من وجهة نظر طهران، فإن مجرد القدرة على الاستيعاب، والاستمرار في نشر النيران، وتعطيل الروتين وإبقاء منطقة عالمية واسعة في حالة توتر، يُعدّ إنجازا بحد ذاته. أسعار النفط في ارتفاع، ودول المنطقة ترزح تحت ضغوط هائلة، ليس فقط بسبب ما يحدث الآن، بل أيضا بسبب الخوف مما سيحدث لاحقا. إذ يخشى الكثيرون منهم التفكك الداخلي وعدم الاستقرار في بلادهم. كما يخشون بشدة اللحظة التي ستُضطّر فيها إيران، إن خرجت من هذه الحملة مُنتصرة، على تصفية الحساب معهم في ظل غياب العم "سام". وفي هذا السياق، يستمر إطلاق الصواريخ، مُحققا جزءا كبيرا من التأثير حتى وإن كان نطاقه محدودا نسبيا. فالصاروخ الواحد يوميا يمتلك قوة هائلة. حتى وإن لم يصيب هدفا مباشرا، فإنه يشلّ الحياة، ويخلق حالة من القلق، ويؤدي إلى شلل الحركة، ويؤثر على الوعي الجمعي. وبهذا المعنى، يمكن لعدد قليل من عمليات الإطلاق أن يحقق نحو ثمانين بالمئة من التأثير.
كان هناك من يعتقد أن مجرد التهديد العسكري كافٍ لحشد الجماهير في شوارع إيران، ومن قال إن العامة قد لا يخرجون الآن، لكنهم سيخرجون عندما تدوي المدافع وتكون الولايات المتحدة في أوج قوتها. لكن ذلك لم يحدث. وكان هناك أيضا من راهن على أن الأقليات ستستغل الموقف وتفتح جبهة داخلية. لكن ذلك، حتى الآن، لم يحدث أيضا. لا توجد حاليا أي أصوات ثورية في إيران، ولا يوجد سبب وجيه للتفاؤل بظهورها فجأة الأسبوع المقبل.
السبب في ذلك ليس القصف بحد ذاته. ففي نهاية المطاف، لا يستهدف إطلاق النار المراكز السكانية أو الأفراد غير المُنخرطين في الأحداث، والشعب الإيراني يدرك ذلك تماما. فهو يفهم جيدا أن الحملة ليست موجهة ضده كشعب. لكن هذا الفهم وحده لا يكفي لحشد جماهير مُتحمسة في الشوارع. فالأنظمة لا تسقط بمجرد تعرضها للقصف، بل تنهار عندما تتوقف عن السيطرة على الشعب، وعندما يزول الخوف، وعندما ينضب المال الذي يدعم آليات سلطتها.
الدرس المستفاد من سوريا: الأنظمة لا تنهار فجأة
في سوريا أيضاً، يجدر بنا تبديد وهم "الفجأة". يميل الكثيرون إلى وصف سقوط بشار الأسد وكأنه حدثٌ حادٌ وسريعٌ وشبه فوري، برز بعده أحمد الشرع وملأ الفراغ بين عشية وضحاها. لكن هذه قراءة سطحية للواقع. لم يكن سقوط النظام السوري نتيجة لحظة واحدة، بل كان نتيجة عملية تآكل طويلة بدأت مع اندلاع الحرب الأهلية عام ٢٠١١. لسنوات، كان النظام يتآكل عسكرياً واقتصادياً وسياسياً واجتماعياً. كل جولة قتال، وكل ضربة للشرعية، وكل فقدان للسيطرة على الأرض، وكل اعتماد متزايد على داعمين خارجيين، وكل شرخ إضافي في قدرته على الحكم الفعلي، كانت بمثابة ضربة أخرى في سلسلة الضربات التي حطمت الصخرة. لذلك، عندما جاءت الضربة التي اعتبرها الكثيرون الضربة القاضية، لم تصب نظاماً متماسكاً وقوياً، بل نظاماً كان ينهار منذ سنوات. هذا هو الدرس المُهم الذي يجب تذكره فيما يتعلق بإيران: أولئك الذين يبحثون عن انهيار في لحظة واحدة، يُغفلون حقيقة أن الأنظمة عادةً ما تسقط بعد فترة طويلة من التآكل التراكمي.
يجب أن نقول بصراحة إن هذه حقيقة لا تخص إيران وحدها، بل تنطبق أيضا على لبنان. هناك أيضا، يُتوقع أحيانا أن يقوم شخص آخر بالمهمة: أن ينهض الجيش اللبناني فجأة، ويُغيّر وجهه، ويتخذ موقفا صلبا ضد حزب الله. هذا لن يحدث.
إن افتراض أنه بمجرد تقوية الجيش اللبناني، سيتمكن من التعامل مع المُشكلة الشيعية هو افتراض خطير أيضا. إن خطر انقلاب الموازين، أو وقوع أسلحة الجيش اللبناني في أيدي جهة أخرى، هو خطر لا يمكن تجاهله. يكفي أن نذكر كيف سقطت موارد كثيرة من النظام الأفغاني في أيدي طالبان، وكيف وقعت موارد الجيش العراقي في أيدي داعش.
كما أنه لا توجد حاليا جماهير في إيران تقتحم البلاد للإطاحة بالنظام من الداخل والخارج، وكذلك في لبنان لن يظهر فجأة أي فاعل محلي ليقوم بما يأمله الآخرون، حتى وإن كان ملتزما سياسيا بذلك. التمنيات مفهومة، لكنها لا تغني عن الاستراتيجية. وفي النهاية، لن يقوم أحد بالعمل نيابةً عنّا.
ما الذي سيؤدي إلى فقدان النظام في طهران السيطرة..؟
يقودنا هذا إلى استنتاج أكثر صعوبة: إذا واصلنا إطلاق النار على كل ما يُطلق النار علينا في إيران، فسنحقق إنجازات عملياتية بالغة الأهمية، لكننا لن نهدم أسس النظام. البرنامج النووي بالغ الأهمية، وإلحاق الضرر بمنصات الإطلاق والمقرات وأنظمة الدفاع الجوي والمستودعات والبنية التحتية العسكرية أمر ضروري ولا يمكن تجاهله. لكن إذا كان الهدف هو تقليص القوة النارية فقط، وليس كسر مركز ثقل النظام أيضا، فلن يكون هذا كافيا. فمركز ثقل النظام الإيراني ليس عسكريا فحسب. النظام يعتمد أيضا على مصادر دخله، وآليات سيطرته، ومؤسساته المدنية، وهياكل ولائه، وقدرته على إدارة البلاد بقبضة حديدية حتى في ظل الهجمات.
