تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

واقع النخب في سوريا اليوم

18/08/2026 - حسام جزماتي

نحن وحاييم والماضي المستمر

13/08/2026 - يوسف بزيا

داخل مكتب الرئيس 11

01/08/2026 - سامر حبيب

المتسابق الأخير

31/07/2026 - رضوان الأطرش


واقع النخب في سوريا اليوم






منذ زمن بعيد لم يعد أحد يعوّل جدياً على دور للمثقف، في سوريا والمنطقة، في قيادة الرأي العام أو صناعته أو التأثير الفاعل فيه. وعلى الرغم من ذلك فهو يتعرض لجرعات كبيرة من النقد والتوبيخ حين يقصّر في أداء دوره المفترض، غير المتفق عليه، أو يحرّف «الرسالة» التي تجب عليه حراستها، والتي تتباين أيضاً بين مرسِل وآخر. ففي العمق ما نزال في حالة دون الإيمان باستقلالية المثقف ووقوفه في زاوية محصّنة، ضميراً لا يأبه بأهواء الجماعة. بل إننا لم نتجاوز النظرة إلى المثقف بوصفه نسخة عصرية عن شاعر القبيلة، مهمته صياغة «عرض حالها» بأفصح السبل وأنجعها وأمضاها في النفوس.


 لكن المؤسف هو أن المثقف السوري لا يرى نفسه إلا في موقع هذا الشاعر في معظم الأحيان. منافحاً عن قومه (أي جماعته الأهلية حالياً)، مسخّراً ما يملكه من عدّة الشغل؛ البلاغي والإعلامي والبحثي، لتلبّس شخصية «فارس القلم» الذي يشغل مكانه إلى جانب فرسان القتال، أو متأخراً عن هيبتهم درجة، بما أن «السيف أصدق أنباء من الكتب».

وقد استفحل الأمر هذا في العشرين شهراً الأخيرة، بعد التحرير، نتيجة تبلور «المكوّنات» وتصلبها واتساع هوّة الخنادق بينها. وفي هذا السياق يجدر توجيه لوم مستحق للمثقفين الملتحقين بركاب السلطة الجديدة، بدوافع أهلية عربية سنية أو لأسباب مصلحية. لأن معظمهم تخلى عن قيم ثورية كان قد صدع رؤوس المتابعين بها خلال سنوات. كما أن هؤلاء يشغّلون الماكينة الضرورية للسلطة، في الإعلام والثقافة والبحث، مما يمنحهم، بمجموعهم، أهمية لا تتاح للفرد قليل التأثير منهم. ولا يعني هذا تبرئة مثقفين من جماعات طائفية وقومية من الاتهام بالانحياز الشعبوي إلى جماعاتهم على الضفة الأخرى، لكن القصد أن تأثير هؤلاء يقتصر على الخطابة على وسائل التواصل، من دون أن تكون لهم نتيجة واضحة في منح الشرعية كالأولين مثلاً، ولا دور فاعل في شد عصب «بني جلدتهم». إذ يتولى هذه المهمة قادة دينيون وسياسيون وعسكريون لا يأبهون لدور المثقف ولا يحتاجون إليه لتمتين أي شرعية، مما يقلل من أهميته في هذه البيئات التي تشعر أنها في حالة صراع وجودي.

كما أن السلطة تمكنت، في الثقافة والإعلام كما في غيرهما، من إغراء فاعلين بأن الفرصة متاحة لوضع بصمتهم في بناء سوريا الجديدة، وأن إقدامهم على المشاركة في هذه العملية الجارية يفتح الباب لأفكارهم كي تؤثر، فضلاً عن شخوصهم التي تظهر

وقد سهّل أمر انحياز مثقفين من العرب السنّة إلى العهد تشابهٌ بنيوي عميق في الأرومة. فالسلطة قادمة من تاريخ صدر إسلامي تارة وأموي طوراً، ورجالها معجبون بالشعر العمودي الذي يذكي الحماسة ويحيي احتفالات النصر. وقد قال أحمد الشرع في «المقابلة» مؤخراً إنه يحب الشعر الجاهلي، ثم الشعر في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم في زمن الأمويين، وإنه «يستمع» إلى عمرو بن كلثوم وعنترة وزهير بن أبي سلمى. والشعر العربي، لا سيما في عصوره الذهبية تلك، هو ركيزة معرفة المثقف العربي الإسلامي التقليدي. وهو ما تجلى، مثلاً، في مهرجان دمشق الدولي للشعر العربي، والذي أقيم في دورة أولى مبتكرة قبل أيام، مع وعود بتحويله إلى احتفال سنوي في المستقبل.

كما أن السلطة تمكنت، في الثقافة والإعلام كما في غيرهما، من إغراء فاعلين بأن الفرصة متاحة لوضع بصمتهم في بناء سوريا الجديدة، وأن إقدامهم على المشاركة في هذه العملية الجارية يفتح الباب لأفكارهم كي تؤثر، فضلاً عن شخوصهم التي تظهر. وفي هذا المزيج يتحقق شطر البيت الشعري الذائع بين المشايخ: «ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا». وهنا ينبغي الانتباه إلى حاجة معظم العائدين إلى البلاد إلى عمل يؤمّن دخلاً معقولاً، وهو ما تتيحه بنى الثقافة والإعلام الرسمية عبر عقود توظيف خاصة من خارج السلّم الحكومي للرواتب المعتادة.

من طرف آخر اختص مثقفون آخرون بتأنيب النخب حتى صار ذلك هدفاً أساسياً لهم لا يفعل نقد السلطة أكثر من أن يكون مقدمة له، وحجة يعبرها الناقد سريعاً ليصل إلى مبتغاه الأصلي وهو المثقفون الذين يحتلون، في هذه الديباجة، موقعاً لا ينقص عن مرتكب المجازر أو منتهك حقوق المعتقلين الجدد بالتعذيب الذي ربما قتلهم. وهكذا تضيع الفوارق بين تجريم الفاعل وبين مسؤولية من أيده بالكلام وبين من تغاضى. وهنا يجدر التذكير مجدداً بحدود دور المثقف وضعف أثره.

صحيح أن من يجلس إلى مائدة السلطان متكسّبٌ يبيع «دينه» بعرَضٍ قليل من كعكة سوريا الجديدة، لكنه لا يقارَن بمن يضرب بسيفه؛ يرتدي بدلته العسكرية ويشارك في فزعاته الاستباحية.

على مهل ثالث يتشكل نموذج «الخبير» بسبب توجه عدد كبير من الشبان السوريين إلى متابعة دراساتهم العليا، أو بدء مراحل كليّاتهم الأولى، في أقسام العلوم الإنسانية بجامعات البلاد الغربية التي أقاموا فيها لاجئين. ورغم أن تجارب هؤلاء العلمية ما تزال في طور التبلور إلا أنها واعدة، بطبيعة الحال، وجديرة بأن تطيح بالصورة القديمة للمثقف السوري، المنبنية على الشعر؛ عمودياً يميناً وقصيدة نثر يساراً.
---------
تلفزيون سوريا

 


حسام جزماتي
الثلاثاء 18 أغسطس 2026