المملكة المتحدة تتخلى عن قيم ديمقراطية مقابل النقد المصري




تغيّرت في الآونة الأخيرة سياسة بريطانيا التحفظية تجاه مصر والتي جاءت بعد انقلاب دام قاده الجنرال عبد الفتاح السيسي سنة 2013، حين استولى على السلطة من أول رئيس مصري منتخب ديمقراطيا الراحل محمد مرسي.


فقبل أيام، وتحديدا الإثنين الماضي، عقدت المملكة المتحدة العديد من الصفقات بملايين الدولارات مع الحكومة الانقلابية بمصر؛ ما يعني أن الأخيرة بدأت تحظى بقبول وتأييد الحكومة البريطانية التي تقول إن قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان من مبادئها الأسياسية. وتعمل المملكة المتحدة جاهدة على عقد صفقات تجارية في جميع أنحاء العالم وذلك من خلال التواصل مع شركاء دوليين جدد في سبيل تقليل الخسائر المالية الكبيرة التي ستنجم عن دخول اتفاق بريكست حيز التنفيذ، لكن ذلك يأتي على حساب قضايا حساسة تتعلق بقيم أساسية كالديمقراطية وحقوق الإنسان. ولعلّ بحث حكومة المحافظين المستمر عن مصادر دخل تجاري في مرحلة ما بعد اتفاق بريكست يذكّرنا بحملات الاستكشاف التي جابت البحار في القرن الخامس عشر بحثاً عن طريق بديل إلى ثروات الشرق وما وراءه. وتقوم الآن المملكة المتحدة بعدة محاولات من أجل توسيع نطاق قوتها الاقتصادية في جميع أنحاء العالم، باعتبار أنها أمام نكسة اقتصادية حتمية وواضحة بعد خروجها من أكثر كتلة اقتصادية ربحية في العالم. ولا تزال المملكة المتحدة تتطلّع إلى الصفقة التجارية الكبرى مع الولايات المتحدة، حيث قامت جميع الأحزاب السياسية بمناقشة الصفقة وتدقيقها منذ أن لاحت إمكانية حدوثها في الأفق بعد استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي في العام 2016. ويعد توقيع بريطانيا صفقات تجارية مع السيسي أحدث مثال يجسد شعارها الجديد "سوف نفعل أي شيء لجعل المملكة المتحدة قوية". وقامت حكومة المحافظين بقيادة رئيس الوزراء، بوريس جونسون، بنشر سلسلة من الصفقات الجديدة مع مصر، وذلك أثناء قمة الاستثمار الإفريقية البريطانية التي انعقدت، يوم الإثنين الماضي، في لندن. وتمت دعوة الرئيس المصري إلى جانب رؤساء من 20 دولة إفريقية إلى القمة، وذلك تنفيذاً لرغبة بريطانيا في توسيع نفوذها الاقتصادي. وظهرت نوايا بريطانيا الحقيقية في بيان لوزيرة التجارة الدولية في حكومة جونسون، والتي قالت فيه "تمثّل إفريقيا فرصة كبيرة لمشاريع المملكة المتحدة التجارية، لذا من الرائع قيام العديد من الشركات البريطانية بتمهيد الطريق في ميادين التجارة والاستثمار في هذه المنطقة، مما يؤدي إلى التنمية وخلق فرص عمل وتعزيز البنى التحتية الأساسية". على أية حال، كان لمصر النصيب الأكبر من الصفقات التجارية حيث عقدت بومباردييه (أكبر شركات صناعة القطارات في ريطانيا) كبرى الصفقات معها، وذلك بتوقيعها عقداً بقيمة 3.18 مليار جنيه إسترليني (4.94 مليار دولار أمريكي)، لبناء وتشغيل خطين حديدين في القاهرة. فيما باعت شركة "رولز رويس" محركات طائرات لمصر بقيمة 50 مليون جنيه إسترليني؛ كذلك وقعت شركة "ماتلان" إحدى شركات التجزئة البريطانية لبيع الملابس والأدوات