اختفاء الصحفيين نذير وسفيان في ليبيا لغز حير التونسيين منذ 2014





تونس - طارق القيزاني - اعتاد سامي القطاري أن يلقي كل صباح نظرة على سيارة الرينو" القديمة المركونة في المرآب ومن فوقها غطاء من البلاستيك. انتهى من طلائها وتعديل محركها لكن لم يحن بعد موعد تحريكها من مكانها.
تعهد سامي قبل سفر ابنه الشاب المصور الصحفي نذير القطاري في مهمة صحافية إلى ليبيا، بأن يقتني له سيارة تعينه في تنقله مع بداية خطواته الأولى في قطاع الاعلام والتصوير.
وكان التحدي الذي رفعه سامي هو أن يعود نذير من ليبيا بعد أيام قليلة ليجد السيارة في انتظاره حتى تكون أفضل هدية لجهود ابنه. لكن نذير لم يعد من مهمته الصحافية منذ غادر تونس في 2014.


 
يقول سامي /58 عاما/ الموظف في القطاع البنكي لوكالة الانباء الألمانية (د. ب. أ) "كنت أفكر في بناء طابق ثاني فوق المنزل من أجل نذير وشقيقه الأصغر. لكن لم يكن المال كافيا. نذير باع سيارته وقدم لي المبلغ حتى أتفادى القرض البنكي".
وتابع سامي "أردت ان أجازيه وأرد الجميل. عندما سافر إلى ليبيا قررت ان أشتري سيارة صغيرة بأقل سعر. قمت بصيانتها وتجهيزها لعودته. أنا اليوم ما زلت أنتظر".
بعد خمس سنوات من الغياب انتهى سامي من بناء الطابق العلوي وهو جاهز للسكن لكن أغراض نذير لا تزال في غرفته الأصلية كما لا تزال سيارته في مكانها تنتظر عودته.
سافر نذير مع الصحفي سفيان الشواربي إلى ليبيا لإجراء تحقيقات صحفية لكنهما تعرضا للاختطاف من قبل جماعات مسلحة في أيلول/سبتمبر عام 2014. ومنذ ذلك الحين تضاربت الأنباء بشأن مصيرهما بين السجن والموت.
في بيت العائلة الكائن بمنطقة فوشانة التي تبعد نحو 30 كيلومترا عن العاصمة. تنتشر صور نذير وسفيان في كامل غرف البيت. ويبدي سامي اعتزازا كبيرا بإحدى العبارات المرافقة لصورة نذير: أحبك يا ولدي!
لكن على خلاف حالة الاتزان التي كان عليها الأب فإن وضع والدة نذير سنية القطاري كان أكثر هشاشة وانهيارا من الناحية المعنوية.
يتصدر اسم نذير وذكراه حديث والدته في كل المناسبات، اللقاءات الاعلامية والوقفات الاحتجاجية التي أجرتها، كما لا تفارق الدموع عينيها ولكنها لم تيأس في البحث عن مصير ابنها في ليبيا، وهي تكافح وسط متاهة حقيقية منذ أكثر من خمس سنوات من أجل هذا الهدف.
تقول سنية /50 عاما/ لــــ(د.ب. أ) "كان نذير قد انضم حديثا لقناة تلفزيونية جديدة وكان سعيدا لإرساله مع صديقه الصحفي سفيان في مهمة لم تكن سهلة. جمع والده أغراضه. أنا لم أعترض على سفرته المهنية الاولى لكني كنت أشعر بشيء غير مريح داخل قلبي".
وتتابع سنية حديثها وهي تغالب الرعشة في صوتها "منذ سنوات نسيت كل شيء... نسيت ابني الثاني وأهلي وناسي... فقط نذير وسفيان في عقلي... أغادر الصباح وأعود بالليل.. .مرضت وتحديت الدولة والجميع".