لذا، إذا أردنا منع النظام من التعافي فعليا، فعلينا إضعاف مصادر دخله ومصادر سيطرته على حد سواء. ليس فقط قدرته على استخدام القوة، بل قدرته على الحكم أيضا. ليس فقط من يرتدون الزي العسكري، بل أيضا ما يُمكّنه من السيطرة على البلاد. لا يقتصر الأمر على قطاع الطاقة فحسب. صحيح أن قطاع الطاقة له ثقل كبير، لكنه ليس المورد الوحيد الذي يُبقي النظام قائما. لديه ركائز أخرى: أنظمة تحصيل الأموال، ومراكز التحكم، وأصول اقتصادية تُغذي مراكز السلطة، وآليات الرقابة، ونقاط ارتكاز تُتيح له مُكافأة المُقربين، ومُعاقبة المعارضين، والحفاظ على جو الخوف الذي يقوم عليه أي نظام من هذا القبيل.
هنا يجب أن نُقرّ بالحقيقة المُرّة للحرب. عندما لا يكون هناك غزو بري، ولا انتفاضة شعبية واسعة من الداخل، يكون الثمن هو اتساع دائرة الضرر. ليس بمعنى إلحاق الأذى المُتعمّد بالمدنيين، بل بمعنى إلحاق الضرر بأهداف تُؤثّر بدورها على نمط حياة المدنيين، والاقتصاد، واستمرار العمل، وقدرة النظام على الاستمرار في الظهور بمظهر المُسيطر على الوضع. لذلك، على كل من يرغب في تحقيق نتيجة استراتيجية دون إرسال قوات برية ودون الاعتماد على ثورة داخلية أن يُدرك أنه لا يُمكن الاكتفاء بالأهداف العسكرية الضيّقة وحدها. هذا هو معنى شنّ الحرب من بعيد. لها مزايا واضحة، ولكن لها ثمن، وهو أنه بدون توسيع نطاق الأهداف لتشمل ما هو أبعد من الأهداف العسكرية البحتة، يستحيل إلحاق ضرر حقيقي بأسس سلطة النظام. وهناك نقطة أخرى لا تقل أهمية، وهي أنه لا ينبغي البحث عن صورة نصر.
إذا سقط النظام، فستكون هذه بلا شك نتيجة دراماتيكية. ولكن حتى لو لم يسقط، فهذا لا يعني فشل الحملة. فحتى النظام الإسلامي المتشدد قد يبقى في السلطة، ومع ذلك يخرج من الحرب ضعيفا، فقيرا، محدود القدرات، أكثر حذرا، وأقل قدرة على تهديد محيطه. وهذا أيضا يُعد إنجازا. بل قد يكون هذا أقصى إنجاز يُمكن تحقيقه في ظل الظروف الراهنة. وإذا انتهى بنا الأمر في نهاية المطاف بنظام مُتطرف، لكنه يمتلك أدوات أقل بكثير، وموارد مالية أقل بكثير، ومساحة مناورة أضيق بكثير، وقدرة أقل بكثير على إعادة بناء تهديد إقليمي، فهذا سيكون واقعا مختلفا تماما. حتى لو ظل النظام مُتطرفا ومُتعطشا للدماء، لكنه لا يملك في يديه سوى العصي والحجارة.
هذا هو السؤال الذي يجب أن يُطرح للنقاش. الأمر ليس متعلقا بظهور صورة استسلام رسمي، ولا باقتحام الجماهير لرموز السلطة، بل بوصول إيران في نهاية الحملة إلى مستوى أقل بكثير من القدرة على إنتاج الصواريخ، و"تمويل الوكلاء"، وإعادة بناء البنى التحتية، و"تهديد جيرانها"، وإعادة المنطقة بأسرها إلى مسار الابتزاز والردع، والتصعيد المدروس.
حتى إطلاق صاروخ واحد يوميا يُعد إنجازا لإيران:
هناك نقطة أخرى مهمة يجب ذكرها، لأنها لا تقل أهمية عن الضربات نفسها. حتى لو تحققت هذه الإنجازات، فلن تدوم من تلقاء نفسها. فالحفاظ عليها يتطلب استمرارية. يتطلب استخدام القوة بشكل متواصل مع مرور الوقت، حتى وإن تفاوتت شدتها، وحتى وإن تفاوتت وتيرتها، وحتى وإن لم يكن ذلك يوميا بنفس القدر. ليس لأن للهجوم قيمة في حد ذاته، بل لأن الأنظمة المُتطرفة في الشرق الأوسط تُمعن النظر في كل نقطة ضعف، وكل إرهاق، وكل علامة على نفاد الصبر لدى الطرف المقابل. وإذا ما استنتجت أن الضغط قد خف، ستعود تدريجيا إلى ما تُجيد القيام به. أمّا إذا أدركوا أن الثمن سيبقى، حتى بعد المرحلة الحاسمة من الحملة، فإن ذلك سيكبح جماح شهيتهم، بغض النظر عن النظام الذي سيبقى في السلطة.
لذا، فإن الصبر الاستراتيجي ليس مُجرّد شعار، بل هو شرط أساسي. والقدرة على المثابرة ليست فضيلة إدارية فحسب، بل هي جزء لا يتجزأ من النجاح. لن تُحسم الحملة ضد إيران بعدد الأهداف التي تم استهدافها، ولا بحجم الضرر الذي لحق بها في أسبوع واحد فحسب، بل ستُحسم بمدى نجاحنا، مع مرور الوقت، في خلق نظام أضعف وأفقر وأكثر محدودية وأكثر حذرا.
ربما يكون هذا أهم استنتاج لهذه المرحلة. إيران ليست بحاجة إلى الانتصار، يكفيها البقاء. على إسرائيل والولايات المتحدة تهيئة وضع، حتى وإن نجا النظام، فإنه سينجو وهو مُنهك، مُحطّم القدرات، محدود الطموحات، وخائفا بشدة من تكرار الأنماط التي أوصلته إلى هذه الحال. المطلوب، ليس بالضرورة صورة نصر، بل واقع أمني جديد.
________________-
القناة 14:
التحول الاستراتيجي الهائل في وضع إسرائيل
يائير ألتمان
التحول الاستراتيجي في وضع إسرائيل في المنطقة مذهل بكل المقاييس. ففي غضون عامين ونصف، انتقلنا من وضع الخناق الذي يُهددنا بمئات الآلاف من الصواريخ من إيران وحزب الله وغزة، إلى وضع تهاجم فيه إسرائيل أي هدف في إيران ولبنان متى شاءت، بالتعاون مع أكبر قوة عظمى في العالم، فيما كان رد فعل "محور الشر" ضعيفا للغاية.
وهكذا، في ذروة الحرب مع إيران، وصلنا إلى وضع تعج فيه المطاعم بالحياة والاقتصاد على وشك الانتعاش. هل يتذكر أحد أننا لم نجرؤ حتى على تفكيك خيمة حزب الله التي يكانت بمثابة تحدٍّ لنا..؟ كان هناك شيء يُدعى حماس. لقد ملأت البلاد بالصواريخ وهاجمت مجتمعنا.
