تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
عيون المقالات

كي لا نكون شعباً من جُنود

28/02/2026 - مضر رياض الدبس

«شؤون الشباب» في معرض الكتاب

28/02/2026 - حسام جزماتي

لمن تُبنى الدولة السورية؟

10/02/2026 - جمال حمّور


كي لا نكون شعباً من جُنود




كان تدميرُ فكرة التنسيقية لصالح فكرة الفصيل، سببًا في تدمير مفهوم السياسة، والإعلاء من قيمة العصبية. وذلك لأن العصبية تحتاج دائمًا إلى عدو، فتتناغم مع فكرة "الفصيل" وتتناقض مع فكرة التنسيق. وأدَّى ذلك بالمجمل إلى الإعلاء من قيمة البندقية أكثر من قيمة الكلمة، ثم انتصرت البندقية على النظام وكان هذا رائعًا، ولكنَّها انتصرت أيضًا على فكرة الكلمة بوصفها فعلًا سياسيًا، وكان هذا كارثيًا، لأنَّ من شأنه أن يعود بنا إلى ما لا نريد.


 

الآن، لا ينبغي للتاريخ أن يكرر نفسه؛ فالولاء للسلطة الحالية، أو معارضتها على حدٍ سواء، لا يكون باللجوء إلى ثنائية العصبية والبندقية؛ بل بالركون إلى النَفس الطويل، وبناء الشبكات المدينية: أي تلك الثقة الأخلاقية التي لا تتحوَّل إلى أيديولوجيا، ومنهج الترابط الذي لا يقوم على التذويب والصهر، بل على التجسير والنقد والحرية؛ فهذا تمرينٌ مهمٌ للأهلية للسياسة ولفكرة المواطنة، ومن ثم لفكرة الجديد. ولأجل شيء من التوكيد نقول إن هذا ينطبق على الأمرين معًا: على معارضة السلطة، وعلى موالاتها؛ فكلا الفعلين ينبغي أن يكون سياسيًا، وإن لم يكن سياسيًا، فلا يكون فصائليًا وهذا أضعف الإيمان؛ ففي ذلك حمايةٌ للرأي الموالي من لوثة التطبيل، واحترامٌ للموالي برفعه فوق مرتبة التابع الذي لا يفعل شيئًا إلا التصفيق والتبرير كما كان يفعل البعثيون. وفيه أيضًا حمايةٌ للرأي المعارض من لوثة التطبيل المعاكس، واحترامٌ للمعارض برفعه فوق مرتبة الإمعة الذي لا يفعل شيئًا إلا شد النعرة الأقلوية لمواجهة السلطة التي شدّت النعرة الأكثرية. ولا يجد المطبلون حرجًا في التحالف مع المتطرفين لتقوية النعرة، كما لا يجد المطبلون المعاكسون حرجًا من التحالف مع شبيحة النظام البائد والعدو الإسرائيلي لتقوية النعرة المُعاكسة. وإنَّ في ذلك عيبًا جسيمًا، وتغييبًا كارثيًا للعقل والضمير من قبل الطرفين.

ثمة درسٌ كبيرٌ من سنين الثورة الماضية، مفاده أنَّ الوحدة، كما قال فيرجيل منذ أكثر من ألفي عام، لا تكون إلا بالكثرة. ولكي تكون الوحدة بالكثرة ينبغي أن يتحد البشر بعضهم مع بعض، من دون أن يؤدي ذلك إلى ذوبانهم في الجماعة الواحدة كما تفعل الروابط العصبية والأيديولوجية، بل من طريق التجسير، ومراكمة رأس مالٍ اجتماعي. من دون هذا النوع من الوحدة لا يمكن الحديث لا عن سياسة، ولا عن مجتمع سياسي؛ وفي غياب المجتمع السياسي تصير الفيدرالية غطاءً للبلقنة، ووحدة سورية غطاءً للتغلُّب، وهذا هو الرائج.

الكارثة اليوم أن معظم "المدينيين" يفكِّرون فصائليًا، وأن الفصائلية قد امتدت خارج حدود العسكرة، فصارت منهجَ حياةٍ يُعتقَدُ وهمًا أنها حياةٌ سياسية؛ فالتقوقع على العصبيات، لمحاربة عصبيات أخرى ليست إلا فكرة فصائلية ترسخت بقوة طوال أربعة عشر عامًا من غياب السياسة، وأكثر من نصف قرنٍ من صناعة قلوبٍ من كاوتشوك

الكارثة اليوم أن معظم "المدينيين" يفكِّرون فصائليًا، وأن الفصائلية قد امتدت خارج حدود العسكرة، فصارت منهجَ حياةٍ يُعتقَدُ وهمًا أنها حياةٌ سياسية؛ فالتقوقع على العصبيات، لمحاربة عصبيات أخرى ليست إلا فكرة فصائلية ترسخت بقوة طوال أربعة عشر عامًا من غياب السياسة، وأكثر من نصف قرنٍ من صناعة قلوبٍ من كاوتشوك. يستند هذا الوصف إلى مؤشرٍ مهم، وهو الثقة، أو لنقل الإجابة عن سؤال: بمن نثق؟ والحال أن غالبية السوريين لا يمتلكون إجابةً عن هذا السؤال إلا بالقول إننا نثق بأقاربنا، وأبناء قبيلتنا، أو ديننا، أو طائفتنا، أو إثنيتنا، وهذا، في العمق، هو المؤشر الذي يجعلنا نقول إننا نسكن سورية فصائليًا، وليس سياسيًا، وأن الفصيل قد اكتسح العقول، فلم يعد من الضروري أن يجيد المرء استخدام السلاح ليفكِّر فصائليًا. في هذا السياق مثلًا سوَّغ بعضُ الناس تعيين الأقرباء في مناصب، بأن هذا له علاقة بالحاجة إلى أشخاص موثوقين في المرحلة الانتقالية، وكأن الثقة لا تكون إلا بالأقرباء، وأبناء العصبية، وكأن هذا أمرٌ مسلمٌ به!

