ظروف غير مثالية

الصحفي والباحث السوري سامر الأحمد، يرى أن الانتخابات جرت ضمن “ظروف غير مثالية”، معتبرًا أن تزامنها مع مرحلة الاندماج جعل البيئة العامة غير مناسبة لإنتاج عملية انتخابية تعكس بصورة دقيقة مختلف مكونات المحافظة.
وقال الأحمد، إن الاستعجال في تشكيل الهيئات الناخبة وإدارة الحملات الانتخابية، إضافة إلى “حسابات الاندماج والمحاصصة”، أثّرت بصورة مباشرة على آليات اختيار الأسماء وتركيبة الهيئات الناخبة.
وبحسب الأحمد، فإن النتائج أظهرت وصول عدد من الوجوه الشابة من “التيار الثوري” من أبناء الحسكة، إلا أن التمثيل النهائي لم يكن، وفق وصفه، “مثاليًا أو شاملًا” لجميع المكونات الاجتماعية والسياسية في المحافظة.
وأشار إلى أن اعتماد آلية توزيع الهيئات الناخبة وفق الوحدات الإدارية، رغم كونها مطبقة على مستوى سوريا وتُعد من حيث المبدأ آلية تنظيمية “سليمة نسبيًا”، أفرز مشكلات تتعلق بعدالة التمثيل، ولا سيما بالنسبة للمكون السرياني.
وأوضح أن غياب تجمع جغرافي موحد للسريان في الحسكة انعكس على ضعف فرص تمثيلهم داخل الهيئات الناخبة، ما أدى في النهاية إلى اقتصار الفائزين على مرشحين من العرب والكرد.

“المحاصصة” والتفاهمات السياسية

بحسب الأحمد، فإن “المحاصصة” لعبت دورًا واضحًا في تشكيل النتائج، مشيرًا إلى أن “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) دفعت باتجاه ترتيبات معينة لضمان حضور بعض الأسماء، دون أن تتبنى مرشحين بصورة مباشرة.
وأضاف أن بعض الأسماء طُرحت بصورة غير مباشرة في مناطق مثل القامشلي والمالكية، في حين حصل “المجلس الوطني الكردي” على ثلاثة مقاعد ضمن دوائر الحسكة والقامشلي وعين العرب (كوباني)، مقابل توزيع بقية المقاعد على مرشحين عرب.
ويرى الأحمد أن هذا التوزيع لم يكن شاملًا لجميع القبائل والعشائر العربية بصورة متوازنة، مرجعًا ذلك إلى “الظرف الاستثنائي” الذي رافق الانتخابات، والحسابات السياسية والتنظيمية التي حكمت تشكيل الهيئات الناخبة.
كما تحدث عن توجيهات انتخابية أسهمت في دعم بعض المرشحين، معتبرًا أن هذه الآلية أعادت إلى الأذهان نماذج سابقة من فرض الأسماء الجاهزة، لكنها في الوقت نفسه ساعدت، وفق رأيه، في تأمين تمثيل للمكون الكردي في مناطق يصعب فيها فوز مرشحين كرد وفق التوزيع الإداري التقليدي.
وأشار إلى أن هذا الأمر بدا واضحًا في دائرة الحسكة، التي تضم إداريًا مناطق ذات غالبية عربية مثل تل براك والشدادي والهول والعريشة وجبل عبد العزيز، ما جعل التوازنات السياسية تتدخل بصورة غير مباشرة لضمان حضور مرشحين كرد ضمن النتائج النهائية.