من هذه الإمبراطورية الشريرة بأكملها، لم يبقَ شيء يُذكر. لم تعد حماس مؤثرة، والحوثيون مُترددون، وحزب الله بالكاد يُبدي أي اهتمام، والإيرانيون، الذين ردوا بوابل خطير من 200 صاروخ على اغتيال إسماعيل هنية، يردون على اغتيال قائدهم الأعلى بقدرات تشبه قدرات الحوثيين.
النظام في إيران يحتضر بفعل عوامل عالمية وداخلية، ورغم أننا كنا نأمل في القضاء عليه نهائيا، إلاّ أن هذه عملية ستستغرق وقتا على الأرجح. وبحسب كل المؤشرات، فقد وصل إلى نهايته، ونحن نساعد على ذلك.
لذا، يجوز لنا أن نأمل فيما كان حتى وقت قريب ضربا من الخيال العلمي - عالم خالٍ من التهديد النووي، وخالٍ من وكيل إرهابي منظم وواسع النفوذ، وخالٍ من الحروب ضد لبنان وحزب الله كل بضع سنوات تُؤدي إلى عزلة سياسية متزايدة. عالمٌ تُصبح فيه إسرائيل قوةً أمنيةً واقتصاديةً مُزدهرة، تتنافس فيه الدول الأوروبية التي تخشى روسيا على شراك وسائل اعتراضٍ ومعدات عسكرية أثبتت جدارتها كأفضل الوسائل في العالم. وفي مثل هذا العالم، ستتجه الدول العربية - ليس إلى صناديق الاقتراع – بل نحو اتفاقيات أبراهام.
________________--
صحيفة معاريف:
انكشاف التصدعات: آمال نتنياهو وترامب على وشك الانهيار
إيلي ليون
بعد اغتيال المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي وعدد من أفراد أسرته في غارة أمريكية إسرائيلية في 28 فبراير، اعتقد كثير من الإيرانيين أن التغيير الذي طال انتظاره قد تحقق أخيرا. إلاّ أن التقارير تكشف أن أيام الرعب التي تلت ذلك قد بددت هذا الأمل، وأجبرت المواطنين على إعادة النظر في التكلفة الباهظة لتغيير النظام.
خلافًا للتوقعات المُبكّرة في الغرب، لم تظهر سوى دلائل ضئيلة على انتفاضة مدنية ضد النظام منذ اندلاع الحرب. وفي الوقت نفسه، أظهر النظام في طهران صمودا قويا. وقد أثار تعيين مجتبى، نجل خامنئي، مرشدا أعلى جديدا، صدمةً لدى العديد من الإيرانيين الذين يخشون استمرار نهج والده المتشدد.
وبينما أيّد بعض المنفيين الإيرانيين البارزين، مثل نجل الشاه المخلوع رضا بهلوي، التدخل العسكري، إلاّ أن هذا التأييد يتضاءل مع تزايد وطأة الواقع المرير للحرب. وبالنسبة للعديد من المواطنين الذين كانوا يأملون سابقا الإطاحة بالنظام، فقد أدّى هذا الواقع المرير إلى تغيير في موقفهم وشعور باليأس.
صحيفة معاريف:
بدون تغيير جذري، قد يتحول الدعم الأمريكي من ركيزة متينة إلى مجرد بادرة حسن نية
يعقوف كاتس: باحث بارز في معهد سياسات الشعب اليهودي
يحق للإسرائيليين أن يفاخروا بالطابع التاريخي للشراكة العسكرية التي ترسخت بين القدس وواشنطن في الحرب ضد إيران. حتى قبل بضع سنوات فقط، كان قليلون يتخيلون مثل هذا التنسيق الاستراتيجي الوثيق.
هناك ميل في إسرائيل للافتراض بأن ما شهدناه في الفترة الحالية - استعداد أمريكا لخوض حرب ضد إيران، والتنسيق الاستخباراتي غير المسبوق، والدعم السياسي الواسع - هو "الوضع الطبيعي الجديد". هذا الافتراض ليس خاطئا فحسب، بل خطير. لم تكن العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل جامدة قط. فعلى مر التاريخ، تأرجحت دائما على مسار دقيق بين التعاون العميق والتوترات والخلافات.
في السنوات الأخيرة، حظيت إسرائيل بدعم واسع من الحزبين في الولايات المتحدة، ولكن علينا اليوم أن ندرك أن الرؤساء الأمريكيين المستقبليين لن يكونوا مثل دونالد ترامب أو جو بايدن. وإذا لم ننتبه للتغيرات في السياسة والمجتمع الأمريكيين، فقد تكون العواقب وخيمة. لم يعد السؤال نظريا حول ما إذا كان الرئيس القادم سيُقدّم مساعدات عسكرية سنوية لإسرائيل. السؤال هو: هل سيوافق الرئيس حتى على إرسال قطع غيار لطائراتنا المقاتلة..؟ بدون قطع الغيار هذه، لا وجود لسلاح الجو، وبدون سلاح الجو، لا قدرة على القتال.
أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة غالوب قبل يومين من الحرب، ولأول مرة منذ عقدين، أن الأمريكيين أبدوا تعاطفا أكبر مع الفلسطينيين مُقارنةً بإسرائيل. وقبل عام واحد فقط، كانت إسرائيل تتمتع بميزة واضحة في هذه القضية. النتائج السياسية باتت واضحة بالفعل. في 17 مارس، ستُجرى الانتخابات التمهيدية في الدائرة التاسعة بشيكاغو لاختيار مرشح الحزب الديمقراطي للكونغرس. تضم شيكاغو جالية يهودية قوامها حوالي 300 ألف نسمة، ويمثل هذه الدائرة عضو كونغرس يهودي منذ عام 1965. ورغم أن اثنين من أبرز المرشحين يهوديان، فإن المنافسة بينهما لا تدور حول من هو الأكثر تأييدا لإسرائيل، بل حول من هو الأكثر انتقادا لها.
تُلاحظ ظاهرة مُماثلة لدى حاكم كاليفورنيا، غافين نيوسوم، الذي يُعتبر من أبرز المرشحين للرئاسة عام 2028. ففي الأسبوع الماضي، وصف إسرائيل بأنها دولة فصل عنصري، واقترح على الولايات المتحدة إعادة النظر في مساعداتها العسكرية لها.
لا يقتصر هذا التراجع على اليسار التقدمي، بل بدأت أصوات مؤثرة في اليمين الجمهوري تُشكك في جدوى هذا التحالف. إذ يُروج مُعلّقون مثل تاكر كارلسون وكانديس إيفانز وغيرهم لرواية مفادها أن إسرائيل عبءٌ على الولايات المتحدة، وأنها تُورِّطها في صراعات لا داعي لها. وقد أظهر استطلاعٌ أجراه مركز بيو للأبحاث أن نصف الجمهوريين دون سن الخمسين ينظرون إلى إسرائيل نظرةً سلبية. وإذا أضفنا إلى ذلك تراجع الدعم التلقائي بين الناخبين الإنجيليين الشباب، يتضح لنا الاتجاه جليا: دعم إسرائيل لا يرتبط بالحزب الحاكم في البيت الأبيض. هذا التغيير يحدث على الصعيدين السياسي والدبلوماسي.