في كانون ثان/ يناير 2015، نشرت مجموعة تنسب نفسها إلى تنظيم "الدولة الاسلامية"(داعش) في مدينة برقة الليبية خبرا عن إعدام الصحفيين الاثنين عبر صفحة لها على أحد مواقع التواصل الاجتماعي.
ولكن في ظل حالة الانفلات الامني والنزاع الداخلي المسلح وانقسام السلطة بين حكومتي طبرق في الشرق والعاصمة طرابلس غربا، لم يتسن تأكيد تلك المعلومات في الحين من أي جهة رسمية في البلاد عبر حجج ثابتة.
وفي نيسان/ أبريل من نفس العام قالت وزارة العدل في حكومة طبرق شرق ليبيا بأنها ألقت القبض على متهمين في خطف وقتل خمسة اعلاميين يتبعون "قناة برقة" المحلية، مشيرة إلى أن المتهمين اعترفوا أثناء التحقيق معهم بقتلهم للصحفيين التونسيين الاثنين أيضا.
أحدثت تلك الأنباء احتجاجات من الصحافيين ومنظمات المجتمع المدني في تونس ولكن لم تقدم السلطات الليبية أي دلائل فعلية تفيد بموت نذير وسفيان أو بوجود جثتيهما.
تقول سنية القطاري لـ(د. ب. أ) "ذهبت إلى ليبيا بعد أن قمت بالمستحيل هنا في تونس... قابلت من قام بالخطف ومن قام بالاحتجاز ومن حملهم في سيارة وادعى أن تنظيم "داعش" خطفهم... قابلتهم وجها لوجه".
وتضيف بينما يغالب البكاء نبرات صوتها "جمعت معلومات تدينهم وتفيد بأن سفيان ونذير لا يزالان في قبضتهم. إنهما محتجزان".
ومع أن قلبها وحدسها يفيدانها بأن نذير وسفيان لا يزالان على قيد الحياة، إلا أن لا حجج رسمية يمكن أن تدعم رواية الأم حتى اليوم على الرغم من مخاطرتها أكثر من مرة بزيارة ليبيا مع زوجها لتقصي حقيقة إختفاء ابنها وسفيان.
وفي أيلول/سبتمبر 2018 أعلنت قناة النبأ الليبية استنادا إلى مصادر "رسمية" شرق ليبيا، العثور على جثتي سفيان ونذير في مدينة درنة، فاضطرت السلطات التونسية إلى ارسال فريقا من الخبراء إلى شرق ليبيا يحمل عينات من الحمض النووي للصحفيين بهدف التأكد من هوية الجثتين في ليبيا. ثبت بعد عمليات التحليل، بحسب الخارجية التونسية، بأنهما لا تعودان لنذير وسفيان ليبقى أمر اختفائهما لغزا.
ويقول سامي القطاري "المعلومات التي لدينا كلها تصب في كون نذير وسفيان أحياء. القضية مسيسة. لا اتحدث بالعاطفة ولكن بالعقل. نحن نطلب من الحكومة بأن تتعامل بشكل أكبر مع حكومة طبرق والمجتمع المدني في ليبيا لمعرفة الحقيقة".
وفي تلك الأثناء أعلنت هيئة الدفاع عن الصحفيين في تونس بالإضافة إلى منظمات من المجتمع المدني، عن توقيع عريضة موجهة إلى الجنائية الدولية تطالب من خلالها بتدويل القضية من أجل معرفة مصير الصحفيين.
كما وضعت نقابة الصحافيين في تونس شرطا رمزيا أمام مرشحي الانتخابات الرئاسية في 2019، بأن يضعوا نصب أعينهم قضية اختفاء الصحفيين أولوية في برامجهم الانتخابية من أجل معرفة الحقيقة.
وقالت سنية القطاري "أنا مقتنعة ألف في المئة إنهما ما يزالان أحياء... لقد وصل صوتي إلى قلوب جميع التونسيين... لقد استخدمت الأم فقط في القضية".

طارق القيزاني
الخميس 26 سبتمبر 2019