تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

‏لا تسخروا مما سأقول.

01/03/2026 - د. فوزي البدوي

( ماذا تريد واشنطن من دمشق؟ ) ل

01/03/2026 - لميس أندوني

كي لا نكون شعباً من جُنود

28/02/2026 - مضر رياض الدبس

«شؤون الشباب» في معرض الكتاب

28/02/2026 - حسام جزماتي

لمن تُبنى الدولة السورية؟

10/02/2026 - جمال حمّور


لماذا يجب على سوريا تقديم شكوى لاستخدام أجوائها في حرب إيران؟




تعاني سوريا، على الرغم من أنَّها دولة غير طرف في المواجهة المسلحة التي اندلعت في 28 شباط/فبراير وما تزال مستمرة بين التحالف الأمريكي-الإسرائيلي وإيران، من سقوط أعداد من القتلى والجرحى في صفوف المدنيين، وتكرار انتهاكات السيادة، فضلًا عن اضطرابات اقتصادية حادة، كنتيجة مباشرة لاستخدام أراضيها ومجالها الجوي مسرحًا للعمليات العسكرية التي نفذتها الأطراف المتحاربة.


 
  
ويرتكز قانون الحياد، الذي جرى تقنينه أساسًا في اتفاقية لاهاي الخامسة لعام 1907، على معادلة واضحة: تمتنع الدول المحايدة عن التدخل في النزاع، وفي المقابل تلتزم الأطراف المتحاربة باحترام حرمة أراضيها وعدم استخدامها لأغراض عسكرية.

غير أنَّ التطورات التي شهدتها الساحة السورية منذ حرب حزيران/ يونيو 2025، وتصاعدت حدتها عقب أحداث شباط/ فبراير 2026، تمثل تقويضًا لهذه الحمايات. فقد حوّلت إسرائيل، من جانب واحد، المجال الجوي السوري إلى مساحة اعتراض نشطة، واشتبكت مع الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية دون موافقة سورية.

ومن جهتها، أطلقت إيران قذائف عبرت المجال الجوي السوري في طريقها إلى أهداف داخل إسرائيل، ما أدى إلى تساقط حطامها فوق مناطق مدنية سواء عند اعتراض تلك القذائف أو تعطلها.

كلتا العمليتين غير مشروعتين قانوناً، وتؤديان عملياً إلى تحويل الأراضي السورية إلى ساحة قتال مفروضة. الفارق بينهما يكمن في الأسلوب العملياتي لا بالمآلات القانونية، إذ ينتهك كل طرف متحارب المادة 1 من اتفاقية لاهاي، كما ينتهك، في الوقت نفسه، المادة 1 من اتفاقية شيكاغو للطيران المدني الدولي لعام 1944، التي تُكرّس مبدأ السيادة الكاملة والحصرية للدولة على مجالها الجوي الوطني.

يصنف النزاع بين التحالف الأمريكي-الإسرائيلي وإيران بوصفه نزاعاً دولياً مسلحاً، ما يستوجب التطبيق الكامل لقواعد القانون الدولي الإنساني. وفي هذا السياق تبرز ثلاثة مبادئ رئيسة ذات صلة مباشرة بالضرر الذي لحق بسوريا: مبدأ التمييز، ومبدأ التناسب، وواجب اتخاذ الاحتياطات أثناء الهجوم.

وبحسب ما تم رصده، فقد تم اعتراض بعض الصواريخ فوق مناطق مأهولة، مما يعني أنَّ الشظايا المتساقطة قد تسبب أضراراً للمدنيين، وهو انتهاك واضح للمبادئ التي أشرت إليها. إنَّ اعتراض الصواريخ فوق الأراضي السورية، بدلًا من البحار المفتوحة أو الأراضي التابعة للأطراف المعنية مباشرة، ينقل عملياً خطر الأضرار الجانبية إلى مواطنين سوريين محايدين لا صلة لهم بالنزاع.

إنَّ هذا النقل للمخاطر يعدُّ قراراً عسكرياً له تبعات قانونية وفقاً للقانون الدولي الإنساني وقانون مسؤولية الدولة. وتؤكد المادة 57 من البروتوكول الإضافي الأول، إلى جانب قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي، التزام الأطراف باتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنب أو تقليل الأضرار العرضية بالمدنيين. وبالتالي، قد يشكل عدم تجنب تنفيذ عمليات قتالية فوق المراكز السكانية السورية إخلالًا بواجب الاحتياطات، وفقًا لظروف كل واقعة، ولما كان ممكناً من بدائل.

وبموجب مواد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً، بالإضافة إلى قواعد القانون الدولي العرفي، تبرز مسؤوليات دولية محتملة على الأطراف المتحاربة: إيران لإطلاقها صواريخ عبر الأراضي السورية وما ترتب على ذلك من سقوط شظايا تسببت في أضرار للمناطق المدنية السورية؛ وإسرائيل لاعتراضها صواريخ فوق الأراضي السورية وما اقترن بذلك من تدمير سابق لقدرات الدفاع الجوي السورية.

ومن هنا تبرز أهمية المسار الدبلوماسي، رغم ما يغفل غالباً من دوره القانوني. وفقًا للقانون الدولي العرفي، قد يُفسَّر صمت الدولة السورية إزاء انتهاكات سيادتها على أنَّه قبول ضمني أو تسامح قد يُستند إليه لاحقاً. ومن ثم تُعد الإدانة الرسمية للهجمات الإيرانية على سوريا، وما يرتبط بها من احتجاجات دبلوماسية، أدوات لازمة لصون الحق في المطالبة بالتعويض ومنع أي استنتاج بالموافقة الضمنية. غير أنَّ فعالية هذه الاحتجاجات تبقى رهينة توثيقها الرسمي لدى المنظمات الدولية ذات الصلة، واتسامها بالوضوح، والاتساق، والاستمرارية.

كما يجب ألا نغفل البعد الاقتصادي في ظل اقتصاد سوري هش؛ فالإغلاق المتكرر للمجال الجوي السوري يمثل ضرباً من الخنق الاقتصادي، إذ علّقت شركات طيران دولية رحلاتها، وجعلت تكاليف التأمين العمليات الإقليمية غير مجدية، وتراجعت قدرة الصادرات الحساسة للوقت على الوصول إلى الأسواق العالمية، كما تعرضت سلاسل إمداد الأدوية والمستلزمات الطبية لاضطرابات شديدة.

وفي النهاية، تمثل الاحتجاجات الدبلوماسية المستمرة لسوريا، وتوثيقها المنهجي للانتهاكات، وسعيها لإيجاد سبل انتصاف مؤسسية عبر محكمة العدل الدولية، ومنظمة الطيران المدني الدولي، المسار الأكثر جدوى، وإن لم يكن مثالياً، نحو المساءلة القانونية. كما ستشكل استجابة المجتمع الدولي لهذا الوضع سابقةً ليس لسوريا فحسب، بل لحماية الدول المحايدة في عصر تزايد فيه الصراع المسلح المعولم، حيث يُدافع عن السيادة كمبدأ عالمي أو يُتنازل عنها كأي إجراء شكلي يمكن الاستغناء عنه.
-----------
  جريدة الثورة السورية

فضل عبد الغني
الاربعاء 4 مارس 2026