ويتواصل النجار وهو في نهاية الثلاثينيات من عمره بشكل مكثف هذه الأيام مع فريق عمل مشكل من المؤسسات الحقوقية الرئيسية في قطاع غزة بغرض تجهيز الملف الخاص بحادثة مقتل أقاربه.
ولا تغيب تلك الليلة "السوداء" عن مخيلة الرجل لتزيد دوافعه في مقاضاة إسرائيل ومسؤوليها دوليا.
إذ كانت عائلته تتناول وجبة السحور يوم 28 تموز/ يوليو الماضي عندما قصفت طائرة إسرائيلية منزلهم ليتهاوى فوق رؤوسهم ويحول غالبيتهم إلى أشلاء متقطعة. يومها أشرقت الشمس مجددا غير أن عائلة إبراهيم لم يكن لهم نصيب لاستكمال صيام رمضان.
ويستعيد إبراهيم مشهد الحادثة وعيناه تذرفان الدموع "كانت الساعة الثالثة فجرا والصغار نائمين ونحن نظن أننا في أمان من القصف في بيتنا وقد لجأ إلينا عدد من أقاربنا هربا من شدة الغارات".
ويضيف "فجأة ضرب الصاروخ وكنت حينها نائما في إحدى زوايا البيت فشعرت بأني طرت خارج المنزل وبعدها ما لم استعد الوعي إلا وأنا في المستشفى".
أذابت الصواريخ أجساد طفليه وزوجته وباقي أفراد أهله فماذا تبقي لإبراهيم؟ يرد إن كل ما يعيش من أجله منذ ذلك اليوم هو مقاضاة إسرائيل دوليا ومعاقبة من قتل عائلته.
ويريد إبراهيم أن يعرض قضية عائلته في المحكمة الجنائية الدولية التي وقع الرئيس الفلسطيني محمود عباس في 31 من كانون أول/ ديسمبر الماضي وثائق للانضمام إليها مع 19 منظمة دولية أخرى.
ويؤمن الرجل أن رفع دعوى قضائية ضد إسرائيل لن يعيد طفليه أو عائلته للحياة "لكنه سيريح روحهم وروحنا (...) نبحث عن محاكمة عادلة لإنصافنا وأن تسري العدالة بعقاب من ارتكب كل هذه الجرائم".
وملف هذه العائلة هو واحد من مئات الملفات تعكف مؤسسات حقوقية فلسطينية على إعدادها لوضعها برسم المدعى العام لمحكمة الجنايات الدولية فور أن تصبح العضوية الفلسطينية في المحكمة سارية المفعول مطلع نيسان/ أبريل المقبل.
وأعلنت محكمة الجنايات الدولية في لاهاي قبل ثلاثة أسابيع، عن فتح دراسة أولية وهي مرحلة تسبق تحقيقا، حول جرائم حرب مفترضة ارتكبت منذ حزيران/ يونيو من العام الماضي في الأراضي الفلسطينية بهدف تحديد ما إذا كان هناك "أساس معقول" للبدء بتحقيق.
وأعلن عباس مطلع شباط/ فبراير الجاري عن تشكيل لجنة فلسطينية عليا مسؤولة عن المتابعة مع المحكمة الجنائية الدولية تضم ممثلي فصائل فلسطينية وعدة وزارات وهيئات رسمية ومنظمات حقوقية.
وقال عضو اللجنة ومدير مؤسسة "الضمير" لحقوق الإنسان في غزة خليل أبو شمالة لوكالة الأنباء الالمانية (د.ب.أ)، إن اللجنة المشكلة تعتبر ممثلة للضحايا على المستويين الشعبي والرسمي ويناط بها إعداد الملفات المقرر تقديمها لمحكمة الجنايات.
وذكر أبو شمالة أن اللجنة تعتزم الاستعانة بخبراء دوليين في القانون لتعزيز الموقف الفلسطيني عند التوجه لمحكمة الجنايات على أن يكون التركيز هو في ملفي الاستيطان والهجوم الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة.
وشدد على أهمية التوجه الفلسطيني للمحكمة الدولية "فنحن إذا استطعنا العمل وفق شروط ومتطلبات المحكمة سننجح في مقاضاة إسرائيل ومسؤوليها بتهمة ارتكاب جرائم حرب لأول مرة في تاريخ الصراع معها ".
