنبي صاحب المعلومة يتم رفع تقرير إعلامي للإدارة العامة للاستعلامات لإشعاراها بكل المستجدات. مدير عام الأمن العمومي "وما أدراك ما الأمن العمومي" فدوره التنسيق مع الادارة العامة لوحدات التدخل، لتأمين الحماية القريبة والبعيدة للنائب محمد البراهمي وعائلته، بمعنى توفير حماية قارة ومتنقلة معه ومع كل أفراد عائلته.
بالنسبة لآمر الحرس الوطني فدور إدارة الأبحاث والتفتيش العائدة له بالنظر دورها كدور ادارة الاستعلامات وإدارة مكافحة الإرهاب أي توفير المعلومة.
هذا مع ضرورة إعلام الشخص المعني بأن حياته معرضة للخطر حتى يتخذ اجراءاته ويحمي نفسه باجتناب التواجد في الأماكن العامة. كل هذه الإجراءات الفنية والعلمية لم تتم نهائيا وصرحت أيها الوزير أن لا علم لك ، وقال الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية : "إن معلومة جهاز CIA من ضمن آلاف المعلومات التي تصل الى الجهاز"، والمدير العام للأمن العمومي يقول : "لست على علم بالأمر".
مكمن الخطر بل الكارثة في مثل هذه الحالة هو أن الصحفيين الذين سألوا والأمننين الذين ردوا لم يتطرقوا الى أصل الداء، وهو كيف تمت معالجة هذه القضية فنيا وعلميا وذلك باتباع جملة الإجراءات التي ذكرنا، وفي هذا محاولة خطيرة جداً لتعويم قضية الشهيد البراهمي كما تم تعويم قضية الشهيد شكري بلعيد.
الجلي للعيان والواضح هو الارتباط الكبير والوثيق بين قضيتي بلعيد و البراهمي ، وإذا سلمنا بحسن نية الحكومة وعدم تورطها في اغتيال الشهيدين وهذا بيد القضاء "المستقل" أيها القاضي ، فإن هناك خطر كبير وداهم على تونس وهو عدم كفاءة الكوادر الأمنية المتواجدة حاليا بوزارة الداخلية بل إن عدم قدرتها يرتقي الى حد الفضيحة وكانت نتيجته موت قياديين ثوريين فضلا عن تجارة السلاح وذبح الجنود في الشعانبي وتلك قضية القضايا وسؤال الأسئلة.
أيها الوزير وأنت القاضي المشهود لك بالنزاهة، لا أظن أن مثل هذه الحقائق قد تغيب عنك والمرجح أن المحيطين بك من القادة الأمنيين ممن وقعت تسميتهم من قبل سلفك وزير الحكومة الحالي ، إما أنهم محدودي "الحرفية المهنية" كما قلنا، وتلك حدود الله وفاقد الشيء لا يعطيه وبالتالي فإن مجمل تحرياتهم وأبحاثهم التي أمدوكم بها كانت منقوصة، أو أنهم وهو الأغلب على الظن قد تكتموا على حقائق كثيرة بتعليمات فوقية من خارج وزارة الداخلية وقد رأينا كيف ان بعض الصحفيين الاستقصائيين كشفوا حقائق تهم قضيتي بلعيد والبراهمي وتركوا وزارة الداخلية في تسلل التصريح والتصريح المضاد .
ليصح عليها قول الشاعر حين بدأ وهن الدولة العباسية وتسلل الفرس الى مخادع الخلفاء لما انفجر غضبا صادحا : "خليفة في قفص بين وصيف وبغى/ يقول ما قالا له مرددا كالببغاء".
لدي رجاء أخير أيها الوزير وزير الداخلية، وهو ألا تسمحوا بمقارنة قضية الشهيد شكري بلعيد بكيندي والحريري وكارلوس فهذه المقارنة مضحكة وغير جائزة لأن تونس بلد صغير تسيل المعلومة فيه من الفم الى الأذن سيما مع التطور التكنولوجي، فهي قضية بسيطة وعادية اذا ما قورنت بقضايا أخرى متشعبة مرت على الأجهزة الأمنية ، لأن شكري بلعيد لم يكن كارلوس أو الحريري أو كيندي ولم ينخرط بعد في السياسية الدولية ومتاهاتها ولكنه يبقى معارضا شرسا وزعيما سياسيا تونسيا حرث أرض بلاده وعلم ما في باطنها وما تنبته من زرع وكفى ...


الصفحات
سياسة