لنتخيل لو أن الولايات المتحدة لم تُساعد إسرائيل في اعتراض الصواريخ الإيرانية خلال حرب السيوف الحديدية، ولو أنها بعد السابع من أكتوبر، لم تُسرّع وتيرة توريد الأسلحة أو تُقدّم حزمة مساعدات بقيمة 14 مليار دولار..؟ من المهم أن نفهم: على عكس ما يقوله بعض السياسيين، التحدي لا يكمن في الدعاية، بل في صدام مباشر بين السياسة الإسرائيلية ومصالح وقِيَم حليفنا الوحيد.
عندما يُنظر إلى إسرائيل على أنها تُقوّض أسس سيادة القانون في الداخل، وتُديم الجمود السياسي في الخارج، فإنها تُضعف "تحالف القيم المشتركة" الذي شكّل ركيزة العلاقات مع الولايات المتحدة لعقود. وبدون تغيير جذري، قد نجد أن الدعم الأمريكي، الذي أنقذنا كثيرا في السنوات الأخيرة، قد يتحوّل من دعم راسخ إلى مجرد بادرة حسن نية، وهذا بدوره رهنٌ بتقلبات السياسة الداخلية.
حرب عالمية في المؤسسة الدفاعية: من أحبط هجوما استباقيا قبل إطلاق حزب الله النار..؟
آفي أشكنازي
بعد الهجمات العنيفة التي وقعت ليلة أمس (الأربعاء)، تُطرح تساؤلات صعبة حول أداء الجيش الإسرائيلي في قتال حزب الله. تشعر المجتمعات الشمالية بالغضب تجاه الجيش الإسرائيلي وتزعم أنه تصرف بشكل غير مسؤول عندما لم يشن هجوما استباقيا ضد حزب الله. ويزعمون أن الجيش الإسرائيلي أخفى معلومات مهمة لحماية السكان. بدأ ضباط الجيش الإسرائيلي بالفعل بتوجيه الاتهامات، حيث انتقد ضباط من القيادة الشمالية وقيادة الجبهة الداخلية والمتحدث باسم الجيش، قرار رئيس جهاز المخابرات العسكرية بمنع الكشف عن معلومات حول الهجوم، حماية لمصدر استخباراتي.
حرب روايات داخل المؤسسة
يزعم جهاز المخابرات العسكرية أن عوامل أخرى أحبطت الهجوم الاستباقي، ويزعم أن رئيس الجهاز حاول الترويج له. لأكثر من ثلاث ساعات، لجأ مليونا نسمة إلى مناطق محمية تمتد من حيفا إلى هضبة الجولان والجليل الأعلى مساء اليوم. رصدت إدارة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية نيّة حزب الله شنّ هجوم ناري مُكثّف على الشمال. اتخذ الجيش الإسرائيلي استعدادات سرّية لمواجهة هذا الهجوم. وأفادت الاستخبارات العسكرية أن حزب الله يعتزم إطلاق مئات الصواريخ على كامل المنطقة الشمالية، بما في ذلك خط يمتد عبر جميع مستوطنات الجليل والجولان ووادي الكاريا وخليج حيفا. وأشارت المعلومات إلى أن الهجوم سيُنفذ باستخدام أنواع مختلفة من صواريخ حزب الله، بالإضافة إلى طائرات مسيّرة.
أصرّ رئيس الاستخبارات العسكرية، اللواء شلومي بيندر، على منع أي تحرك استباقي ضد حزب الله، وأصرّ على عدم إبلاغ الرأي العام بهجوم حزب الله. وقرر الجيش الإسرائيلي عدم الكشف عن مصادره الاستخباراتية، وحثّ الرقيب العسكري، الذي أخطأ، بحسب مسؤولين عسكريين، في تقديراته وقراراته، وحجب معلومات حول الهجوم الضخم الذي شنّه حزب الله.
شعر الجيش الإسرائيلي بالقلق إزاء نشر هذه المعلومات. وأصرّت مديرية الاستخبارات على إبقاء مصدر المعلومات طي الكتمان. ونتيجة لذلك، أرسل الجيش العميد إيفي دوفرين، المتحدث باسمه، ليدلي بنصف الحقيقة، وأدلى بتصريح غير مسؤول، مما أضر بشدة بعلاقة الثقة بين الجمهور والجيش، وخاصة المتحدث باسمه. وقال العميد دوفرين إنه لا يوجد تغيير في السياسة الدفاعية، وأن على الجمهور الالتزام بتعليمات قيادة الجبهة الداخلية. كان من المفترض أن يوضح المتحدث باسم الجيش وجود استعداد لإطلاق نار مُكثّف في الشمال، وأن يُحدّد المنطقة ويُقدّم صورة واضحة للجمهور. لكن الجيش فضّل مواصلة التورط في روايات مُتضاربة.
في الشمال، يسود غضبٌ عارمٌ تجاه أداء هيئة الأركان العامة والقيادة الشمالية وقيادة الجبهة الداخلية، لعجزهم عن ثني اللواء شلومي بيندر عن قراره الخاطئ، الذي أصرّ على التكتم على مصدر المعلومات الاستخباراتية، مُعرّضًا بذلك سكان الشمال للخطر. ويجد رؤساء المستوطنات الشمالية صعوبةً في فهم سبب عدم شنّ الجيش الإسرائيلي هجوما استباقيا قويا بعد الظهر، رغم وجود جميع المؤشرات على هجومٍ مُحتمٍ من حزب الله. كما يعبّرون عن غضبهم لعدم توجيههم السكان مُسبقا للدفاع عن أنفسهم.
أفادت مصادر في الجيش الإسرائيلي أنه خلافا لما ورد في التقرير أعلاه، والذي زعم أن رئيس الاستخبارات العسكرية، شلومي بيندر، منع الهجوم الاستباقي، فإن اللواء بيندر هو من سعى لشن هجوم استباقي ضد حزب الله، لكن طلبه قوبل بالرفض.
ووفقا لمصادر الجيش الإسرائيلي، وصل اللواء بيندر برفقة عدد من ضباط الاستخبارات العسكرية إلى القيادة الشمالية، وقدّم معلومات حول الهجوم المُتوقع من قبل حزب الله. وأوضحت المصادر، أن اللواء بيندر عرض موقفه بالهجوم الاستباقي، لكن طلبه قوبل بالرفض.
