ويكشف هذا التناقض أن المخاوف الإسرائيلية لا تستند فقط إلى معطيات ميدانية، بل تبنى أيضاً على تصورات أيديولوجية تستخدم لإضفاء الشرعية على استمرار الاعتداءات والتدخلات الإسرائيلية في سوريا وفرض وقائع جديدة على الأرض.
تشير العديد من الدراسات إلى أن الخطاب الإسرائيلي لا يفصل بين السياسة والدين عند التعامل مع محيطه العربي، إذ يجري دائماً استحضار الذاكرة الدينية والتاريخية اليهودية بصورة مستمرة لتفسير الصراعات المعاصرة وصياغة السياسات المستقبلية في التعامل المحيط.
فبدلاً من الاكتفاء بالاعتبارات الأمنية التقليدية، يجري توظيف الرموز الدينية والموروث التوراتي في تقديم الصراع باعتباره امتداداً لمعركة تاريخية تتجاوز حدود السياسة والجغرافيا، وهو ما يمنح الخطاب الرسمي الإسرائيلي قدرة أكبر على حشد الرأي العام وتبرير السياسات العسكرية.
وقد ظهر هذا التوجه بوضوح خلال الحرب على غزة، حيث استُحضرت نصوص ورموز دينية من التراث اليهودي في الخطاب السياسي والعسكري، في محاولة لتأطير الحرب ضمن سياق ديني وتاريخي، لا باعتبارها مواجهة سياسية مرتبطة بظروف محددة. حيث اعتمد القادة الإسرائيليون في الكثير من خطاباتهم على استحضار “نبوءة أشعيا” و”البقرة الحمراء” واستخدام الذاكرة الدينية اليهودية والبروتستانتية بقيادة اليمين المتطرف الذي يتزعمه بنيامين نتنياهو.
ففي رسالة وجهها الأخير إلى الجنود الإسرائيليين الذين يقاتلون في غزة، اعتمد على التعبئة الدينية واستعان بالعديد من الاقتباسات الموجودة في التوراة لتحريض الجنود على القتال ضد القطاع، حيث كتب مخاطباً الجنود: “اذكر ما فعله بك عماليق”. وهذه فقرة من سفر التثنية، ويمثل العماليق ذروة الشر في التقاليد اليهودية، ويستخدم هذا التعبير للإشارة إلى الشعوب التي تهدد الوجود اليهودي. يعكس هذا النمط من الخطاب انتقال الصراع من مستوى المصالح والأمن إلى مستوى الهوية والعقيدة، الأمر الذي يسهم في تصوير الخصم بوصفه تهديداً وجودياً لا يمكن التعايش معه أو الوثوق به.
ورغم أن عملية صنع القرار في إسرائيل تخضع لتأثيرات متعددة تشمل المؤسسة العسكرية والأمنية، والأحزاب السياسية، ومراكز الدراسات، والتحالفات الداخلية، فإن العلاقة مع العالم العربي والإسلامي غالباً ما تكون محكومة بمنظور أيديولوجي يستحضر التاريخ والذاكرة الدينية في تفسير الأحداث وصناعة السياسات. ويؤدي هذا المنظور دوراً محورياً في إعادة إنتاج صورة نمطية عن الحركات الإسلامية، تقوم على افتراض أنها تمثل تهديداً دائماً بغض النظر عن مواقفها السياسية المعلنة أو سلوكها الفعلي.
وفي الحالة السورية، يتجلى هذا الأمر بصورة أوضح، فبرغم انتهاء الوجود العسكري الإيراني في سوريا، وتوقف خطوط إمداد السلاح إلى حزب الله، وإعلان الحكومة السورية الجديدة أنها لا ترغب في الدخول بأي مواجهة مع إسرائيل، استمر الخطاب الإسرائيلي في تصوير السلطة الجديدة باعتبارها خطراً مستقبلياً بسبب خلفيتها الإسلامية. ويعكس ذلك انتقال مركز التهديد، في الرواية الإسرائيلية، من التهديد العسكري المباشر إلى الهوية الأيديولوجية للنظام الجديد، بما يعني أن مصدر القلق لم يعد مرتبطاً بالأفعال، بل بالانتماء الفكري المفترض.
ويعزز هذا الاستنتاج اختيار إسرائيل أسماء ذات دلالات توراتية لعملياتها العسكرية في سوريا، إذ أطلقت على حملتها العسكرية الواسعة عقب سقوط النظام السوري اسم “سهم الباشان”، وهي تسمية توراتية ارتبطت تاريخياً بجغرافية تمتد في أجزاء من جنوب سوريا وهضبة الجولان. ولا يبدو اختيار هذه التسمية أمراً عسكرياً عابراً، بل يعكس توظيفاً واعياً للرمزية الدينية والتاريخية في الخطاب الإسرائيلي، بما يربط العمليات العسكرية الحالية بسردية توراتية تمنحها بعداً رمزياً يتجاوز الاعتبارات الأمنية.
فاستدعاء أسماء ومفاهيم توراتية في تسمية الحملات العسكرية يسهم في ترسيخ تصور داخل المجتمع الإسرائيلي بأن التحرك العسكري ليس مجرد استجابة لتهديدات آنية، وإنما امتداد لحق تاريخي أو ديني مزعوم، الأمر الذي يضفي على الاعتداءات العسكرية وفرض السيطرة على أجزاء من الأراضي السورية نوعاً من الشرعية الدينية في الوعي الداخلي الإسرائيلي.
ومن ثم، يصبح الخطاب الديني جزءاً من أدوات صناعة السياسة، ليس فقط في تعبئة الرأي العام، بل أيضاً في إعادة صياغة الصراع بوصفه امتداداً لرواية دينية وتاريخية، بما يسهم في تبرير استمرار الاحتلال والتوسع تحت غطاء أيديولوجي يتجاوز منطق الأمن التقليدي.
من خلال هذا الخطاب، يصبح البعد الديني أداة سياسية تمنح إسرائيل مبرراً للاستمرار في سياسات الاعتداءات الاستباقية، والاحتفاظ بالمناطق التي احتلتها وتبرير التدخل في الشؤون الداخلية السورية، وتوسيع مفهوم “الأمن القومي” ليشمل مواجهة تهديدات محتملة لم تتبلور بعد، كما يسمح هذا الخطاب بتقديم أي إجراءات عسكرية أو توسع ميداني باعتبارها خطوات دفاعية ضرورية، حتى وإن جاءت في ظل غياب تهديد مباشر.
وفي المحصلة، يبدو أن التخوف الإسرائيلي من سوريا الجديدة يتجاوز حدود الحسابات الأمنية، ويتغذى على تصورات أيديولوجية تستحضر الدين والذاكرة التاريخية لتفسير المستقبل على أساس الهوية لا السلوك.
ويؤدي هذا الخطاب وظيفة سياسية مزدوجة فمن جهة، يسهم في تعبئة الداخل الإسرائيلي عبر استدعاء الرموز الدينية والتاريخية، ومن جهة أخرى، يوفر غطاءً سياسياً وأخلاقياً لاستمرار الاعتداءات واحتلال أجزاء من الأراضي السورية، عبر تصوير هذه الإجراءات على أنها دفاع استباقي عن الأمن، رغم غياب أدلة ملموسة على وجود تهديد عسكري مباشر صادر عن الدولة السورية الجديدة.
--------
الثورة


الصفحات
سياسة








