يحمل مالك بيده اليسرى مقبض الجيتار، وبيده اليمنى ريشته، ويجلس بجانب الطّفلة المصابة بالسّرطان زينب، ويعزف لها قائمة الأغنيات التي طلبتها منه. يطلب منها مالك النّهوض من السّرير فتحاول دون جدوى، ويواصل هو العزف فتغادر وسادتها ساندة كتفها الصّغير على ذراعه.
يقول مالك لـوكالة الأنباء الألمانية(د.ب.أ) "يوما ما كنت واحدا ممن كانوا يئنون هنا... كنت أحد الصارخين من الألم في نفس هذا المكان الذي قررت ألّا انفصل عنه رغم أن الله كتب لي الشفاء من هذا المرض اللعين".
يقول مالك إن بدايته مع هذا المرض كانت منذ عامين عندما قال له الطبيب الذى تولى فحصه "قد تفقد ذراعك...اكتشفنا ورما خبيثا بذراعك اليمنى ولا نعرف مدى عمقه في العظم".
لم يتلق الشّاب وقتها الخبر بصدمة المراهق اليافع ذي الـ16 ربيعا، وردّ على الطّبيب قائلا " الذراع التي تقتلني لن أحزن على فقدانها".
ووصف مالك حالة التّوجس التي عاشها لحظة دخوله غرفة العمليات ، وقال "كنت قد اطّلعت على تفاصيل عمليتي وقرأت كل شيء عن مرضي... طلبت من طبيبة التّخذير ألّا تنومني قبل أن أرى طبيبي الذي تابع حالتي البروفيسور زوبير قارة وأتأّكد أنّه هو من سيقوم بالعملية".
وقال مالك لــ" د.ب.أ" إنه بعد خروجه من غرفة العمليات إلى غرفة الإنعاش وجد ذراعه لا تزال في مكانها، فقد قرّر الجراح المحافظة عليها واقتطاع ثلثي العظم وتعويضه بقضيب طبي.
وأضاف مالك "أوّل ما بحثت عنه بعد استيقاظي من "البنج" هو "الجيتار"، الذي لم تكن له علاقة به قبل مرضه؛ حيث يقول الممرض دا الحسين إن مالك" بدأ تعلّم العزف في أوّل جلسة علاج كيماوي"، ويستغرب هذا الممرض الذي يتقن العزف بسبب ماضيه الموسيقي، حيث كان يعمل في أحد الفرق الغنائية الشّهيرة بالجزائر من سرعة مريضه على التّعلم.
يصف مالك علاقته بـالجيتار، قائلا "هي من أنقذني، كنت أنسى الألم حين أحملها، رغم أنّ يدي مريضة إلّا أنها صاحبت هذه الآلة الموسيقية، لم يترك الجيتار مكانا لليأس في نفسي، كنت دائم العزف". ويلقب الأطباء مالك بـ"البهجة المتنقّلة"، وكانوا يطلقون على غرفته في المستشفى "قاعة الحفلات".
يحكي مالك عن تساقط شعره بعد علاج الكيماوي ويقول "طلبت من أختي الصّغيرة التي لم يتجاوز عمرها 10 سنوات، أن ترسم على رأسي ما تشاء بآلة الحلاقة"، يواصل "لم أتأسف للحظة على سقوطه... فكل شيء يهون أمام استرجاع عافيتي، حياتي أغلى من الشّعر ومن عضو مريض".
تروي والدة مالك قصة صراعه مع المرض، وتقول "تفتخر بعض الأمهات بأبنائها الذين يحصدون ميداليات ذهبية في مسابقات دولية في مجالات ألعاب القوى والمصارعة ومن يهزمون فرقا كروية قوية ولكنّي أفتخر بابني لأنّه هزم أقوى خصم قد يواجهه الإنسان وهو الموت".
وحصل مالك على شهادة اتمام التعليم الثانوي، رغم استمرار المتابعة الطّبية واختار مجالا قريبا من الطّب، ليسمح له بدخول المستشفى في أي وقت، فقد قرّر تكريس حياته لإسعاد المرضى وتغيير نفسياتهم. ويقضي مالك معظم وقته بين أطفال السّرطان، حيث يتحرّك الجميع من على الأسرة عندما يسمعون عزفه وهو يسير بين الغرف فى المستشفى معلنا وصوله.
يعتبر مالك السّرطان مرضا مثل باقي الأمراض و يشبّهه بالأنفلونزا الحادة ويقول" إما أن تستسلم له فيقتلك أو تقرّر أن تحارب حتى آخر نفس". لا ينسى هذا الشّاب فضل والده عليه في تجاوز الخطر، و يقول"لم ألحظ ضعف والدي يوما، كان يجعل كل مرحلة صعبة هيّنة، دور الوالدين لا يمكن تجاهله في الظّفر بمعركة المرض الخبيث".
يحرص مالك اليوم على أن يكون سند مرضى السّرطان، حيث يحرص هو وأفراد عائلته على التردد على مستشفى مصطفى باشا بالجزائر العاصمة لعرض خدماتهم ، ويساعد مالك بعلاج المرضى بالموسيقى لأنه يعتقد أن نفسية المصاب سر تجاوز محنة الورم الخبيث، ويقول " إننى ممتن للقدر فالسرطان علمني المعنى الحقيقي للحياة في وقت مبكر".


الصفحات
سياسة