معاريف:
إسرائيل تحتفل، وأمريكا غاضبة: فجوة خطيرة قد تُفجّر الشراكة في الحرب على ايران
شلومو شامير
من غير المُتوقع أن تدوم الشراكة بين الولايات المتحدة وإسرائيل في الحرب ضد إيران طويلا. يُجمع تقريبا كبار المُعلقين في واشنطن والدبلوماسيين في مقر الأمم المتحدة بنيويورك على أن هذه الشراكة لن تدوم طويلا. ويُلاحظ التزامٌ هادئ من جانب المُعلّقين المُخضرمين بضبط النفس في تقييماتهم للتطورات المُتوقعة من الرئيس الأمريكي ترامب بشأن موقفه من إسرائيل حيال مسألة استمرار الحرب.
في حديثٍ لم يُكشف عن مصدره، يزعم بعض المُعلقين، استنادا إلى مؤشراتٍ رُصدت في الدائرة المُقرّبة من ترامب، أن الشراكة بين البلدين قد تنتهي بأزمة في العلاقات مع إسرائيل.
وبحسب معلق مُخضرم: في إسرائيل، هناك فتورٌ ملحوظٌ في النشوة التي أعقبت بدء الهجوم المشترك على إيران. وفي أمريكا، لم يكن هناك أي شعور بالنشوة. فمعظم الأمريكيين لم يكونوا راضين عن الحرب منذ البداية، والمعارضة لها تتزايد وتنتشر. كما أظهر استطلاع رأي أجرته رويترز في بداية الحرب أن 27% فقط من الأمريكيين يؤيدون العمل العسكري ضد إيران.
في الوقت نفسه، وبينما يُدلي وزير الحرب الأمريكي بتصريحات حول "تصعيد" الهجمات على إيران، تُنشر استطلاعات رأي تُشير إلى تراجع مُستمر في رضا الأمريكيين عن أداء ترامب، إلى جانب ازدياد عدد الأمريكيين المعارضين للحرب. ويزعم مُعلّقون مُقرّبون من ترامب، أن الرئيس متوتر بشكل خاص بعد استطلاع رأي نُشر على قناة "نيوزماكس"، التي تُعتبر قناته الرئيسية.
يشير الاستطلاع إلى أن ترامب يفقد دعم الناخبين الشباب في أمريكا، وهو الدعم الذي كان حاسماً في ضمان فوزه في الانتخابات الأخيرة. ففي فبراير 2025، أيده 43% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً، لكن الاستطلاع الذي أُجري الأسبوع الماضي أظهر أن دعم ترامب بين هذه الفئة العمرية انخفض إلى 33%، ولا يزال التراجع مستمراً.
كابوس ترامب، هو الهزيمة في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل، وهذا الكابوس قد يحسم قراره بإنهاء الحرب ضد إيران، أي إنهاء الشراكة مع إسرائيل، حتى لو جرّه ذلك إلى أزمة علاقات مع رئيس الوزراء نتنياهو. ووفقا لمحللين في واشنطن، إذا أخذنا في الاعتبار أيضا غضب الأمريكيين من ارتفاع أسعار الوقود وبنزين السيارات، فسيُقرر الرئيس إنهاء الحرب أسرع مما هو مأمول ومُتوقع، لا سيما في إسرائيل.
ويرى المحللون أن وعيا يتنامى بين المُقربين من ترامب بأن إيران ليست فنزويلا، ولا كوبا، ولا حتى غرينلاند. إيران بلد شاسع يبلغ تعداد سكانه قرابة 100 مليون نسمة، عاش لما يقرب من ألف عام تحت حكم ديني متطرف وقمعي لآيات الله وكبار المسؤولين الذين قادوا الحرس الثوري كقوة مُدمرة وقاتلة.
بدأ المُقربون من الرئيس يُدركون ويتقبلون أن فرص حدوث تغيير جوهري في الحكومة الإيرانية ضئيلة للغاية وغير عملية في المستقبل المنظور. ويرى بعض المُعلّقين أن الشراكة بين الولايات المتحدة وإسرائيل في الهجوم المُستمر على إيران ستكون مؤقتة وقصيرة الأجل أكثر مما تتوقعه إسرائيل. ووفقا لمُعلّقين ودبلوماسيين كبار في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، فإن استمرار الشراكة بين ترامب ونتنياهو ليس هو الخطر الوحيد.
إسرائيل تجهل مدى معارضة معظم الأمريكيين للحرب، كما أنها تجهل تراجع شعبية ترامب بين الأمريكيين، بمن فيهم الجمهوريون. ويُحذّر المُعلّقون من أن إسرائيل مُعرّضة لفقدان دعم الرأي العام والمجتمع في الولايات المتحدة، وهو دعم راسخ في تقاليد عريقة.
ويُعرب كبار السن في المجتمع، الذين يشاركون المُعلّقين تقييماتهم المُتشائمة لمستقبل الشراكة، عن قلقهم إزاء استمرار سياسة رئيس الوزراء نتنياهو، وعدم إبدائه أي مؤشر على تغيير حماسه لنجاح هجمات سلاح الجو الإسرائيلي على أهداف في إيران، وعدم تحديده موعدا لإنهاء الحرب.
________________--
موقع زمان اسرائيل":
بين هدف إسرائيلي ومنطق أمريكي
بقلم: عيران كييس
الحرب نظام مُعقّد وغير مُستقر، حيث قد تؤدي أحداث صغيرة إلى تطورات دراماتيكية. تُشنّ الحرب في بيئة يسودها قدر كبير من عدم اليقين، تتشابك فيها القرارات السياسية والتحركات العسكرية وردود الفعل الاجتماعية بطريقة يصعب التنبؤ بها تماما. وبعيدا عن القوة النارية، أو كمية الأسلحة، أو عدد الجنود، تميل الحروب إلى خلق فرص ومخاطر غير متوقعة، وتتطلب أحيانا إبداعا داخل الأُطر القائمة وخارجها.
لا يهدف هذا المقال إلى التنبؤ بكيفية انتهاء الحرب الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من الجهة الثانية، بل يسعى إلى دراسة أحد المحاور المُحتملة للنظام: احتمال أن تكون هذه الحرب موجهة نحو تغيير النظام في إيران، ومناقشة فرصها ومخاطرها وعواقبها.
السؤال المحوري هو ما إذا كان هذا الهدف بالفعل هو جوهر الحرب، وما إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتان تقودان الحملة في تعاون عسكري مُثير للإعجاب، تنظران إلى النتيجة النهائية بالطريقة نفسها. يُطرح هنا جدلٌ مفاده أنه على الرغم من التعاون العميق بين البلدين، فإنهما لا يتشاركان بالضرورة الهدف الاستراتيجي نفسه.