على أي حال، يبقى الأخطر أن كثيرًا من السوريين باتوا يسكنون ذواتهم فصائليًا أيضًا؛ فلم يعودوا قادرين على العيش من دون عدو، لأن الفصيل من دون عدو يفقد معنى وجوده، وبفقدان معنى وجوده يفقد أعضاؤه امتيازاتهم، وحيثياتهم الاجتماعية، ومكتسباتهم المادية، وتحديدًا ذلك النوع من البشر الذي لم يستثمر بشيءٍ إلا بالبندقية: باستخدامها، أو الرهان عليها، أو الإعلاء من شأنها إلى ما فوق العقل والسياسية، وصولًا إلى ازدراء الفكر والتفكير والذين يفكِّرون، وتسيُّد المقاتلين بغض النظر عن مؤهلاتهم، وخلفياتهم الأخلاقية، وسجلاتهم الجنائية. وإنْ بَهَتَ مفعولُ البندقية، فَقدَ هذا النوع من البشر رأس مالهم المعنوي كلِّه، وهذا ما لا يتحمَّلوه، وليس لديهم عنه أي بديل؛ فمعظم هؤلاء بنوا رأس مالهم مصادفةً وعَرضًا، من دماء أبنائنا، وهذه هي الحقيقة القاسية: إن الذين بنوا راس مالهم المادي والمعنوي من عذاباتنا، يستمرون في مراكمته بزيادة عذاباتنا، نحن جماعة السوريين العادين، الذين قلنا يومًا "الشعب السوري ما بينذل"، و"واحد واحد الشعب السوري واحد"، والذين كنَّا أفرادًا في تنسيقياتٍ، في يومٍ مضى..

كيف نفكِّر في السياسة في مجتمعٍ صار جلُّ أفراده جنودًا في حالة النفير؟ شخصيًا تنتابني نوبة ضحكٍ ممزوجة بنحيبٍ داخلي عندما أسمع في الإعلام مطبلين، ومطبلات، موالين ومعارضين، مقتنعين أنهم "يتكلمون في السياسة"، وكأن السياسة تطبيلٌ وتطبيلٌ معاكس! لعمري، إننا نعيش في الظلام، نعيش المُطلق الذي قال هيغل أنَّه كالليل الذي تبدو فيه كلُّ البقرات سوداء؛ فتذوب الفروق داخل وحدة التجانس التي أسس لها النظام البائد، ونفقد وحدة الكثرة التي أسست لها التنسيقيات وفكرة الثورة الأولى؛ فالوحدة الحقيقية لا تلغي الاختلاف، بل تتكوَّن منه. وعندما نسمعُ كلمة "مكونات"، متبوعةً بتوصيفات تطلق بثقة مثل، "المُكوٍّن الكردي"، و "المُكوِّن الدرزي"، والمُكوِّن العلوي"، و "المُكوِّن السني" وإلى ما هنالك؛ فمن الطبيعي أن يشعر الناجون مِنَّا أننا شعبٌ يتكوَّن من جنودٍ وليس من مواطنين، وأن كلَّ تسميةٍ لهذه "المكونات" ليست في الواقع أكثر من تسميةٍ عصبيةٍ لفصيلٍ.

يخشى كاتب هذه السطور أننا ما نزال شعب الإعداد العقائدي والتربية العسكرية، التي كانت في المدارس، والمؤسسات الحكومية، وفي المحاكم، وفي السجون، وفي دور العبادة، وفي الطرقات، وفي كلِّ الأماكن. ولا شك أننا قد تحررنا من مضمون تلك المرحلة، ولكن لم نتحرر من منهج التفكير الذي اكتسبناه تلقينًا بالعصا طوال نصف قرنٍ مضى. والجندي، وإن كان نبيلًا، فإنّه لن يعرف الحقيقة في حياته العسكرية والفصائلية، لأنَّه يرى الحقيقة وحدةً مبهمة بلا تمايز، وتفريقٌ مطلق تمثِّله ثنائية العدو والصديق، أمّا حفظ الاختلاف داخل وحدة عقلانية دينامية؛ فهذا مفهومٌ مدني لا يتقنه الجنود، ونحن، يا للأسف، صرنا شعبًا من جنود. ولذلك ثمة خشيةٌ أكبر، وهي أننا، مع هذه الحالة، لن نعود قادرين على فهم الله عزَّ وجل إلا بوصفه "ربّ الجنود"؛ وهذا الفهم، إضافةً إلى أنّ كارثيته مجربةٌ في التاريخ الإنساني؛ فإنّه يحرمنا من فهم الله بوصفه "ربّ العالمين".
-----------
تلفزيون سوريا 

 


مضر رياض الدبس
السبت 28 فبراير 2026