وأبرز ما تعكف المؤسسات الحقوقية على تجهيزه من ملفات لتقديمها إلى محكمة الجنايات الدولية لها علاقة بـ"جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية" يقول أبو شمالة إن إسرائيل ارتكبتها في قطاع غزة خلال هجومها الأخير. ومن تلك الملفات "تدمير مئات المنازل السكنية فوق رؤوس ساكنيها، وإزالة أحياء كاملة عن الخارطة، واستهداف المدنيين من نساء وأطفال، وقصف المرافق الحيوية في قطاع غزة". والولاية الزمنية لمحكمة الجنايات وفق طلب العضوية المقدم في السلطة الفلسطينية تبدأ في 13 حزيران/ يونيو الماضي بمعني أنه سيشمل فترة الهجوم الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة.
وخلف الهجوم الإسرائيلي الأخير على غزة في الفترة من 8 تموز/ يوليو حتى 26 آب/ أغسطس الماضيين مقتل أكثر من ألفين و140 فلسطيني وجرح أكثر من 10 ألاف آخرين.
ويقول حقوقيون في غزة إن 90% من قتلى الهجوم الإسرائيليين هم من المدنيين العزل.
إلى ذلك تعبر أوساط فلسطينية عن مخاوف من أن يحكم التوجه الفلسطيني لتقديم دعاوي في محكمة الجنايات الدولية العمل السياسي الرسمي بما يتضمنه من تعرض لضغوط خارجية وإمكانية المناورة للضغط على إسرائيل.
وبهذا الصدد وجه مدير مركز "مسارات" للأبحاث والدراسات هاني المصري انتقادات لتشكيلة اللجنة الرسمية المكلفة بالمتابعة مع محكمة الجنايات الدولية في ظل خلوها من تخصصات القانون الدولي وارتهان عملها للقيادة الرسمية.
ويشير المصري إلى أن تشكيلة اللجنة لم تضم أي شخصية متخصصة في القانون الجنائي الدولي أو القانون الدولي، كما لم تعكس أي تمثيل حقيقي للجامعات وخصوصًا كليات القانون فيها.
وينتقد المصري غياب تمثيل الشتات الفلسطيني في اللجنة المشكلة "بالرغم من انتشار اللاجئين والجاليات الفلسطينية على امتداد العالم، حيث تزخر بالشخصيات من ذوي الخبرة والكفاءة الذين سيضيفون للجنة إضافات مهمة، كما أنهم أحرار من الضغوط التي يرزح تحتها الفلسطينيون في الأراضي المحتلة".
وكان المرسوم الرئاسي بتشكيل اللجنة الوطنية المذكورة كلفها بـ"إعداد وتحضير الوثائق والملفات التي ستقوم دولة فلسطين بتقديمها وإحالتها إلى محكمة الجنايات الدولية من خلال لجنة فنية ترأسها وزارة الخارجية".
وتكمن المعضلة الكبرى بحسب المصري في أن اللجنة يغلب عليها الطابع الرسمي والسياسي "ما يجعلها خاضعة لاعتبارات القيادة السياسية والتزاماتها وهو ما سيجعلها عرضة للضغوط".
وينبه المصري إلى أن اللجنة لا تملك صلاحيات حقيقية "فوظيفتها فنية واستشارية وتشاورية وإعلامية، وتقتصر على إعداد وتحضير الوثائق والملفات التي يتم تقديمها وإحالتها إلى المحكمة الجنائية الدولية من خلال لجنة فنية ترأسها وزارة الخارجية". ويقول المصري إن "وضع الأمر كله تقريبًا بيد القيادة والدولة والرسميين ونفس الوجوه التي نراها وتتكرر في مختلف القضايا واللجان يحرم الفلسطينيين من مشاركة كفاءات متنوعة تغني وتساهم في التجديد والتغيير المطلوب.
ويضيف "كما يحرمهم من أهم مزايا محكمة الجنايات التي تكمن في أنها محكمة للأفراد، يمكن من خلالها لجوء كل فلسطيني أو مؤسسة فلسطينية أو الدولة الفلسطينية إلى محاكمة الأفراد السياسيين والعسكريين الإسرائيليين الذي ارتكبوا أو ساهموا أو أصدروا قرارات بارتكاب كل أنواع الجرائم ".


الصفحات
سياسة