بدأت الحملة بضربةٍ قويةٍ للنظام الإيراني، تمثلت في اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وإلحاق ضررٍ بالغٍ بالقيادة العليا. وإلى جانب ذلك، فإن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اللذين خاطب كلٌ منهما الشعب الإيراني بأسلوبه ولغته الخاصة، مؤكدين أن هذه "فرصة تاريخية"، وضعت الحرب في سياقٍ أوسع، ضمن حملةٍ تهدف إلى الحسم، بل وحتى تغيير النظام. ولكن هل يُمثل هذا الهدف بالفعل محور استراتيجية كلا الجانبين..؟
لفهم ما إذا كانت الحرب تهدف فعلاً إلى تغيير النظام في إيران، لا بد من دراسة مصالح ومنطق الاستراتيجيات لدى الأطراف الرئيسية المشاركة فيها.
إن هذه الحملة لا تُشن بين طرفين فقط، بل ضمن منظومةٍ معقدةٍ لكل طرفٍ فيها هدفٌ مختلف، وتصورٌ مختلفٌ للمخاطر، وأفقٌ استراتيجيٌ مختلف. يُتيح تحليل الأطراف الأربعة الرئيسية، الولايات المتحدة وإسرائيل والنظام الإيراني والشعب الإيراني، فهما أعمق لكيفية تأثير تفاعلهم على نتائج الحرب.
اللاعب الأول: الولايات المتحدة: بين إضعاف إيران وتحويل الأنظار إلى الصين
من وجهة نظر أمريكية، لا تُعدّ إيران مجرد منافس إقليمي، بل جزءا من صراع أوسع بين القوى. ففي السنوات الأخيرة، صنّفت واشنطن الصين باعتبارها التحدي الرئيسي للهيمنة الأمريكية، وتجمع استراتيجيتها بين تدابير اقتصادية وسياسية وعسكرية تهدف إلى الحفاظ على مكانة الولايات المتحدة في النظام الدولي. وعلى الصعيد الاقتصادي، تشمل السياسة الأمريكية فرض تعريفات جمركية، ومحاولة إعادة بعض سلاسل الإنتاج إلى الولايات المتحدة، ونقل جزء من الإنتاج العالمي من الصين إلى دول أخرى، ولا سيما الهند.
أمّا على الصعيدين الجيوسياسي والعسكري، فتعمل واشنطن على تعزيز تحالفاتها الإقليمية، مثل تحالف أوكوس، وتسعى إلى تقليص مشاركتها في الحروب الطويلة في الشرق الأوسط، بهدف توجيه الموارد والطاقة الاستراتيجية نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وفي هذا السياق الأوسع، لا يُنظر إلى إيران في واشنطن كخصم إقليمي فحسب، بل كجزء من تحالف جيوسياسي أوسع يربط موسكو وبكين وكوريا الشمالية، ويتحدى النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة. لذلك، فإن إضعاف إيران، سواء كفاعل إقليمي مُستقل أو كحلقة وصل ضمن هذا المحور، قد يضر بقدرة خصوم الولايات المتحدة الاستراتيجيين على المناورة، ويسهم في الحفاظ على الهيمنة الأمريكية.
مع ذلك، من وجهة نظر أمريكية، لا يستلزم إضعاف إيران بالضرورة انهيار النظام بالكامل. فالفوضى الداخلية أو الحرب الأهلية في بلد ذي أهمية جيوسياسية بالغة كهذه قد تُحدث زعزعة استقرار إقليمية عميقة، تؤثر على شركاء تجاريين رئيسيين، كالإمارات العربية المتحدة والهند والمملكة العربية السعودية، وتُعيد الولايات المتحدة إلى انخراط طويل الأمد في الشرق الأوسط. قد يتعارض هذا السيناريو مع هدف واشنطن الاستراتيجي الرئيسي في السنوات الأخيرة: توجيه الاهتمام والموارد نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ومواجهة التحدي الصيني.
لذا، من وجهة نظر الولايات المتحدة، لا تتمثل النتيجة المُثلى لهذه الحملة بالضرورة في الانهيار التام للنظام الإيراني، بل في إضعافه إلى حدٍّ يُقلّل من قدرته على تقويض النظام الإقليمي وتعاونه مع خصوم واشنطن العالميين، دون خلق فراغ حكومي يُجبر الولايات المتحدة على العودة والانخراط بشكل أعمق في ساحة الشرق الأوسط.
الطرف الثاني "إسرائيل": إزالة تهديد وجودي وتشكيل النظام الإقليمي
"إسرائيل" حليف استراتيجي للولايات المتحدة، لكنها "دولة" ذات سيادة تعمل وفق مجموعة مصالح مُختلفة عن تلك التي تعمل بها القوى العالمية. فبينما تعمل الولايات المتحدة ضمن توازن قوى عالمي واسع وتسعى إلى تخصيص مواردها بما يتناسب مع التحدي الصيني، تعمل "إسرائيل" ضمن نظام إقليمي غير مُستقر، حيث يمكن أن تُصبح التغيرات الجيوسياسية تهديدا مباشرا لأمنها.
في نظر "إسرائيل"، لا تُعد إيران مُجرّد خصم إقليمي، بل مصدرا لتهديد استراتيجي مُتعدد الأوجه. فإلى جانب برنامجها النووي، تشمل أيضاً نظاماً واسعاً من المنظمات الوكيلة، بما في ذلك حزب الله في لبنان، والميليشيات الشيعية في العراق وسوريا، والمنظمات الفلسطينية التي تدعمها طهران. وعلى مدى العقدين الماضيين، سعت إيران جاهدةً لبناء "منظومة ردع إقليمية" حول "إسرائيل"، مُعتمدةً على قوات وكيلة وقدرات صاروخية متطورة.
ورغم نجاح "إسرائيل" خلال العامين الماضيين في إضعاف "منظومة الردع الإيرانية"، فإن الحملة الإسرائيلية ضد إيران لا تُعتبر مجرد صراع على موازين القوى الإقليمية، بل صراعًا يمسّ أمنها نفسه.
ومن هذا المنظور، لا يكفي إضعاف إيران فقط. يتمثل أحد الأهداف الاستراتيجية الرئيسية لـ"إسرائيل" في تقويض قدرة إيران على ممارسة ضغط إقليمي مُستدام، حتى لو استلزم ذلك تغييرا جذريا في نظامها السياسي. وهنا تبرز الفجوة بين المنطق الاستراتيجي الإسرائيلي والأمريكي. فبالنسبة لـ"إسرائيل"، قد يُنظر إلى انهيار النظام الإيراني أو إضعافه بشكل كبير على أنه فرصة لإزالة تهديد طويل الأمد. في المقابل، من وجهة نظر أمريكية، قد يُؤدي هذا السيناريو إلى فراغ في السلطة في دولة محورية في الشرق الأوسط، وإلى فوضى إقليمية واسعة النطاق.
