«كان الجميع مصدومين بسبب فضيحة المذبحة، لكن لا أحد صدمه تكرارها. مع أن تكرار الفضائح هو الفضيحة الكبرى، لأن فضيحة التكرار تمحوها، وعلى نحوٍ رحيم، فضيحة النسيان.» — ميلان كونديرا
«ارتكب آيخمان أفعالًا يُكرَّم المرء على أدائها إذا انتصر، وتُنصب له المشانق إذا هُزم.» — محامي آيخمان كما نقلت حنّة آرندت
هنا تحديداً، يكتسب القبض على أمجد يوسف، منفذ مذبحة التضامن، معناه الأوسع من مجرد اعتقال مجرم حرب مختبئ. المسألة ليست في الرجل وحده، بل في السؤال الذي يجرّه خلفه كظلّ تاريخي ثقيل:
هل أصبح مجرماً لأنه قتل، أم لأنه خسر النظام الذي منح القتل شرعية الدولة؟
لو انتصر النظام السوري السابق، لربما بقي الرجل ضابطاً يؤدي «واجبه الوطني» في حماية الجمهورية من «الخونة». ولو انتصر النازيون، كما فهم دفاع آيخمان ببرودٍ يكاد يكون أكثر رعباً من الجريمة ذاتها، لتحولت الإبادة إلى ضرورة تاريخية، ولأصبح الجلاد جزءاً من سردية المجد القومي.
هذه ليست مفارقة قانونية عابرة، بل هي أحد أكثر دروس التاريخ البشري ظلمة: الأخلاق في السياسة كثيراً ما تُصاغ بأثر رجعي، وفقاً لنتيجة الحرب.
إريك هوفر لخّص هذا المصير حين كتب: «التاريخ هو الدعاية التي نجت من الماضي.»
فالتاريخ، كما يصلنا، ليس دائماً دفتر الحقيقة، بل كثيراً ما يكون دفتر القوة.
مذبحة التضامن: حين تتحول الدولة من سلطة إلى مؤسسة لإدارة الموت
لم تكن مذبحة التضامن مجرد انفجار وحشي لغرائز القتل، بل كانت مثالاً صارخاً على ما قصده ميشيل فوكو حين قال: «الدولة الحديثة لا تعاقب، بل تنظم الموت.»
في تلك الحفرة، لم يكن الرعب في الجريمة فقط، بل في نظامها؛ رجال مقيدون، إجراءات واضحة، حفرة جاهزة، رصاص منظم، وتصوير بارد. لم يكن الموت هنا فوضى، بل إدارة. لم يكن القتل خروجاً عن القانون، بل كان، ضمن منطق السلطة، شكلاً من أشكال تطبيقه.
وهنا يكمن الفرق بين الجريمة الفردية والمذبحة السياسية: الأولى قد تكون انحرافاً، أما الثانية فهي انعكاس بنيوي لطبيعة النظام نفسه.
حين يصبح القتل جزءاً من البيروقراطية، ويتحول الإنسان إلى ملف أمني، ويصبح التخلص منه إجراءً قابلاً للأرشفة، فإننا لا نكون أمام وحشية عابرة، بل أمام فلسفة حكم.
ستانلي ميلغرام كشف، عبر تجاربه الشهيرة، أن الإنسان العادي قد يتحول إلى أداة قتل حين يُوضع داخل سياق سلطوي يرفع عنه عبء المسؤولية الأخلاقية. وهذا ما يجعل أخطر الأنظمة ليست تلك التي تنتج قتلة استثنائيين، بل تلك التي تنتج قتلة عاديين.
العلويون بين النظام والطائفة: حين يُراد للهزيمة أن تتحول إلى هوية جماعية
لكن، إذا كانت المذبحة جريمة النظام، فإن الكارثة التالية تبدأ حين يُعاد توزيع الجريمة على جماعة كاملة.
هنا تقف سوريا عند أخطر مفترق أخلاقي في تاريخها الحديث:
هل يُحاسب الجلاد بوصفه فاعلاً داخل منظومة استبدادية؟
أم تتحول الطائفة العلوية، بوصفها الحلقة الأضعف بعد سقوط النظام، إلى حامل رمزي شامل لوزر المذبحة؟
إن اختزال الجرائم السورية في «العلويين» ليس عدالة، بل سقوط كارثي في المنطق ذاته الذي حكمت به السلطة لعقود: تحويل البشر إلى هويات صلبة، واختزال الأفراد في انتماءاتهم، واستبدال القانون بالسردية الجماعية.
صحيح أن النظام استند، تاريخياً، إلى بنى سلطوية كان للعلويين حضور وازن فيها، لكن هذا لا يعني أن الطائفة كلها كانت كتلة قاتلة، كما لا يعني أن السنة، أو غيرهم، كانوا خارج بنية النظام أو بريئين تلقائياً منها. فالاستبداد السوري لم يكن شركة طائفية مغلقة، بل شبكة معقدة من المصالح، والخوف، والانتهازية، والطاعة، شاركت فيها أطياف متعددة.
