تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

الفرات فيّـاضاً

29/08/2026 - عبدالرحمن مطر

الماركسية بين لينين وأحمد الشرع

29/08/2026 - عبد الرزاق دحنون

الدراما السورية والحرس القديم

29/08/2026 - عبد القادر المنلا

التفاهة الجميلة

29/08/2026 - د. أنس الفتيح

واقع النخب في سوريا اليوم

18/08/2026 - حسام جزماتي


العنف الرقمي في سوريا من الجغرافيا إلى المخيّلة





لا يمكن ردّ العنف في سوريا إلى سبب واحد، فالعنف في هذا البلد ليس حدثًا عابرًا، وإنما هو ظاهرة معقدة تشكلت من خلال تفاعل طويل بين الجغرافيا والسياسة والتاريخ والمجتمع، مع التأكيد على الدور البارز لتنوع الأديان والمذاهب. يعدّ الموقع الجغرافي لسوريا عاملًا مؤثرًا منذ آلاف السنين في صياغة تاريخها، كان من الصعب تفادي تبعات الموقع الذي يتقاطع مع قارات ثلاث وبين إمبراطوريات عدة.


  ومثلما كانت سوريا معبرًا للقوافل والجيوش، كانت ساحة للتنافس الإقليمي والدولي، ونادرًا ما عرفت هذه الأرض استقرارًا طويلًا يسمح بتراكم ثقافة سلمية راسخة، لكن الجغرافيا وحدها لا تصنع العنف، وإنما تهيئ البنية التي تسمح له بالتجذّر عندما تقترن بعوامل أخرى أكثر تأثيرًا، كالاستبداد، وضعف المؤسَّسات، والانقسامات الاجتماعية والطائفية، إضافة إلى الفقر وتدني مستوى التعليم، فضلًا عن تراكم الهزائم والحروب المتعاقبة.
ومع مرور الزمن، لم يعد العنف مجرد وسيلة استثنائية لحسم الصراعات، بل تحول بشكل تدرّجي ليكون أحد أنماط التفكير والسلوك وإدارة الخلافات بين أفراد المجتمع. ومع اندلاع الثورة السورية وما أعقبها من حرب طويلة ومعقدة، بلغ هذا العنف ذروته في فضاءات الواقع، لكنه لم يتوقف عند حدود الجبهات وساحات المعارك أو المدن والقرى المدمرة. مع انتشار الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي بشكل واسع، انتقل جزء كبير من الصراع إلى العالم الرقمي، لتولد ساحات “وغى” جديدة لا تقل قسوة عن ساحات القتال.
إن العنف الرقمي أكثر من مجرد كلمات قاسية، أو مشادات عابرة على وسائل التواصل، إنه بحسب ما أعتقد عبارة عن منظومة متكاملة من الممارسات التي تهدف إلى الإيذاء النفسي أو الاجتماعي أو المهني والسياسي باستخدام الوسائط الرقمية، أو يمكن القول: هي عملية تحييد وإبعاد عن ساحة التأثير بالرأي العام وعملية تحرير الحكاية العامة، ويشمل ذلك ممارسات مثل التشهير، والتحريض، والتنمر، ونشر خطاب الكراهية، والتخوين، والإقصاء، ونشر معلومات شخصية، والابتزاز والتهديد، وحملات التشويه المنظمة، وصولًا إلى محاولات إسكات الخصوم وإبعادهم عبر تحطيمهم نفسيًا واجتماعيًا. لقد أصبحت منصات التواصل الاجتماعي وعموم المنصات الرقمية منصات إعدام، وهي امتداد مباشر لساحات الصراع، والهاتف المحمول الذي في أيدينا أو جيوبنا، بات يحمل في داخله مناخ الحرب ذاته بأدوات متجدِّدة ومختلفة.
في ظل هذه المعطيات، كانت البيئة السورية بما فيها من استقطاب سياسي وطائفي وعسكري، أرضًا خصبة لهذا الشكل من العنف، فالحرب قسمت المجتمع إلى معسكرات متناحرة، وأنتجت خوفًا وشعورًا دائمًا بالتهديد، بينما وفّرت منصات التواصل الاجتماعي مساحة يستطيع فيها الجميع مهاجمة الجميع من دون تكلفة تذكر، في ظل عدم وجود مساءلة قانونية أو أخلاقية. وكان للجيوش الإلكترونية المنظمة دورٌ بالغ الخطورة في تحويل النقاش العام إلى ساحة استنزاف نفسي، فلم يعد الهدف عرض وجهة النظر أو إقناع الخصم، بل تحطيمه وتشويه سمعته، وتجريده من إنسانيته وإرغامه على الانسحاب من المجال العام، أو سحب إمكانية تأثيره في المجال العام.
