ومع هذا التحول التاريخي، تعود إلى ذاكرتي تجربة سابقة تركت أثرًا عميقًا في وعيي الإعلامي والثقافي، هي تجربة المدير العام السنغالي الأسبق أحمد أمبو، الذي ظل حتى اليوم من أكثر شخصيات اليونسكو إثارةً للجدل بجرأته في طرح قضية الهيمنة الإعلامية العالمية.شاركتُ لسنوات في الاجتماعات العامة لليونسكو ضمن وفد دولة قطر، وهناك تعرّفت على أحمد أمبو، الشاعر والكاتب السنغالي الذي كان يرى مبكرًا أن المعركة الحقيقية ليست فقط حول الموارد والحدود، بل حول من يملك تعريف الخبر وصياغة الصورة ورواية العالم. انطلق أمبو من هذا الهاجس ليشكّل لجنة دولية تُعنى بتقييم مسارات تدفق المعلومات بين الدول الأعضاء، وانتهت اللجنة إلى خلاصة حاسمة: حركة الأخبار والمعلومات تسير في اتجاه واحد تقريبًا، من الغرب إلى بقية العالم، بينما تظل دول الجنوب في موقع المتلقي لما يُنتج في مراكز القوة الإعلامية. هذا التقرير أثار غضب دول غربية كبرى، لأنه كشف بنية هيمنة راسخة تمس صورة الآخر وحق الشعوب في أن تروي قصتها بنفسها.عندما زار أحمد أمبو قطر، أتيح لي أن أرافقه في زيارته، فطلب أن نتوجه إلى غرفة الأخبار في الإذاعة القطرية ليقدّم برهانه الحي على ما كان يقوله في أروقة اليونسكو. وقف أمام شاشات وكالات الأنباء العالمية وتدفق برقياتها، وراح يتابع العناوين وصياغاتها، ثم التفت إليّ مشيرًا إلى أن معظم ما يُذاع ويُنشر من أخبار في وسائل الإعلام داخل دول الجنوب إنما يبدأ من هنا، من هذه المصادر ذاتها. العناوين الرئيسية، ترتيب الأولويات، الزوايا التي تُقدَّم منها الأحداث، وحتى اللغة المستخدمة في وصف الوقائع، تولد أولًا في غرف تحرير بعيدة، ثم تُعاد تدويرها محليًا ببعض التعديلات الشكلية دون تغيير حقيقي في جوهر الرواية. في تلك اللحظات بدت غرفة أخبار محلية وكأنها مرآة مكثفة لعالم أوسع تتحكم فيه قلة من المؤسسات في صناعة الصورة والوعي.اليوم يبدو المشهد الإعلامي العربي أكثر ثراءً من حيث الشكل: وكالات أنباء عربية، مراسلون في عواصم عديدة، قنوات فضائية عابرة للحدود، ومنصات رقمية لا تنتهي. ومع ذلك، يظل السؤال الذي أثاره أحمد أمبو معلّقًا: إلى أي مدى تحررت هذه الوسائل حقًّا من الاعتماد على المصادر العالمية الكبرى في بناء أجندتها وصياغة أخبارها وتفسيرها للعالم؟ ورغم وجود دراسات متفرقة تتناول موضوع الهيمنة الإعلامية والتدفق غير المتكافئ للمعلومات، فإننا ما زلنا نفتقر إلى دراسة عربية علمية ومنهجية شاملة تقيس بدقة حجم اعتماد وكالات الأنباء والقنوات الفضائية العربية على الأخبار الواردة من الوكالات الغربية الكبرى، وكيف ينعكس هذا الاعتماد على صورة الذات وصورة الآخر وعلى تشكيل الرأي العام في مجتمعاتنا.بين تجربة أحمد أمبو بالأمس وانتخاب خالد العناني اليوم، يمتد خيط واحد واضح: أن معركة الإعلام ليست في عدد القنوات ولا في حجم الاستوديوهات، بل في من يمتلك زمام الرواية ومن يحدد زاوية النظر إلى العالم. ما لم نبنِ منظومات وطنية وإقليمية قوية لجمع الأخبار وتحليلها وصياغة سردياتنا عن أنفسنا وعن غيرنا، سنظل نرى واقعنا في مرآة مصنوعة خارج أسوارنا، مهما تنوّعت الشعارات وكثرت المنصات.


الصفحات
سياسة








