تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
Rss
Facebook
Twitter
App Store
Mobile



عيون المقالات

الفرات فيّـاضاً

29/08/2026 - عبدالرحمن مطر

الماركسية بين لينين وأحمد الشرع

29/08/2026 - عبد الرزاق دحنون

الدراما السورية والحرس القديم

29/08/2026 - عبد القادر المنلا

التفاهة الجميلة

29/08/2026 - د. أنس الفتيح

واقع النخب في سوريا اليوم

18/08/2026 - حسام جزماتي


الفرات فيّـاضاً




فيضان الفرات، تلك واحدة من حكايات الجزيرة السورية، التي سجلت فيها أولى الزراعات وأقدم المستوطنات البشرية، حين كان النهر يفيض في منتصف ربيع كل عام، مع بدء ذوبان الثلوج في هضبة الأناضول، من منبع الفرات ومساره عبر تركيا وسوريا والعراق، إلى مصبّه في الخليج العربي.


 لم تكن تلك القصص مجرد أسطورة تروى عبر الأجيال والسنين، بل هي وقائع يشهدها الناس، وهي جزء من حياتهم، ونشاطهم الاجتماعي والاقتصادي. كان "الفيضان" حدثاً دورياً، كأي موسم يترقب الناس حدوثه، ويستفيض الرواة في سرد أحداثه، وآثاره، وحكاياته المغمورة بالخير الوفير، كما بالألم، والفقدان، والخسارات، وفي جزء منها أسطورة الأضحية التي يأخذها النهر، من أبناء المنطقة كل عام.

ولم يكن الأدب بعيداً عن تلك الحكايات الغنية، وتخليد ذكرياتها. نستعيد هنا قصائد الشاعر محمد الفراتي، ومعروف الرصافي وغيرهم، ولاحقاً كتب عبد السلام العجيلي "النهر سلطان"، ثم رواية "المغمورون" التي تناول فيها حقبة مهمة من تاريخ الجزيرة السورية، والتحولات الجذرية التي شهدتها بين عامي 1974- 1975، فيما يُعرف بتهجير سكان ما يزيد على 300 قرية في وادي الفرات الأوسط، غمرتها مياه بحيرة سد الفرات. ولعل رائعة موسى رحيم عبّاس الروائية "بيلان" خير ما يمكن الإشارة إليه كمثال عن الفرات وفيضانه، والغمر، والتهجير القسري، الذي حدث في سوريا في منتصف السبعينات من القرن الماضي، بوصفه روائياً شاهداً ومتأثراً، في آن معاً.

ولكن ذلك توقف! فقد بُنيت السدود على نهر الفرات في سوريا وتركيا، وبدءاً من تحويل مجرى النهر في صيف عام 1973، تغير كل شيء في المنطقة، توقف الفرات عن الفيض، ويكاد يبدو نهراً آيلاً لا محالة نحو النضوب، بسبب انحسار تدفقه، وحجز المياه خلف سدود مشروع الأناضول، والسياسات المائية المجحفة الناجمة عنه. وبعد عام 1988 لم يفض الفرات، إلا في الأسبوع الماضي.

الفيضان بين الخير والكارثة

تعدّ الفيضانات، واحدة من الكوارث الطبيعية، يمكن أن تحدث في أي مكان من العالم، وتنتج عنها آثار كارثية بالمعنى الإنساني، تتمثل بتضرر مباشر للسكان، من حيث تهديد الحياة والصحة والسلامة العامة، وفقدان المساكن، وتجريف المزروعات، وتضرر البنى التحتية. هذا ما كنا نشهده في سوريا. وكانت الاحتياطات "الممكنة" يتخذها المجتمع، بهدف الإقلال من الخسائر، وخاصة البشرية.

 لكن ما حدث مؤخراً هو أمر لم يكن في الحسبان. لم تكن استراتيجيات بناء الجسور، تهدف إلى تحقيق عوائد اقتصادية وتنموية فحسب، ولكنها أيضاً كانت تهدف "لإخضاع جموح نهر الفرات" ومنع الفيضان، أي حماية مناطق الفرات على جانبيه، من الضرر الكارثي الذي يُحدثه في كل عام. لم يكن لأحد أن يتوقع بعد كل تلك السنوات، أن تُفتح بوابات المفيض دفعة واحدة، دون إنذار مبكر، يهدف إلى الحفاظ على السلامة العامة. وهذا ما يدفع الجمهور إلى توجيه "اللوم" إلى السلطات المعنية، التي لم تعلن حتى اليوم المناطق المتضررة باعتبارها "مناطق منكوبة".

إن إعلان منطقة الفرات "منطقة منكوبة"، يعني إطلاق خطة إنقاذ عاجلة، ما يسهم في احتواء آثار الفيضان الكارثية، ويحدّ من تدهور الأوضاع الإنسانية فيها، وحمايتها من احتمالات تطورها إلى منطقة بيئية مدمرة ومنتجة للأوبئة

دون شك، أن "سلطات المياه والسدود السورية" لم تقرأ معطيات التغييرات المناخية، ومؤشرات هطول الأمطار والثلوج للشتاء الماضي، كما ينبغي. وهذا ما جعل الأمر – كما يبدو – مفاجئاً لها. بينما استطاعت تركيا، احتواء الفيضان عبر فتح بوابات السدود، دون أن ينتج عن ذلك أثار كارثية في المناطق التركية.