غير أن أخطر ما في العنف الرقمي السوري أنه لم يعد يستهدف ضحاياه المباشرين فقط، بل امتد ليصيب أولئك الذين لم يشاركوا في صنع الحرب ولم يختاروا أن يكونوا جزءًا منها. فالأطفال واليافعون الذين كان يفترض أن يكونوا أول المستفيدين من انتهاء دوامة العنف يجدون أنفسهم محاصرين بعنف جديد يتسلّل إليهم عبر الهواتف المحمولة وشاشات الحواسيب ومنصات التواصل الاجتماعي. يفتح الطفل هاتفه فلا يرى فضاء للحوار أو المعرفة، وإنما يقرأ الشتائم وعبارات التخوين والتحريض، والدعوات إلى الإقصاء والانتقام والقتل، ويشاهد آلاف البالغين وهم يحوِّلون الاختلاف إلى معركة، والخصومة إلى كراهية، والرأي المخالف إلى تهمة.
لا يكتفي الطفل بالفرجة على كل هذه الإثارة، فيتفاعل معها، ويعيد النشر، ويتعلم. هذه الفئة صارت أكثر استعدادًا لممارسة العنف قبل أن يكتمل وعيها الأخلاقي والنفسي والسياسي، فالأطفال لا يتعلّمون الأفكار وحدها، وإنما يتعلمون الطريقة السائدة التي يختلف بها الناس، واللغة التي يستخدمونها، والحدود التي يضعونها بين النقد والإهانة، وبين المعارضة والعداء، وعندما يصبح السبّ والسخرية وتحطيم الخصم، وإلغاء وجوده، أدوات طبيعية في النقاش العام، فإن الأجيال الجديدة ستتعامل معها بوصفها قواعد مألوفة للحوار لا شذوذًا عنه، وهكذا لا تنتقل الحرب عبر الذاكرة فقط، بل تنتقل أيضًا عبر التقليد والمحاكاة، ويتحوّل العنف من تجربة عاشها الآباء إلى ثقافة يكتسبها الأبناء.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية للعنف الرقمي، فهو لا ينتهي أو يتوقف بإعلان هدنة ما، ولا يتوقف بتوقّف إطلاق النار، قد تصمت المدافع لكن حروب الديجيتال والهواتف لا تتوقف، تبقى تعمل، والخوارزميات تستمر في تواطؤها في مكافأة المحتوى الأكثر إثارة للغرائز، والأكثر غضبًا واستقطابًا، فيجد الأطفال أنفسهم يعيشون يوميًا داخل حروب لغوية ونفسية لا تقل أثرًا عن الحرب التي عاشها الكبار. وإذا كانت الحروب التقليدية تدمر المدن وتحصد الأرواح، فإن العنف الرقمي يعيد تشكيل منظومة القيم ذاتها، فيغرس في وعي الأجيال الجديدة أن الانتصار يتحقق على حساب كرامات الآخرين ومن خلال إذلال الخصم. وأن الاختلاف يسوِّغ الكراهية، وأن الصراخ يغني عن الحجة، وأن الإلغاء أقوى من الحوار. ولهذا فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في أن يرث الأطفال حربًا لم يعيشوها، بل في أن يرثوا منطقها ولغتها وأدواتها، فيعيدوا إنتاجها بأشكال جديدة بعد سنوات. فالمجتمعات لا تعيد إنتاج الحروب لأنها تتذكر فحسب، بل لأنها تعجز عن القطع من الثقافة والمخيلة التي صنعتها.
ومع ذلك، فإن مواجهة العنف الرقمي لا يمكن أن تقتصر على التشريعات، أو الرقابة، أو حذف المحتوى المسيء، أو ملاحقة الحسابات المحرِّضة، فهذه الإجراءات، على ضرورتها، تعالج السلوك أكثر مما تعالج منبعه. فالعنف لا يبدأ عندما يكتب المرء تعليقًا مليئًا بالكراهية، ولا عندما يضغط زر النشر، بل يبدأ قبل ذلك كثيرًا، في المنطقة الأكثر خفاء في شخصية الإنسان وكينونته، في خياله، وفي مسارات الحرب ضمن حواراته الداخلية، وفي الصور التي يرسمها عن نفسه وعن الآخرين، وفي الطريقة التي يتصوّر بها العالم، والعلاقة مع المختلف، فقبل أن يصبح العنف عنفًا، يكون فكرة، وقبل أن يكون فكرة، يكون تصوّرًا، وقبل أن يكون تصوّرًا، يكون خيالًا يغذي نفسه بصور الإقصاء والخوف والانتقام والشعور بالتفوق، وبتخيلات الهزيمة والنصر.
