. 
قدّم الشرع في جوهر الطرح مقاربة تقوم على ما وصفه بالاستقرار عبر الحلول السياسية والاقتصادية بدل الأدوات العسكرية، مع التشديد على الحوار مع مختلف القوى اللبنانية بما فيها “حزب الله”، باعتباره مدخلًا لتخفيف التوترات بدل الذهاب إلى المواجهة.
هذا الطرح يعكس محاولة لإعادة تعريف أدوات التأثير السوري في لبنان، بعيدًا عن الأدوار الأمنية التقليدية.
في المقابل، يربط الشرع هذا التوجه بسياق إقليمي أوسع يتقاطع مع ضغوط ومواقف دولية، من بينها تصريحات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، التي تحدثت عن أدوار إقليمية محتملة في مواجهة “حزب الله”، الأمر الذي يضع الموقف السوري في مساحة حساسة بين الرغبة في النأي بالنفس عن الصدام المباشر وبين التفاعل مع تطورات إقليمية سريعة.

سمة شائعة

يرى الكاتب السياسي درويش خليفة أن إدراج المصطلحات الاقتصادية في الخطاب السياسي يعد سمة شائعة في الخطابات التصالحية أو الوسطية، خصوصًا بين أطراف تربطها خلافات سياسية سابقة.
وقال خليفة في حديث إلى عنب بلدي، إن هذا النمط من الخطاب غالبًا ما يهدف إلى تخفيف حدة التوتر الإعلامي والسياسي، من خلال التركيز على المصالح الاقتصادية والتجارية.
وضرب مثالًا على ذلك بالعلاقة بين العراق وسوريا، إذ إنه رغم الخلافات السياسية السابقة، برزت الحاجة إلى تعاون اقتصادي يتعلق بمرور النفط نحو المواني السورية، ما يعكس أهمية البعد الاقتصادي في إعادة تشكيل العلاقات بين الدول.
واعتبر خليفة أن سوريا لا تزال تعاني من أزمات داخلية أمنية وسياسية معقدة، وبذلك فإن الحديث عن دور محوري لها في معالجة الأزمة اللبنانية ما زال مبكرًا.

تداخل القوى

الداخل السوري بدوره متداخل مع قوى وجماعات مختلفة بعضها على صلة بـ“حزب الله”، إضافة إلى تعقيدات إقليمية مرتبطة بملفات لبنانية داخلية.
الأنسب في هذه المرحلة، وفق وجهة نظر الكاتب السياسي درويش خليفة، هو انخراط سوريا ضمن إطار إقليمي عربي أوسع تقوده قوى مثل السعودية وتركيا وقطر، بهدف بلورة مبادرة مشتركة لإنهاء التوتر في لبنان.
وشدد على ضرورة قراءة الواقع اللبناني والسوري معًا ضمن سياق متداخل ومعقد، معتبرًا أن أي تسوية مستقبلية تمر عبر الحوار بين مختلف الأطراف.
ويرى أن سوريا تمر بمرحلة انتقالية، وهذا لا يؤهلها بعد للعب دور مباشر مع كل القوى خاصة “حزب الله”، مشيرًا إلى أن التواصل يجب أن يمر عبر المؤسسات الرسمية اللبنانية في هذه المرحلة إلى حين نضوج الظروف السياسية لاحقًا.
الوضع الاقتصادي السوري الحالي إلى جانب التحديات الداخلية يحد من قدرة دمشق على لعب دور اقتصادي فاعل في لبنان في المدى القريب، بحسب خليفة.
ولفت إلى أن بناء الثقة بين الطرفين يجب أن يسبق أي مشاريع اقتصادية مشتركة، عبر معالجة ملفات عالقة مثل اللاجئين السوريين في لبنان والمعتقلين، إضافة إلى قضايا الحدود، فهذه الخطوات يمكن أن تشكل أساسًا لتعاون اقتصادي لاحق ينعكس إيجابًا على البلدين.
واستبعد خليفة أن تتمكن سوريا في المرحلة الحالية من لعب دور محوري في الملفات الأمنية اللبنانية، خصوصًا ما يتعلق بسلاح “حزب الله”، مشيرًا إلى أن الضغوط الأمريكية في هذا السياق تحتاج إلى معالجة عبر حلفاء إقليميين.
كما يرى أن الدور الممكن لسوريا يقتصر على ضبط الحدود ومنع التهريب، في ظل محدودية القدرات الداخلية.
المرحلة الانتقالية في سوريا لا تمنح السلطة تفويضًا سياسيًا أو دستوريًا للانخراط في مهام خارجية، ما يجعل أي توسع في هذا الاتجاه حساسًا داخليًا ويؤثر على ثقة المجتمع السوري بالسلطة الحالية.

