الانقسام الداخلي أضعف القضية الفلسطينية وضاعف هموم قطاع غزة



غزة - أكمل الانقسام الفلسطيني الداخلي في حزيران/يونيو الماضي عامه الثالث عشر وسط تداعيات سياسية عاصفة يواجهها الفلسطينيون وقضيتهم.


ويتحسر الفلسطيني سعيد فتوح وهو في نهاية الخمسينات من عمره من سكان مدينة غزة، من أنه فقد كل أمل ممكن في قدرة فعلية للجيل الحالي من القادة الفلسطينيين في تحقيق مصالحة جدية تنهي الانقسام الداخلي. ويردد فتوح الذي يدير متجرا لبيع المواد الغذائية في غزة، متهكما بأن الانقسام الداخلي المستمر منذ منتصف عام 2007 "لن ينتهي قبل يوم القيامة"، مضيفا "إننا نتنازع على سلطة واهية وقادتنا لا يريدون استيعاب ذلك". وبدأ الانقسام الداخلي بعد سيطرة حركة حماس ذات التوجهات الإسلامية على قطاع غزة بالقوة بعد جولات اقتتال مع القوات الموالية للسلطة الفلسطينية التي تهيمن عليها حركة فتح وتتخذ من الضفة الغربية مقرا لها. وتجمع الأوساط الفلسطينية على أن الانقسام شكل أخطر تراجعا للوضع الفلسطيني برمته وشتت جهود مواجهة إسرائيل ودعم مساعي المطالبة بإقامة دولة فلسطينية مستقلة. لكن تلك الأوساط تؤكد أن خطر الانقسام تضاعف مع وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وبدء ترويجه لطرح صفقة القرن الساعية لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بما تضمنته من قرارات استباقية يراها الفلسطينيون مجحفة لهم. ويعتبر أسامة الشريف وهو طالب جامعي من جنوب غزة أن صفقة القرن "بدأ التمهيد لها مع بدء الانقسام الداخلي وعمل ترامب فقط على تطبيق الشق السياسي على أرض الواقع" ملقيا باللائمة على قادة الفصائل الفلسطينية. ويقول الشريف إنه يخطط للهجرة خارج فلسطين فور انتهاء دراسته لأنه "لا مستقبل لشعب تحت الاحتلال ويعاني من كل هذا الانقسام الداخلي بما يسببه ذلك من ضعف شامل". وطوال سنوات الانقسام الفلسطيني تم إبرام عدة اتفاقيات برعاية مصرية ودول عربية وإسلامية أخرى لكن تنفيذها جميعا وصل إلى طريق مسدود بفعل خلافات حركتي فتح وحماس. وتجمدت عمليا مساعي المصالحة منذ حادثة استهداف موكب رئيس الوزراء الفلسطيني السابق رامي الحمد الله، في قطاع غزة خلال شهر آذار/مارس 2018 والتي شكلت صدمة للشارع الفلسطيني وأصابت جهد تحقيق المصالحة في مقتل. إذ جاءت الزيارة في حينه بعد إتمام اتفاق بين حركتي فتح وحماس برعاية مصرية في القاهرة قبل ذلك بخمسة أشهر ونص على تسليم السلطة مهامها في وزارات ومؤسسات ومعابر قطاع غزة. واتهمت السلطة حماس بالمسؤولية عن تفجير موكب الحمدالله ونفت الحركة الإسلامية ذلك. ومع عودة تجمد مساعي المصالحة ظلت لغة تبادل الاتهامات ومسؤولية إفشال المصالحة المسيطرة على الحركتين. لكن رفض صفقة القرن الأمريكية وما تضمنته من قرارات مثل اعتراف واشنطن بالقدس عاصمة لإسرائيل شكل واحدة من لحظات التوحد النادرة بين فتح وحماس وأظهر موقفا سياسيا مشتركا للفلسطينيين. إذ توحد الفلسطينيون في الرفض العلني للصفقة الأمريكية بما في ذلك ورشة عمل عقدتها الإدارة الأمريكية مؤخرا في البحرين لبحث الجوانب الاقتصادية في صفقتها المتوقع طرحها –بعد تأجيلها في عدة مناسبات - مع نهاية العام الجاري. ورغم هذا التوحد فإن فتح وحماس وبقية الفصائل لم تعقد أي اجتماع لبحث اتخاذ خطوات مشتركة في مواجهة صفقة القرن الأمريكية وما تعتبره خطرا يستهدف تصفية القضية الفلسطينية. ولا يتردد المحلل السياسي من غزة أكرم عطا الله في توجيه لوما كبيرا للفصائل والقيادات الفلسطينية وما يعتبره "قصور السياسة لديهم وإدارتها" في مواجهة إسرائيل والإدارة الأمريكية. ويعلق عطاالله بكثير من الحسرة "لقد استنزفنا أنفسنا في الصراعات الداخلية وخارت قوانا، وأخشى أننا فقدنا ما تبقى من احتياط القوة لصراعنا الرئيسي، وعلينا أن نعترف أن الصراعات الداخلية كانت على حساب مشروعنا بعد تشتت القادة السياسيين ". ويضيف "هذا هو واقعنا وعلينا الاعتراف أننا بهذا الشكل لا نواجه صفقة القرن ولا تداعيات ورشة أصغر من البحرين إلا إذا اعتبرنا أننا بالصوت ممكن أن نهزمهم". ويتفق الأكاديمي الفلسطيني من رام الله علي الجرباوي بالحاجة الماسة للفلسطينيين لخطوات فعلية تنهي انقسامهم الداخلي قبل أن يتحول تصفية قضيتهم وحقوقهم إلى واسع عملي ملموس. ويقول الجرباوي إنه حتى يحافظ الفلسطينيون على ما تبقي من قضيتهم "فإن المطلوب معروفٌ وواضح ويتم التعاطي بشأنه يومياً، في الندوات والورشات والمؤتمرات والمقالات، كما وعلى وسائط التواصل الاجتماعي.. يجب إنهاء الانقسام واستعادة وحدة الموقف الفلسطيني". ويتابع "تتلخص المسألة برمتها فلسطينياً بالآتي: هل تتوفر لدى الأطراف السياسية الرغبة والقدرة على التنحي عن مجرد جانب من المصالح الشخصية والارتقاء إلى مستوى التفكير والعمل بموجب الصالح العام؟ وهل بالإمكان السمو على جزء من الدوافع والمنافع الفصائلية المستحكمة حالياً وإيلاء بعض الاهتمام للمستوى الأعلى المُتمثّل بالمصلحة الوطنية العليا؟ هذا هو الموضوع... وهذا هو الأساس الآن". وإلى جانب التداعيات السياسية للانقسام الفلسطيني، فإنه ترك آثارا هائلة في قطاع غزة الذي يعاني من حصار إسرائيلي مشدد تزامن مع بدء الانقسام وتقول منظمات دولية إنه حول حياة مليوني نسمة هم سكان القطاع إلى جحيم. ويعاني سكان قطاع غزة من نقص في الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه ومشاريع البني التحتية فضلا عن تشويش مجرى التحويلات الطبية لآلاف المرضى بحاجة إلى العلاج الطبي خارج قطاع غزة منذ آذار/مارس 2017 في أعقاب تعليق السلطة الفلسطينية دفع التمويل اللازم مقابل هذه الخدمة. ويعتبر مدير شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية ماجد الشوا أن الانقسام الفلسطيني الداخلي شكل انتهاكا لحق سكان غزة في توفير حياة كريمة لهم وحولهم إلى ضحية تجاذبات سياسية لا ترعي أي مصلحة لهم. ويشير الشوا إلى أن انقسام الخدمات المدنية الفلسطينية أدى إلى الحد من قدرة المؤسسات المحلية في قطاع غزة على تقديم الخدمات الأساسية والاستجابة لحالات الطوارئ وإنفاذ سيادة القانون، مما زاد من معاناة السكان. ويضيف "في أعقاب سيطرة حماس على غزة، وضع المانحون الرئيسيون شروطا أو خفضوا تمويلهم للمشاريع الإنسانية والإنمائية في غزة، وأدت القيود التي تفرضها قوانين مكافحة الإرهاب في بلدانهم الأصلية، إلى جانب سياسة عدم الاتصال مع حماس التي فرضتها بعض الجهات المانحة، إلى زيادة تقييد حيز العمل لدى المنظمات غير الحكومية الدولية في القطاع". وأدى التدهور الإنساني الشديد لسكان غزة وتكرار جولات توتر ميداني بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل -على خلفية مسيرات العودة الشعبية للمطالبة برفع الحصار- إلى تدخل متكرر بشكل دوري لوسطاء من مصر وقطر والأمم المتحدة. ويتم ذلك ضمن محاولات لتعزيز وقف إطلاق النار والهدوء في غزة مقابل تسهيلات من إسرائيل للحصار المفروض على القطاع. إلا أن مراقبين يدفعون بفشل هذه التفاهمات في ظل ضعف الموقف الفلسطيني والانقسام الداخلي وتهرب إسرائيل المتكرر من الالتزام بها. ويقول مدير صحيفة "الاقتصادية" من غزة محمد أبوجياب إن "التجارب أثبتت أن غزة لن تحصل من إسرائيل على ما هو أكثر من الواقع الحالي، ولن تستطيع حكومة حماس في غزة تقديم أفضل مما تقدم للسكان". ويضيف أبو جياب "أن الاستمرار في هذا الوضع لا يعني إلا المزيد من الانهاك للمجتمع الفلسطيني واستنزاف مقومات الصمود وخسارة كل ما لديه وهو ما يجب أن يتوقف". خلال لقاء مع صحافيين في غزة، صرح مسؤول وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" في القطاع "ماتياس شمالي" بأن المنظمة الدولية "ترصد تفاقما خطيرا في حدة المشكلات الاجتماعية" بين سكان غزة. وذكر شمالي أن "الوضع الاقتصادي والاجتماعي في غزة يستمر في التغير إلى الاسوأ بسبب دخول العام الثالث عشر للحصار الإسرائيلي"، مضيفا "نشعر بالقلق البالغ حول التآكل الحاصل في غزة والمشاكل الاجتماعية، ومراكزنا الصحية ترفع تقارير تتعلق بزيادة حالات الاكتئاب والانتحار والحالات النفسية وتعاطي المخدرات". والرغبة بإنهاء الانقسام الداخلي شعار دائم الحضور في خطابات الزعماء الفلسطينيين على مختلف توجهاتهم لكن الرأي العام الفلسطيني يخشى أن الحديث عن المصالحة تحول إلى مجرد وعود وهمية لا رصيد لها على أرض الواقع.

عماد عبد الموجود
الجمعة 12 يوليوز 2019


           

تعليق جديد
Twitter

سياسة | ثقافةوفنون | عيون المقالات | مجتمع | تحقيقات | منوعات | أقمار ونجوم | أروقة التراث