إن العنف في جوهره عبارة عن خلاصة الحوارات الداخلية التي يخوضها الإنسان مع نفسه، فاللغة التي يُحدِّث بها الفرد ذاته، والصور التي يشكلها عن خصومه، والروايات التي يرويها لنفسه عن الخير والشر، والضحية والجلاد، كلها تتحوّل تدريجًا إلى مواقف، ثم إلى كلمات، ثم إلى أفعال، ولهذا فإن معركة المجتمع مع العنف تبدأ قبل أن تظهر أول شتيمة على شاشة الهاتف، وقبل أن تقع أول جريمة في الشارع، إنها تبدأ في المخيّلة الإنسانية نفسها.
ومن هنا، باعتقادي، تنبع القيمة العميقة للفنون والآداب والمسرح والموسيقى والسينما وكل الأنشطة الثقافية، فهذه المجالات ليست مجرد وسائل للترفيه والاستهلاك كما يُنظر إليها في كثير من الأحيان، بل هي أدوات لإعادة تشكيل المخيّلة الإنسانية، إنها تمنح الإنسان فرصة لأن يرى العالم بعيون الآخرين، وأن يعيش تجارب لم يعشها، وأن يتعاطف مع أشخاص يختلفون عنه في الدين أو القومية أو اللغة أو الانتماء. وهي بذلك توسِّع العالم الداخلي للفرد، وتعيد بناء حواره مع نفسه، وتستبدل لغة الانتقام بلغة التأمل، ولغة الإلغاء بلغة الفهم، ولغة اليقين المطلق بفضيلة السؤال والشك.
فالإنسان الذي يقرأ رواية عظيمة، أو يشاهد عملًا مسرحيًّا مؤثِّرًا، أو يستمع إلى الموسيقى، أو يشارك في نشاط ثقافي حقيقي، لا يكتسب معرفة جديدة فحسب، بل يعيد بناء عالمه الداخلي. وكلما اتّسعت مخيّلة الإنسان المشغولة بالجمال والمعرفة والقيم ضاقت المساحة التي يحتلها العنف فيها، لأن المخيّلة الغنية قادرة على ابتكار بدائل للصراع، بينما المخيّلة الفقيرة لا ترى سوى مظاهر القوة والإقصاء طريقًا لحلِّ الخلافات. ولذلك، فإن الاستثمار في الثقافة ليس ترفًا يمكن تأجيله إلى ما بعد انتهاء الحروب، بل هو أحد أهم شروط إنهاء الحرب ومنع عودتها. إن إعادة إعمار المدن من دون إعادة إعمار المخيّلة الإنسانية للسوريّين قد تؤدي إلى مدن جديدة يسكنها وعي قديم وفي داخله البذور نفسها التي أنبتت العنف.
إن حماية الأطفال واليافعين من العنف الرقمي لا تتحقّق فقط بمنعهم من مشاهدة المحتوى المؤذي، وإنما أيضًا بفتح نوافذ وأبواب واسعة أمامهم نحو التعليم، الأدب، والفن، والموسيقى، والمسرح، والقراءة، والأنشطة التعليمية والثقافية إلى جانب الحوار الحر والبناء. فالمشكلة ليست في أن نمنع صورة عنيفة من الوصول إلى الطفل، بل في أن نقدِّم له صورًا إنسانية أجمل وأكثر عمقًا تحتل مكانها في خياله. إن المخيّلة الإنسانية، ولا سيَّما وهي في طور التشكل لا تبقى فارغة، إما أن تكون مليئة بمنطق العنف، أو تكون مليئة بالجمال.
ولعلّ هذه هي الحقيقة الأكثر إيلامًا، والأكثر أهمية في الوقت نفسه، فالحروب لا تكون بدايتها عندما تطلق الرصاصة الأولى، بل عندما تعجز المخيّلة عن تخيل الإنسان الآخر بوصفه إنسانًا يستحقّ الحياة والكرامة، كما لا تنتهي عندما تصمت البنادق، بل عندما يتوقّف الإنسان عن حمل الحرب في داخله، في وعيه ومخيّلته، ولذلك فإن مستقبل سوريا لن يتوقّف على إعادة إعمار ما هدمته الحرب من حجر واسمنت، بل على قدرتها على إعادة إعمار الإنسان نفسه، وتحرير مخيّلته من لغة العنف، حتى لا يرث الجيل السوري القادم حربًا لم يعشها، ولا يرث ثقافة قد تعيد إنتاج الحرب بناء على حكاية جديدة.
----------
جمهرة

مؤيد اسكيف
السبت 29 أغسطس 2026