المنزلية وشركة صناعة الأدوية غلاكسو سميث كلاين صفقات استثمارية مع مصر. وبحسب بيان مشترك صدر عن مصر وبريطانيا، رفعت مصر استثمار سنداتها الحكومية في بورصة لندن إلى 22 مليار دولار أمريكي، وتعتبر المملكة المتحدة من أكبر المستثمرين في مصر، بقيمة 48 مليار دولار أمريكي، في العديد من القطاعات منها النفط والغاز والاتصالات والأدوية والسلع الاستهلاكية سريعة التداول. وفي الوقت الذي أبرمت فيه المملكة المتحدة صفقات تجارية مع مصر خلال زيارة السيسي إلى بريطاينا، خرج آلاف الناس في العاصمة لندن إلى الشوارع وتظاهروا احتجاجا على زيارة السيسي، كونه خطط لأحد أكثر الانقلابات دمويةً في العقد الماضي. يشار أن النظام المصري أصدر حكم الإعدام بحق أول رئيس منتخب في مصر، الرئيس محمد مرسي، وبحق مئات آخرين من الأخوان المسلمين، وهو الحزب الذي حكم مصر قبيل الانقلاب العسكري في العام 2013. وتوفي مرسي في قفص حديدي عازل للصوت في قاعة المحكمة المصرية، بعد أن فقد وعيه وتُرك مغشيا عليه لأكثر من 20 دقيقة، وسط صيحات من السجناء الآخرين لحراس السجن الذين لم يحركوا ساكناً. والأسبوع الماضي، قدم مجموعة من المحامين البريطانيين شكوى إلى قيادة شرطة مكافحة الإرهاب بالعاصمة لندن تطالب بإصدار مذكرة توقيف بحق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على خلفية اتهامات بـ"التعذيب والقتل". وجاءت الشكوى، التي قدمتها "غرف العدل الدولية" في بريطانيا (غيرنيكا 37)، قبيل وصول السيسي إلى لندن، للمشاركة في أعمال قمة الاستثمار البريطانية الأفريقية، التي انعقدت بمشاركة 21 رئيس دولة أفريقية ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون. وقالت "غيرنيكا 37"، إن الشكوى "تطالب على وجه الخصوص بالتحقيق في ظروف وفاة مرسي والمعاملة التي عاني منها قبل وفاته". ومن المرجح أن لا يجد هذا الطلب آذاناً صاغية لأن الجرائم ارتكبت خارج المملكة المتحدة ولم يصدر في شأنها تحقيق أممي ولا مذكرة توقيف دولية (الانتربول) بحق السيسي. وقال ويليام هيغ، الي شغل منصب وزير الخارجية في حكومة رئيس الوزارء الأسبق ديفيد كاميرون، عقب انقلاب 2013، "إن المملكة المتحدة لا تدعم أي تدخلات عسكرية كوسيلة لفض النزاعات". وأضاف هيغ، "نحن دائماً ندين التدخل العسكري في الأنظمة الديمقراطية، وما نريده وندعمه هو أن يكون لمصر مستقبلاً ديمقراطياً". والثلاثاء، استقبل جونسون الرئيس السيسي، في مقر الحكومة البريطانية "دوانينغ ستريت" بعد يوم من القمة التي جمعته مع قادة إفريقيا، وذلك لتوطيد العلاقات الثنائية بين البلدين. لم يتحدث جونسون عن الانقلاب الدموي ومزاعم انتهاكات حقوق الإنسان وآلاف المعتقلين واتهامات أخرى عند لقائه السيسي، لأن اهتمامه كان في إبرام صفقات كبيرة مع البلد الواقع في شمال إفريقيا. لقد وجدت الحملات الاستكشافية الأوروبية، في القرن الخامس عشر رأس الرجاء الصالح كبوابة إلى ثروات الشرق، لكن تأييد المملكة المتحدة لسلطة مناهضة للديمقراطية في مصر سوف تحبط آمال الشعوب التي تنشد الديمقراطية حول العالم.

وكالة الاناضول
الاثنين 27 يناير 2020