الخلط بين النظام والطائفة ليس فقط ظلماً أخلاقياً، بل انتحار سياسي. لأن معاقبة جماعة على أساس هويتها لا تهدم الاستبداد، بل تعيد إنتاجه بوجوه جديدة.
ألبير كامو قال: «سوء استخدام العدالة هو أسوأ أشكال الظلم.»
وهذا بالضبط ما يهدد سوريا اليوم: أن تتحول العدالة من محاسبة جنائية إلى ثأر اجتماعي.
من الاستبداد إلى الثأر: كيف ينتصر الطاغية بعد سقوطه؟
الطغيان لا ينتصر فقط حين ينجو، بل قد ينتصر أكثر حين ينجح، بعد سقوطه، في تسميم وعي ضحاياه.
حين يدفعهم إلى تبني منطقه نفسه: التعميم، الشيطنة، اختزال الناس في طوائف، واستبدال القانون بالانتقام.
وهنا يتحقق تحذير إدغار موران: «أكبر انتصار للمستبد ليس قتله للناس، بل قتله لذاكرتهم.»
فقتل الذاكرة لا يعني فقط محو الجرائم، بل إعادة توجيهها أيضاً. أن تتحول ذكرى المجزرة من درس ضد السلطة الشمولية إلى وقود لصراع أهلي جديد. أن يُنسى القاتل الحقيقي — أي بنية الاستبداد — لصالح البحث عن ضحية بديلة أسهل.
العلوي الفقير، المهمّش، أو الخائف، قد يصبح في هذه المعادلة مشروع متهم جاهز، لا لأنه قتل، بل لأنه ينتمي. وهنا، لا نكون قد غادرنا حفرة التضامن، بل نكون فقط قد وسّعناها.
الذاكرة ضد الطائفية: كيف نحمي الضحايا من التحول إلى أداة؟
جورج سانتايانا حذّر قائلاً: «من لا يتذكر الماضي محكومٌ عليه بتكراره.»
لكن ثمة إضافة ضرورية في الحالة السورية ومن يتذكر الماضي بطريقة طائفية، قد يعيد إنتاجه أيضاً. فالذاكرة ليست مقدسة تلقائياً؛ يمكنها أن تكون تحرراً، ويمكنها أن تكون سلاحاً.
حين تتحول المذبحة إلى دليل ضد جماعة كاملة، لا ضد البنية التي صنعتها، تصبح الذاكرة نفسها جزءاً من الكارثة.
إن حماية العلويين الأبرياء من العقاب الجماعي ليست دفاعاً عن النظام، بل دفاع عن فكرة العدالة ذاتها. لأن العدالة، إن لم تكن فردية في المسؤولية، تصبح شكلاً آخر من المجزرة.
العدالة بوصفها هدمًا لمنطق المذبحة لا مجرد معاقبة منفذيها
القبض على أمجد يوسف مهم، لكنه لا يكفي. إذ يمكن لأي مجتمع أن يشنق جلاداً، ثم يحتفظ بالآلة التي صنعته.
السؤال الأعمق هو: هل ستُبنى سوريا الجديدة على أساس أن الجريمة جريمة مهما كان مرتكبها، ومهما كانت طائفته، ومهما كانت نتيجة الحرب؟
أم أن العدالة ستبقى مجرد سردية يكتبها المنتصرون الجدد؟
إذا كان آيخمان قد كشف أن الهزيمة قد تصنع من موظف دولة مجرم حرب، فإن سوريا مطالبة اليوم بأن تذهب أبعد من ذلك: أن تثبت أن الجريمة كانت جريمة حتى لو انتصر مرتكبها.
هذا وحده ما يفصل العدالة عن الدعاية.
الخاتمة: من حفرة التضامن إلى سؤال الجمهورية القادمة
ليست القضية في سوريا اليوم أن يُدان أمجد يوسف فقط، بل أن يُدان العالم الذي جعل من أمجد يوسف ممكناً.
أن يُدان النظام الذي حوّل البشر إلى أدوات، لكن أيضاً أن يُدان أي وعي جديد قد يحاول تحويل جماعة كاملة إلى وريث جماعي للخطيئة.
السؤال الحقيقي ليس: من قتل في التضامن؟
بل: هل سنبني وطناً لا يُقتل فيه أحد باسم الطائفة، لا من السلطة، ولا من ضحاياها؟
لأن المذبحة لا تنتهي حين يُعتقل منفذها، بل حين يسقط منطقها.
وحينها فقط، لا يعود التاريخ دعاية نجت من الماضي، بل ذاكرة قاومت أن تتحول إلى حفرة جديدة.


الصفحات
سياسة









