اسلــحـ.ـة “جبــهة النصرة” في سوريا مصدرها البوسنة

08/12/2019 - “الإندبندنت أونلاين ترجمة عربي٢١

دراسة ...لماذا ينتحر ٨٨ الف مصري كل عام ؟

08/12/2019 - المعهد المصري للدراسات - د. حلا أحمد


أمازيغ جبل نفوسة... تاريخهم وحياتهم ومشاكلهم



طرابلس - لو كنت في ليبيا وساقتك الطريق إلى قُرىً قديمة تتربع على حواف القمم الشاهقة، فاعلم أنك وصلت حيث استوطن أمازيغ جبل نفوسة في الماضي، سيهولك منظر بيوت الحجر والطين على بُعد نحو متر واحد عن حافة الجبل، ومن الطبيعي أن تسأل عن سبب ترك السكان كل براح الجبل الممتد من جنوب طرابلس بنحو 80 كيلومتراً، حتى الحدود التونسية في الغرب، ومنها جنوباً إلى الحمادة الحمراء المطلة على الصحراء الكبرى، ليستقر النفوسيون على شفا جُرُفٍ مُهلِكة.


يقول الأديب والكاتب الأمازيغي "عيسى ابوديّة" إن ذلك "يرجع للغزوات العديدة التي تعرضت لها المنطقة على مدى التاريخ، من عصور الإغريق والرومان، حتى غزوات قبائل بني هلال وسليم بداية الألفية الأولى، فالجبل يسهّل الدفاع عن النفس والمال والهوية أيضاً". ويضيف الكاتب قائلاً لوكالة الأنباء الألمانية(د.ب.أ) "اتضح مؤخراً أن أغلب سكان ليبيا من أصول أمازيغية (دون أن يُظهر دراسات تؤكِّد ذلك)، ويبدو أن الجبل ساعد النفوسيين في المحافظة على لغتهم وثقافتهم دون أغلب الليبيين. ترتفع أعلى قمّة لجبل نفوسة عن سطح البحر بـ 968 متراً، وقدّرت آخر إحصائية رسمية أجريت في ليبيا عام 2006 عدد سكان الجبل من الليبيين بـ 376888 نسمة، وبحسب أول دراسة مسجّلة في ليبيا أجراها الباحث والضابط الإيطالي "هنريكودي أغسطيني" عام 1917 وعرضها في كتابه "سكّان ليبيا"، يُصنّف سكان نفوسة وعموم الغرب الليبي إلى ( بربر "أمازيغ"، وعرب, وعرب بربر، وقولوغلية "انكشاريين"، ويهود). في الجبل، يرفض كل من حاورتهم وكالة الأنباء الألمانية من أمازيغ اسم "بربر"، يقول أحدهم: "هذا ما أطلقه علينا الرومان في الماضي، ولكننا أمازيغ، ولا تُسمّى الشعوب بوصف أطلقه خصومهم يوماً". ليس هناك أرقام دقيقة عن تاريخ استيطان الأمازيغ في الجبل، ولكن المعروف هو طريقة صمودهم فيه حتى اليوم، ففي الأساس، اعتمد النفوسيون أو "الجبالية" كما يُسمَّون في طرابلس على الزراعة البعلية بسبب استحالة حفر الآبار فوق الجبل، وأشهر محاصيلهم الزيتون والتين المجفف وبعض الفواكه، ومن الحبوب، القمح والعدس والشعير "المغذِّي الأساسي للمواشي صيفاً"، فالأمازيغ يعتمدون في عيشهم أيضاً على تربية الحيوانات، ومع استيطانهم منذ القِدم في طرف الجبل، إلا أن مزارعهم تمتد لأبعد من ذلك، ومراعيهم تصل هضاب الحمادة الحمراء، وقد تعوّد أصحاب الأغنام في الماضي على تسيير رحلات سنوية إلى المراعي العشبية تدوم طيلة أشهر الربيع، من أجل تغذية الماشية وصنع الدهن الحيواني والزبدة والأجبان، وجز الصوف مع قدوم الخريف، أما النخيل والخضار، فما يُزرع منها في الأودية لم يكن ليكفي، ما اضطر أمازيغ نفوسة لمقايضة التين وزيت الزيتون والدهن والمنسوجات الصوفية التي يتقنونها، بالتمر والخُضار المجففة مع سكان الساحل في مناطق الزاوية وصرمان وصبراتة والعجيلات عبر قوافل كانت تُسَيَّر خريف كل عام حتى منتصف القرن العشرين عند استقلال ليبيا واكتشاف النفط الذي ازدهر به الاقتصاد الليبي عامة وتغيرت بعده أغلب الظروف. بعد الاستقلال واستقرار الحال في ليبيا عام 1952، بدأت العِمارة تدخل تدريجياً إلى عمق الجبل، اتجه جزء كبير من النفوسيين "كحال الليبيين" لتلقي التعليم وشغل الوظائف الحكومية، وبناء المدن والقرى الحديثة، كمدن "يفرن" و"القلعة" و"جادو" و"الرحيبات" و"كاباو" و"نالوت"، وقُرى عديدة أخرى، ومع التأثير الإيجابي للتّمدّن، تأثرت المواسم الفلاحية سلباً بسبب إهمال