عدا عن استقطاب “مؤيد ومعارض” الذي نشأ بعد الثورة السورية وازداد ترسيخه مع مرور الوقت وكثرة المجازر، هناك استقطابات وخلافات مناطقية كانت يوماً ما مثالاً للتندر والفكاهة لكنها اليوم أصبحت سبباً في المشاكل، مثل الحديث عن الفروق بين المدن أو بعض مميزات منطقة عن أخرى. لعل المجتمع السوري بعد هذه السنوات من الحرب بات مشحوناً بشكل كبير للتعامل بردات الفعل.
ماهو الاستقطاب المجتمعي؟ هو انقسامات حادة في الرأي العام بين أبناء المجتمع التي تختلف في مواقفها من الحكم أو السلطة، بين المعارضة ومؤيدي السلطة، تعززها أحياناً تدخلات خارجية مثل القوى الإقليمية، وكذلك الخلفيات السياسية والاقتصادية والثقافية للمجتمع وشرائحه المختلفة.
كيف يظهر هذا الاستقطاب؟ أبرز المواقف التي يظهر فيها الاستقطاب في المطالب المعيشية: المظاهرات والوقفات الاحتجاجية بين داعم ومؤيد ورافض ومحايد، ويساهم فيه الخطاب الإعلامي والافتراضي، ويعززه السوشال ميديا خاصة مع استخدام خطاب كراهية بين الأطراف المختلفة.
الاستقطاب في الشارع السوري يعني تطور النقاش وتحوله من خلافات حول مواضيع السياسة إلى خلافات اجتماعية وفكرية كبيرة بدأت مع انطلاق الثورة بين من كان يدعم النظام ومن يعارضه. زاد من هذا الانقسام مع ازدياد الهموم المعيشية والنزوح واللجوء واختلاف التقاليد ومستويات المعرفة وغيرها، إضافة إلى كل ما طرأ على المجتمع خلال سنوات الحرب.
هذا الاستقطاب أصبح واضحاً بشكل كبير خاصة مع طلب أبناء المجتمع المتضررين بتحقيق العدالة ممن تسبب بضررهم، وإن تأخر هذه المحاسبة ووجود هؤلاء تسبب بانزعاج الشارع الثوري. وقد بدأت هذه المواقف تظهر من خلال الاحتجاجات والإضرابات والمطالبة بالإصلاحات الأمنية والاقتصادية، وإن كانت المطالب حتى اللحظة خجولة.
لعل أبرز أسباب الاستقطاب الحالي هو الانهيار الاقتصادي وانتشار الفقر وارتفاع أسعار المعيشة والتفاوت الطبقي. هذه الأسباب كلها جعلت شريحة واسعة تنظر إلى أي قرار اقتصادي أو اجتماعي بأنه لا يلبي الطموح وأنه يخدم فئة معينة، كما أن سيطرة الخطاب الثنائي (مؤيد/معارض) كان لها دور رئيسي.
وبالتالي انقسم المجتمع السوري بين من يرى أنه قدم كل شيء للخلاص من النظام، ومن يرى أنه خسر كثيراً بزوال النظام، وطرف آخر وسط يرى بأن استمرار حياته هو الأهم دون اتخاذ موقف واضح.
إن غياب النقاش السياسي والحياة السياسية ومؤسسات تمثيل الشعب يمثل سبباً في عدم وجود خطاب وسطي مشترك لفئات المجتمع، كما أن غياب أحزاب سياسية حقيقية ومؤسسات نقابية مستقلة جعل السياسة والقوانين تحلل عبر الشارع والسوشال ميديا دون معرفة حقيقية، مما زاد من سلطة الشخصيات الافتراضية، وهو ما يزيد من التصعيد والاستقطاب بدلاً من الحوار.
كيف يظهر الاستقطاب في الواقع؟ في الشارع: اعتصامات مثل قانون وكرامة في دمشق تتحول إلى ساحة مواجهة بين ناس تشجع على مواجهة الحكومة، بحسب الطرف المناوئ، وبين أخرى ترى فيها فوضى أو تغطية على ملفات مختلفة منها محاسبة المجرمين، وأن مثل هكذا وقفات تعطل عمل الحكومة، خاصة إذا كان من يدعو لها غير معروف التوجه السياسي.
وعلى الإنترنت: هناك خطاب ثنائي يقسم النقاشات بين السوريين مع تبادل تهم العمالة والخيانة (فلول، مطبلين)، ما يُشجع على التصعيد بين أفراد المجتمع ويمنع أي محاولة لبناء حلول وسطية.
كيف يمكن التخفيف من الاستقطاب؟ التركيز على القضايا المعيشية المشتركة (الكهرباء، البنزين، الرواتب، الخدمات) بدلاً من ربط كل قضية بالصراع السياسي، ما يفسح المجال للعمل الجماعي. وإيجاد أماكن ومنابر حوارية سورية – سورية (أونلاين وحضورية) تضع قواعد لاحترام الاختلاف مع تجنب التصنيف الجماعي للأفراد تحت شعارات مؤيد/معارض. والعمل على إيجاد مؤسسات تعددية وشفافة (أحزاب، نقابات، حوار وطني) تعمل على إعادة تعميق الصلة بين الدولة والمواطن بعيداً عن الشعار والعاطفة.
ختاماً: ليس الخوف من اختلاف السوريين بقدر ما هو من تحوّل هذا الاختلاف إلى قطيعة بينهم وبقاء الشارع بلا حوار حقيقي ولا مساحة أمان ولا عدالة تعيد التوازن. والحل يبدأ حين نصغي لبعضنا دون تخوين أو مزاودة.
--------
الثورة


الصفحات
سياسة








