تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
عيون المقالات

لمن تُبنى الدولة السورية؟

10/02/2026 - جمال حمّور

الرقة وقسد: سيرة جسور مُدمّرة

28/01/2026 - ياسين السويحة

سلامتك يا حلب

11/01/2026 - أنس حمدون


حين تُدان الهوية ويُكافأ الجلاد: الحسكة بين لهفة الخلاص ووهم الاتفاقات





بين اعتقال المرحبين واستمرار القمع… الأغلبية العربية تواجه ازدواجية القوانين والميليشيات ما جرى في الحسكة ليس سوء فهم، ولا زلّة خطاب، ولا “حساسية مرحلة”، بل هو مشهد كامل الأركان لانقلاب المعايير، حيث تُدان هوية الأغلبية، وتُبرَّر سطوة الميليشيا، ويُطلب من الضحية الصمت باسم شعارات مستهلكة عن “السلم الأهلي


 

أثار ظهور عناصر من قوى الأمن العام وهم يرفعون إصبع السبابة موجة من الجدل المصطنع، جرى تضخيمها سياسيًا وإعلاميًا، إلى حد تصوير هذا السلوك بوصفه إشكالية تستدعي التبرير والاعتذار. وقد بلغ هذا المسار ذروته في تصريحات ناطقين رسميين، من بينهم الناطق باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا، حيث بدا الخطاب وكأنه موجّه لاسترضاء «قسد» أكثر من كونه دفاعًا عن السياق الاجتماعي والثقافي الطبيعي في بلد يشكّل المسلمون فيه الغالبية الساحقة.
أثار تصريح نور الدين البابا، بأن رفع السبابة يعني “وحدة الشعب السوري”، استهجانًا واسعًا بين السوريين. فقد رأى الكثيرون في هذا التفسير محاولة واضحة لاسترضاء ميليشيا نهبت وجوعت أهل الحسكة وأذلتهم لعقود، على حساب الهوية الدينية والاجتماعية للأغلبية. ويؤكد المراقبون أن مثل هذا التبرير لا يبرر المساس بالهوية ولا يخدم مصلحة الدولة، خصوصًا وأن الدولة اليوم قوية، و«قسد» تلفظ أنفاسها الأخيرة، ما يجعل الانحناء أمامها أو إعادة صياغة رموز الأغلبية أمرًا مرفوضًا سياسيًا ووطنياً.
إن رفع السبابة ليس فعلًا طارئًا، ولا رسالة تهديد، بل تعبير رمزي راسخ في الثقافة الإسلامية، وجزء من هوية دينية واجتماعية لأكثر من 85% من السوريين. غير أن الأخطر من المواقف الرسمية كان ما ذهب إليه بعض من يقدّمون أنفسهم “محللين سياسيين”، حين زعموا أن رفع الإصبع “رمز لوحدة الشعب السوري”. هذا الخطاب يكشف حجم الانحدار حين يُجامل الجلاد على حساب الحقيقة، ويُعاد تعريف رموز الأغلبية قسرًا لمجاراة من يمارس القمع.
تحت يافطة “الفتنة الطائفية” و”حفظ السلم الأهلي”، جرى قلب الوقائع: صُوِّر العرب المسلمون في الحسكة وكأنهم الخطر الكامن، في حين تُغضّ العين عن ميليشيا تمتلك عشرات السجون، وتحكم الجزيرة السورية منذ أكثر من عقد بالنار والحديد، وتفرض رؤيتها بالقوة لا بالقبول المجتمعي.
الشارع كان أصدق من كل البيانات. مشاهد نساء الحسكة وهنّ يستقبلن دخول قوات الأمن العام بالأرز والحلوى لم تكن فولكلورًا، بل تعبيرًا مكثفًا عن لهفة للخلاص من حكم الميليشيا، ولهفة للعيش في أمان ولو مؤقت. لكن هذه اللهفة سرعان ما اصطدمت بالواقع.
فبعد دخول الأمن العام، أقدمت ميليشيا «قسد» على اعتقال أكثر من خمسة وثلاثين شابًا، لمجرد ترحيبهم بالقوات. هؤلاء الشبان ظنّوا أن وجود الأمن العام سيشكّل حدًا أدنى من الحماية، لكن ما حدث أكد أن القبضة الأمنية لـ«قسد» ما تزال هي الحاكم الفعلي، وأن ما جرى لم يكن انتقال سلطة، بل إعادة توزيع شكلية للأدوار.
ولا يمكن فصل ما يحدث في الحسكة عن سياق أوسع من الانتهاكات. ففي عين العرب (كوباني)، سُلّمت واحد وعشرون جثة لأهالي مدينة صرّين، بعد أن قُتل أصحابها على يد عناصر «قسد». حادثة بهذا الثقل الإنساني والأخلاقي مرّت بلا ضجيج إعلامي، وبلا استنفار سياسي، وبلا خطابات عن “السلم الأهلي”، ما يكشف ازدواجية صارخة في التعامل مع الدم السوري، تبعًا لهوية الضحية والفاعل.
واليوم، يُسوَّق لما يُسمّى “اتفاقًا جديدًا” في الحسكة، لكنه في جوهره لا يعدو كونه إعادة إنتاج لتجربة المربعات الأمنية للنظام البائد، مع بعض الرتوش والتجميل. واجهات جديدة، شعارات مختلفة، لكن الجوهر واحد: سلطة فعلية بيد السلاح، ودولة حاضرة بالاسم وغائبة بالفعل.
إن تحويل هوية الأغلبية إلى عبء سياسي، وتجريم رموزها، مقابل الصمت عن القتل والاعتقال وتسليم الجثث، لا يبني دولة ولا استقرارًا، بل يكرّس معادلة مختلة: هوية تُدان، وجلاد يُجامل، وضحية يُطلب منها الصمت باسم “السلم الأهلي”. وبين لهفة نساء الحسكة للخلاص وواقع الاتفاقات الهشّة، تتكشف حقيقة مرة: ما لم يكن التغيير حقيقيًا وجذريًا، فإن كل هذا لن يكون سوى فصل جديد من إدارة القمع، بوجوه مختلفة وأسماء جديدة.
---------
  العربي القديم
 

خليل البطران
الجمعة 20 فبراير 2026