تحولات العلاقات التاريخية

بدوره، يرى الصحفي والباحث فراس علاوي، أن تصريحات الرئيس السوري، أحمد الشرع، حول الدور السوري في لبنان، تمثل قراءة للواقع السياسي المشترك بين البلدين، في ظل الترابط التاريخي والجغرافي والسياسي الذي حكم العلاقة السورية- اللبنانية عبر مراحل متعددة من التحول.
وقال علاوي في حديث إلى عنب بلدي، إن هذه العلاقة مرت بمحطات مختلفة، بدأت بوحدة سياسية في بدايات القرن الـ20، ثم شهدت لاحقًا مراحل من التنسيق والتعاون، قبل أن تنتقل إلى فترات توتر وصولًا إلى مرحلة وصفت بأنها هيمنة سورية على لبنان في فترات سابقة.
ما طرحه الشرع يعكس محاولة لإعادة تموضع سوريا في هذه العلاقة، بعيدًا عما وصفه بـ”الغوص في الرمال اللبنانية”، في إشارة إلى تعقيدات الملف اللبناني.

شريك استراتيجي

اعتبر علاوي أن السياسة السورية الحالية تتجه نحو تحويل لبنان من ورقة ضغط إلى شريك، ضمن مقاربة خارجية تسعى إلى تقليل الانخراط في الضغوط المرتبطة بالملف اللبناني مع الحفاظ على توازن العلاقات الإقليمية والدولية.
الدور السوري في المرحلة الحالية يبدو أقرب إلى الدور الأمني- السياسي منه إلى الدور العسكري، بحسب علاوي، مشيرًا إلى أن طبيعة المرحلة الانتقالية في سوريا، والتحديات الاقتصادية والعسكرية، تحد من أي توجه نحو تدخل عسكري مباشر.
الأولوية الحالية، بحسب علاوي، تتركز على ضبط الحدود ومنع التهريب إلى جانب دعم الاستقرار اللبناني عبر القنوات السياسية والدبلوماسية.
وفيما يتعلق بملف الحوار مع “حزب الله”، أوضح علاوي أن المقصود ليس بالضرورة حوارًا مباشرًا بين دمشق والحزب، بل مقاربة سياسية تأخذ بعين الاعتبار التوازنات الداخلية اللبنانية، حيث يشكل الأخير أحد الفاعلين الرئيسين إلى جانب قوى أخرى ضمن المشهد السياسي.
الحزب ورغم الجدل حول دوره، يبقى قوة سياسية واجتماعية وعسكرية داخل لبنان، ما يجعل أي تسوية داخلية غير قابلة للاستمرار من دون إشراكه في أي مسار حل سياسي، ضمن الإطار العام لاتفاق “الطائف” والقوى اللبنانية الموقعة عليه.
وبحسب علاوي، فإن الطرح السوري الحالي يركز على منع الانحياز لطرف لبناني ضد آخر، والعمل على دعم الاستقرار من خلال مقاربة عربية- إقليمية مشتركة، بدلًا من تدخل مباشر قد يفاقم التوترات الداخلية في لبنان.

أهمية الاستقرار الاقتصادي

العلاقة بين البلدين تتداخل فيها اعتبارات أمنية واجتماعية، ما يجعل أي اضطراب في لبنان قابلًا للانعكاس مباشرة على الداخل السوري، في ظل ما وصف علاوي بـ“الخاصرة الرخوة” بين البلدين.
ويمثل الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي العامل الأكثر تأثيرًا في استقرار البلدين، بحسب علاوي، معتبرًا أن معظم الأزمات اللبنانية ذات جذور سياسية تنعكس بدورها على الأوضاع الأمنية والاقتصادية.
وفيما يتعلق بالتصريحات الأمريكية، لفت علاوي إلى أنها تندرج ضمن محاولات التأثير الإقليمي أكثر من كونها قرارات ملزمة أو محددة المعالم، مرجحًا أن أي دور سوري محتمل في لبنان سيكون ضمن إطار إقليمي عربي أوسع وليس عبر تدخل منفرد.
وخلص الباحث إلى أن هذا المسار الإقليمي، في حال تشكله، قد يوفر هامشًا أكثر استقرارًا لسوريا ولبنان معًا، ويحد من تداعيات التدخلات الخارجية المباشرة في ظل تشابك الملفات بين البلدين.
---------
عنب بلدي