لقد عجزت السدود السورية (سد الفرات، والسدود التنظيمية الأساسية في جرابلس والمنصورة) عن تنظيم تدفق النهر، نتيجة الارتفاع الحاد في التدفق، وفي منسوب البحيرة، بعد سنوات من الشح في مجرى النهر، والذي تضررت بموجبه جميع مشروعات حوض الفرات، ما أدى إلى انهيارها وتوقفها بصورة شبه كاملة، لاحقاً. كما انخفض إنتاج الطاقة الكهربائية إلى مستوى لم يعد يلبي الحاجة السورية، بعد أن كانت تصل إلى لبنان والأردن!

لقد كانت أرض الفرات عطشى، إلى درجة الجفاف، لكنها اليوم تشرب ماء فراتاً بارتياح، على الرغم من الكارثة!

من القمح إلى الفيّض

لم يكد الفلاحون السوريون يلتقطون أنفاسهم من مشكلة تسعيرة القمح، التي أثارت غضبتهم، ودعت إلى اعتصاماتهم الاحتجاجية، لأنها لم تنصفهم، وهي لا تسدّ سوى جزء من استحقاقهم الطبيعي، ولا تعوّض ما بذلوه في مواسهم الزراعية، التي كان شح المياه جزءاً من مشكلاتها، حتى مُنيّ بعضهم بخسارة كارثية، بسبب الفيضان الذي جرف مزروعاتهم، في الرقة ودير الزور. وتجاوز ذلك إلى تضرر البنى التحتية الاساسية، والبسيطة، التي تجعل من حياة الناس ممكنة في المنطقة، كالطرق والجسور.

لقد أضاف فيضان الفرات مشكلات جديدة، إلى ما تعانيه المنطقة الفراتية، من أحوال وظروف، يمكن وصفها بالكارثية، دون تهويل. وذلك نتيجة الدمار الكبير الذي ألحقته جرائم التدمير الممنهج لنظام الأسد والميليشيات الإيرانية، والقوات الروسية، بالمدن والقرى والبنى الأساسية. ولاحقاً العمليات العسكرية للتحالف الدولي لمحاربة داعش. يضاف إلى ذلك الإهمال المتعمد لسلطات تنظم قسد، التي حكمت المنطقة قرابة عشر سنوات، لم تعد فيها بناء طريق، أو تزرع شجرة واحدة، لكنها نهبت كل شيء!

إن إعلان منطقة الفرات "منطقة منكوبة"، يعني إطلاق خطة إنقاذ عاجلة، ما يسهم في احتواء آثار الفيضان الكارثية، ويحدّ من تدهور الأوضاع الإنسانية فيها، وحمايتها من احتمالات تطورها إلى منطقة بيئية مدمرة ومنتجة للأوبئة، الأمر الذي يخلق مخاطر صحية مباشرة تهدد الحياة البشرية والحيوانية والبرية في المنطقة. يستدعي الأمر اتخاذ خطوات عاجلة بالتنسيق مع المنظمات والمؤسسات الدولية، والعمل المشترك، خاصة دول الجوار تركيا والعراق.

تنمية الجزيرة الفراتية

فيضان نهر الفرات يفتح الباب على مصراعيه، لمناقشة عامة ومسؤولة، لملفات الجزيرة السورية، بما يعني دقّ ناقوس الخطر في سوريا. ثمة ما لا يمكن تأجيله، على الرغم من ظروف إعادة بناء الدولة السورية، والتحديات الأمنية التي تواجهها السلطة، فإن الأولويات يجب أن تشتمل منع المزيد من تدهور الوضع المعيشي في البلد. ندرك جيداً محدودية الدولة وقدراتها في هذا المجال، إلا أن السياسات التنموية، يجب ألا تتأخر في انطلاقتها في الجزيرة السورية، باعتبارها موطن الغلال السوري الرئيس -إلى جانب سهول حوران- ومصدر ثرواتها في النفط والغاز، والطاقة.

تنمية الجزيرة السورية، هي بناء للإنسان السوري، بعد سنوات الخراب والدمار، وهي حماية للثروات الوطنية، وتطوير لها، وهو ما يكفل بناء تنمية وطنية عادلة ومتوازنة في سوريا، دون استثناء. وتستحق مدن الشمال وأريافها أن تحصل على تنمية ضرورية وملحّة، في الصحة والتعليم، والطاقة، والعمران، بمواردها المحلية، في وطن يسعى نحو التعافي، والبناء.

غضبَ الفراتُ، وباحَ بسرّه، لكنه دوماً نصير الحياة، والفلاحين، والفقراء!
---------
تلفزيون سوريا


عبدالرحمن مطر
السبت 29 أغسطس 2026