قد يؤدي هذا الوضع إلى زعزعة استقرار دول الخليج، والإضرار بخطوط الطاقة العالمية، وإجبار الولايات المتحدة على العودة إلى التدخل العميق في المنطقة، وهو السيناريو الذي سعت السياسة الخارجية الأمريكية إلى تجنبه في السنوات الأخيرة. لذا، ورغم أن الحرب تُدار حاليا بتنسيق عسكري وثيق بين "إسرائيل" والولايات المتحدة، فإن الأهداف الاستراتيجية للبلدين قد لا تتطابق تماما. فبينما قد ترى "إسرائيل" في انهيار النظام الإيراني نتيجة مرغوبة، بل وضرورية، قد تُفضّل الولايات المتحدة نتيجة تُقلّل من نفوذ النظام الإيراني دون إحداث زعزعة استقرار إقليمية عميقة.
الطرف الثالث: النظام الإيراني.. آلية بقاء مُعقّدة
يقوم النظام الإيراني على منظومة مؤسسية مُعقّدة تشمل المؤسسة الدينية، وأجهزة الدولة، والحرس الثوري. ورغم مركزية المرشد الأعلى، فقد بُني الهيكل السياسي للجمهورية الإسلامية منذ البداية بحيث يُمكنها البقاء حتى في أحلك الأزمات. سلطة المرشد الأعلى واسعة النطاق، فهو القائد الأعلى للقوات المسلحة والمُشرف على مؤسسات الدولة، إلاّ أن النظام نفسه يعتمد على شبكة من المؤسسات تضمن استمرارية الحكم حتى في حال وجود فراغ مؤقت في قمة القيادة.
صُمم هذا الهيكل المؤسسي، الذي تتداخل فيه صلاحيات المؤسسات الدينية والسياسية والأمنية، في الأصل لمنع انهيار النظام في حال فقدان القيادة المركزية. ويُشكل مجلس الخبراء ومجلس صيانة الدستور والقضاء والأجهزة الأمنية معاً شبكة من مراكز القوة التي تُمكّن النظام السياسي من مواصلة العمل حتى في ظل ظروف عدم الاستقرار.
لذا، فحتى ضربة للقيادة العليا، لا تضمن انهيار النظام. فمؤسسات الدولة نفسها تستمر في العمل، حتى وإن كانت تحت ضغط. لم يحدث انتقال للقيادة في إيران إلاّ مرّة واحدة منذ ثورة 1979، لكن النظام عمل على مرّ السنين على بناء آليات استمرارية تسمح بهذا الانتقال دون تقويض أسس النظام.
في هذا السياق، يضطلع الحرس الثوري بدور محوري. فعلى مدى العقود الأربعة الماضية، تحوّل من قوة عسكرية ثورية إلى مركز نفوذ سياسي وأمني واقتصادي، يتمتع بنفوذ عميق على البلاد. وفي حال حدوث فراغ سياسي، قد يصبح الحرس الثوري اللاعب الرئيسي الذي سيُحدد موازين القوى الداخلية، بل وربما يستولي على أجهزة الدولة. وقد يُفضي هذا السيناريو إلى انتقال تدريجي من نظام ثيوقراطي قائم على السلطة الدينية إلى نظام ذي طابع عسكري. وفي هذه الحالة، قد يتبنى النظام السياسي الإيراني نموذجا مشابها لأنظمة استبدادية أخرى في المنطقة، حيث تستمر المؤسسات المُنتخبة في الوجود، لكن سلطتها تتآكل لصالح الأجهزة الأمنية.
مع ذلك، حتى في حال حدوث انقلاب عسكري، فإن ذلك لا يضمن تغييرا جذرًا في السياسة الاستراتيجية الإيرانية. فقد يستمر النظام الخاضع لسيطرة الحرس الثوري في تبني نهج مُناهض للغرب بشدة، مع محاولته الحفاظ على شبكة المنظمات الوكيلة والبرنامج النووي، حتى وإن كان ذلك في ظل قيود أشد.
بالنسبة لـ"إسرائيل"، تُعدّ هذه النتيجة إشكالية، إذ لا تضمن تغييرا جذرًا في السياسة الإيرانية، بل قد تؤدي إلى نشوء مراكز تهديد جديدة. مع ذلك، من وجهة نظر أمريكية، قد تكون هذه النتيجة أكثر قبولا، نظام إيراني ضعيف، مُنشغل بشؤونه الداخلية، ومحدود القدرة على التحرك في الساحة الإقليمية، وهو وضع يسمح لواشنطن بتوجيه اهتمامها الاستراتيجي نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
الطرف الفاعل الرابع: الشعب الإيراني.. بين الاحتجاج والقمع
شهد المجتمع الإيراني في العقود الأخيرة موجات متكررة من الاحتجاجات ضد النظام، نابعة من مزيج من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. من احتجاجات عام ٢٠٠٩، مرورا باحتجاجات عام ٢٠١٩، وصولا إلى الموجة الأخيرة من الاحتجاجات التي بدأت أواخر عام ٢٠٢٥، تظاهرت قطاعات واسعة من الشعب الإيراني ضد النظام السياسي والوضع الاقتصادي. مع ذلك، في كل مرة، نجح النظام في قمع الاحتجاجات.
إن القمع العنيف للاحتجاجات ليس صدفة، بل هو جزء من آلية أساسية لبقاء الجمهورية الإسلامية. فعلى مرّ السنين، تمكن النظام الإيراني من الحفاظ على حكمه من خلال مزيج من المؤسسات السياسية، وأجهزة الأمن الموالية له، والسيطرة المُحكمة على المجال العام. وفي حالات الأزمات، تميل الأجهزة الأمنية إلى التصرف بحزم شديد لمنع انتشار الاحتجاجات التي قد تهدد استقرار النظام.
اليوم، وفي ظل الضغوط غير المسبوقة التي تتعرض لها مؤسسات النظام، وتضرر بعض أفراد قيادته جراء الهجمات الإسرائيلية والأمريكية، ثمة احتمال لاندلاع موجة جديدة من الاحتجاجات في الشوارع الإيرانية. لكن على عكس موجات الاحتجاجات السابقة، قد يأتي الاضطراب هذه المرة من كلا الجانبين: من جهة، معارضو النظام الذين يسعون لاغتنام الفرصة لتقويض حكمه، ومن جهة أخرى، مؤيدو النظام والقوى الموالية له الذين يسعون لحمايته. قد يؤدي هذا الوضع إلى تصعيد داخلي حاد. إذا لم تُقمع الاحتجاجات سريعا، فقد تتصاعد الاشتباكات بين المعسكرات المتنافسة داخل المجتمع الإيراني إلى صراع عنيف أوسع، بل وحتى حرب أهلية.