الزراعة وهجرة الكثيرين إلى طرابلس حيث استوطنوا في ركنها الغربي. الجفاف أيضاً كان له حصته، فقد بدأت كميات الأمطار تقل بشكل غير مسبوق خلال الأعوام الخمسين الأخيرة ،بحسب رواية كل من حاورتهم وكالة الأنباء الألمانية من النفوسيين، وأول الضحايا كانت أشجار التين واللوز والفواكه، بل صار الخطر يهدد الزيتون الذي يقدِّسه أمازيغ نفوسة ... لقد دُق ناقوس الهاجس الأكبر في الجبل ... "المياه". يعتمد النفوسيون على جمع مياه الأمطار في صهاريج أرضية، أو جلبها من العيون في الوديان المنخفضة، وبعد الاستقلال تم حفر آبار عديدة في الأودية، وإنشاء شبكات مياه حديثة للمدن والقرى، إلا أن المياه محدودة، وبالكاد يتم توزيعها على المناطق بحصة ساعتين في الأسبوع، يقوم فيها الكل بتخزين ما يمكن، وتعويض النقص بشراء المياه من الصهاريج المجرورة بأسعار مرتفعة، ومن سوء حظ النفوسيين، توقف مشروع مد الجبل بمياه النهر الصناعي الذي أُنشئ في عهد "القذافي" بعد انهيار نظامه، وكان على وشك الوصول للمنطقة بعد أن غذّى كل الساحل بشبكة ضخمة قادمة من أقصى الجنوب الغني بالمياه الجوفية. قبل ذلك، كانت مشكلة المياه وإهمال الجبل عامة قد زادت من حجم الفجوة بين الأمازيغ ونظام معمر القذافي، لم يعترف الزعيم الليبي بهوية الأمازيغ وكان يصفهم في خطاباته بالبربر، ويقول إنهم عرب جاءوا من اليمن، وسمّى ليبيا بالجماهيرية العربية الليبية، مستثنياً كل الأعراق الأخرى في البلاد. يقول "أبوديّة": " لقد همَّشنا نظام القذافي وأساء لموروثنا وأصلنا، حَرَمنا حتى من الحديث بلغتنا إلا داخل البيوت، ومن الكتابة بها مطلقاً، حتى أسماء المناطق غيّر بعضها، فلم يعترف باسم جبل نفوسة مثلاً، واعتمد اسم الجبل الغربي، ثم سمّاه الجبل العربي، نكاية بنا. أسماء الأمازيغ مُنِعت أيضاً في إدارات السجل المدني منذ الثمانينيات، ومن كان يُضبط بحوزته كتاب بالأمازيغية أو حولها، صار السجن والتعذيب مصيره وقد يلقى الموت". قد يكون هذا ما دفع إلى خروج كل مدن الأمازيغ على نظام القذافي منذ بداية الثورة الليبية عام 2011، وانتهى الأمر بسقوط النظام، فهل انتهت بذلك مشاكل الأمازيغ؟ الواقع يقول غير ذلك، فمع تحفزهم في البداية ومشاركتهم في الحياة السياسية، سرعان ما تراجع الأمازيغ، وانعكس ذلك في إحجامهم عن المشاركة في انتخابات لجنة صياغة مشروع الدستور، ومجلس النواب، بحجة أن التهميش لازال يُمارس ضدهم، وبسبب عدم ترسيم ودسترة لغتهم، ولهذا يرفض أغلب من حاورتهم (د. ب. أ) من أمازيغ مسودة مشروع الدستور المُفترض عرضها في استفتاء عام على الليبيين، فيما يرى البعض قبولها ريثما تخرج البلاد من أزمتها، وعندها لكل حادث حديث، ولهذا، فمن المنتظر أن يشارك الأمازيغ في المؤتمر الليبي الجامع الذي دعت له الأمم المتحدة في أبريل 2019، إلا أن سياسييهم يشترطون مشاركة طبقاً للمادة الثامنة من إعلان الأمم المتحدة بشأن الشعوب الأصلية. تقول عضو المجلس الأعلى للأمازيغ الليبي "سهام بن طالب" لـ (د. ب. أ): "نحن في انتظار آلية وأجندة المؤتمر، وما لم تكن مشاركتنا حقيقية وفعّالة فلن نعترف بمخرجاته". وحول أخطر سيناريو يخشاه الأمازيغ تقول عضو المجلس المنتخب من أمازيغ ليبيا: "نخشى العودة للحكم العسكري الذي خبِرنا أهواله أيام القذافي، والمشكلة أن خليفة حفتر شخصية عروبية أيضاً، هو يسمّي الجيش الذي يقوده بالقوات العربية، ويتحالف أيضاً مع السلفيين المداخلة ذوي الأفكار المتشددة". مع كل ما عانى منه أمازيغ نفوسة ولا زالوا يعانون كباقي الليبيين، فهم فرِحون بما حققوه حتى الآن ... لازالوا قابعين أعلى الجبل يرصدون ما يجري حولهم، ولسان حالهم يقول: "لن يفنى الأمازيغ، كما لن تنقرض الصقور في الأعالي".

أشرف العزّابي
الخميس 4 أبريل 2019