قد ترى "إسرائيل" في هذا التطور فرصةً لتقويض أسس النظام الإيراني. إلاّ أنه من وجهة نظر الولايات المتحدة، فإن سيناريو الانهيار الداخلي دون وجود حكومة بديلة واضحة قد يُحدث فراغا خطيرا في قلب منطقة ذات أهمية جيوسياسية بالغة. وقد يُهدد هذا الوضع استقرار دول الخليج، وممرات التجارة والطاقة في المنطقة، بل وقد يُجبر واشنطن على العودة إلى الانخراط العميق في الشرق الأوسط في وقت تسعى فيه إلى تحويل تركيزها الاستراتيجي نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
بناءً على ديناميكيات التفاعل بين الأطراف الأربعة الرئيسية، يمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات رئيسية لتطور الحرب:
1. الحفاظ على النظام ولكن في حالة ضعف
في هذا السيناريو، يتمكن النظام السياسي الإيراني من إعادة تنظيم نفسه بعد الهجوم على القيادة العليا، وتنجح مؤسسات النظام، بقيادة الحرس الثوري، في تثبيت النظام ومنع انهيار البلاد، وتستمر إيران في الوجود في ظل نفس البنية السياسية الأساسية، ولكن في حالة ضعف عسكري واقتصادي وإقليمي.
في هذا السيناريو، ينجح النظام السياسي الإيراني في إعادة تنظيم نفسه بعد الهجوم على القيادة العليا. ومن أهم تبعات هذا السيناريو انخفاضٌ كبير في قدرة إيران على ممارسة ضغوط إقليمية عبر شبكة منظماتها الوكيلة. وستُجبر إيران على التركيز على إعادة بناء نظامها الداخلي وتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي.
من وجهة نظر أمريكية، يُمكن اعتبار هذا السيناريو نتيجةً مرغوبةً نسبيا. فإيران تضعف، لكن دون انهيارٍ للدولة يُؤدي إلى فوضى إقليمية. يُتيح هذا الوضع للولايات المتحدة الحدّ من نفوذ إيران في الساحة الإقليمية، دون الانجرار مجددا إلى انخراطٍ عميق في الشرق الأوسط. أمّا بالنسبة لـ"إسرائيل"، فهذه نتيجة جزئية فقط. صحيحٌ أن النظام الإيراني يضعف، لكن التهديد الاستراتيجي الأساسي قد يبقى قائما على المدى البعيد.
٢. سيطرة الحرس الثوري
في هذا السيناريو، يُؤدي تضرر قيادة النظام إلى انتقالٍ تدريجي للسلطة من المؤسسة الدينية إلى الأجهزة الأمنية. وقد يُسيطر الحرس الثوري، الذي يُشكّل بالفعل قوةً مركزيةً في النظام السياسي والاقتصادي الإيراني، فعليا على أجهزة الدولة ويُحوّل النظام السياسي إلى نظامٍ ذي طابعٍ عسكريٍ أكبر. قد يُؤدي هذا السيناريو إلى إيران أكثر مركزيةً وتشددا داخليا، ولكنه قد يُؤدي أيضا إلى دولةٍ تُواجه صعوبةً في استعادة نفوذها الإقليمي بسرعة. وقد يكون النظام الذي يعتمد كلياً على قوات الأمن مُستقراً على المدى القصير، لكن قدرته على بسط نفوذ إقليمي واسع ستكون محدودة.
بالنسبة للولايات المتحدة، قد يكون هذا السيناريو مقبولاً، نظام إيراني معادٍ لكنه ضعيف، يجد صعوبة في بسط نفوذه الإقليمي. أمّا بالنسبة لإسرائيل، فالوضع أكثر تعقيداً. فمن جهة، قد تكون إيران أضعف على الساحة الإقليمية، ومن جهة أخرى، قد يكون النظام العسكري الذي يسيطر عليه الحرس الثوري أكثر تطرفاً وعدوانية.
3. انتفاضة داخلية وحرب أهلية
السيناريو الثالث هو الأكثر تطرفاً. فمزيج من الضغط العسكري الخارجي، وضربة للقيادة العليا، واندلاع احتجاجات داخلية، قد يؤدي إلى انهيار النظام السياسي القائم وتفاقم الصراع الداخلي بين مراكز القوى المختلفة في البلاد. وفي مثل هذه الحالة، قد تندلع اشتباكات بين مؤيدي النظام ومعارضيه، إلى جانب صراعات على السلطة بين قوات الأمن نفسها، ومُختلف الجماعات السياسية، وحتى الأقليات العرقية. وقد تكون النتيجة فترة طويلة من عدم الاستقرار، بل وحرباً أهلية.
بالنسبة لـ"إسرائيل"، قد يُنظر إلى هذا السيناريو كفرصة استراتيجية، حيث تجد إيران، الغارقة في أزمة داخلية عميقة، صعوبة في ممارسة ضغط إقليمي أو تشكيل تهديد مباشر. ومن جهة أخرى، يُعدّ هذا السيناريو، من وجهة نظر أمريكية، الأكثر خطورة. فانهيار دولة ذات ثقل جيوسياسي كبير كهذا قد يُزعزع استقرار الشرق الأوسط برمّته، ويُلحق الضرر بخطوط الطاقة والتجارة العالمية، ويُجبر الولايات المتحدة على العودة إلى انخراطها العميق في المنطقة.
خلاصة
تُظهر الحرب الحالية مستوى عالٍ من التنسيق العملياتي بين "إسرائيل" والولايات المتحدة. ومن منظور عسكري، يُعدّ هذا تعاونا وثيقا، يكاد يكون تكافليا. إلّا أن وراء هذا التعاون العملياتي فجوة استراتيجية أعمق. بالنسبة لـ"إسرائيل"، تُعتبر الحرب مع إيران جزءا من صراع طويل الأمد لإزالة تهديد وجودي وتغيير موازين القوى الإقليمية. ومن هذا المنظور، قد يُنظر إلى انهيار النظام في طهران على أنه نتيجة مرغوبة، بل وهدف استراتيجي.
أمّا الولايات المتحدة، فتعمل ضمن منظومة عالمية أوسع. بالنسبة لـ"إسرائيل"، قد يكون إضعاف إيران والحد من قدرتها على تقويض النظام الإقليمي كافيا، طالما لا يؤدي ذلك إلى فوضى إقليمية تُجبر واشنطن على إعادة تركيز اهتمامها على الشرق الأوسط بدلا من توجيه اهتمامها الاستراتيجي نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
بهذا المعنى، قد لا تكون الحرب الحالية حربا لإسقاط النظام في إيران، بل حملة تهدف إلى إضعافه. ولا يضمن التعاون العسكري القوي بين "إسرائيل" والولايات المتحدة بالضرورة تعاونا استراتيجيا كاملاً. هذا يعني أن الحملة المهمة والحيوية ضد إيران تستحق منظورا أكثر تعقيدا مما يُطرح أحيانا في الخطاب العام. وحتى لو كان أي نتيجة تؤدي إلى إضعاف إيران أفضل من نظام إيراني قوي، فإن الديناميكيات الاستراتيجية للحملة قد تكشف في المستقبل عن توترات، بل وحتى فجوات، بين أهداف "إسرائيل" وأهداف الولايات المتحدة.
Sent from my iPhone


الصفحات
سياسة