بداية إيجابية” للكرد

من جهته، اعتبر الصحفي الكردي السوري عز الدين ملا أن الانتخابات الحالية تختلف عن الانتخابات التي كانت تُجرى خلال فترة حكم النظام السابق، والتي قال إنها كانت تخضع لما وصفه بـ”قائمة الظل”، في إشارة إلى القوائم المدعومة أمنيًا وسياسيًا آنذاك.
وقال ملا إن الموظفين والعاملين في مؤسسات الدولة كانوا يُوجَّهون بصورة إجبارية للتصويت لتلك القوائم، بينما يرى أن العملية الحالية، رغم ما شابها من ملاحظات، تُعد “أكثر انفتاحًا” على مختلف المكونات السورية، وخاصة الكرد.
وأضاف أن تحديد المقاعد وفق حصة كل مكون يمثل، بالنسبة لكثير من الكرد، “بداية إيجابية” تسير في الاتجاه الصحيح، حتى وإن لم تحقق كامل الطموحات السياسية للكرد في المنطقة.
ويرى ملا أن “المظلومية” التي تعرض لها الكرد خلال العقود الماضية كانت “مضاعفة”، ما يجعلهم بحاجة إلى مقاربة أكثر عدالة في مسألة الحقوق والتمثيل السياسي.
ودعا الحكومة السورية الجديدة إلى إجراء إحصاء سكاني حديث يراعي المتغيرات الديموغرافية في المنطقة، معتبرًا أن ذلك قد يساهم في معالجة الثغرات التي ظهرت خلال العملية الانتخابية الحالية.
وفي ما يتعلق بـ”المحاصصة”، أقر ملا بوجود مآخذ لدى شرائح مختلفة من سكان المنطقة على آلية تشكيل الهيئات الناخبة وطريقة توزيع المقاعد، لكنه قال إن كثيرين “تفهموا حساسية المرحلة”، باعتبار أن البلاد تمر بمرحلة تأسيس قد تتخللها أخطاء سياسية وتنظيمية.
وأضاف أن المواطنين كانوا يأملون بالمشاركة المباشرة والتصويت الحر، باعتبار ذلك جزءًا من الإحساس بـ”الخلاص من استبداد النظام السابق”، إلا أن طبيعة المرحلة الانتقالية فرضت، بحسب تعبيره، ترتيبات مختلفة.

تمثيل وظيفي

أما الإعلامي والناشط الاجتماعي حسن الهاشمي فذهب إلى توصيف أكثر انتقادًا للعملية الانتخابية، معتبرًا أن الظروف السياسية والأمنية في الجزيرة السورية لم تكن مناسبة أصلًا لإجراء انتخابات برلمانية.
وانتقد الهاشمي إجراء الانتخابات في ظل تعطل مسارات الاندماج وعدم استقرار المشهد الأمني والسياسي، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن الحكومة السورية تنظر إلى الانتخابات باعتبارها استحقاقًا ضروريًا لإقرار القوانين ومنح الشرعية للمؤسسات الحكومية.
ووصف النتائج بأنها لا تعكس “تمثيلًا حقيقيًا وعفويًا” للمكونات، بل “تمثيلًا وظيفيًا” فرضته الظروف الحالية.
وبحسب الهاشمي، فإن الانتخابات تحولت إلى أداة لإدارة التوازنات السياسية بين دمشق و”الإدارة الذاتية”، أكثر من كونها عملية تفويض شعبي حر، ما جعل الأسماء الفائزة تتحرك ضمن “هوامش محسوبة بدقة”.
وأضاف أن “المحاصصة” لعبت دورًا “حاسمًا ولكن غير معلن”، موضحًا أن ما جرى لم يكن مجرد توزيع للمقاعد، بل “هندسة سياسية” هدفت إلى إنتاج شخصيات مقبولة من مختلف الأطراف وقادرة على التكيف مع الواقع القائم، مع منع صعود قوى غير مرغوب بها.
ويرى الهاشمي أن المجلس الحالي سيبقى، على الأرجح، “إطارًا محدود التأثير” في المدى القريب، إلى حين الوصول إلى مرحلة أكثر استقرارًا تسمح بإجراء انتخابات تقوم على التعددية السياسية والكفاءة بدل التفاهمات المغلقة و”المحاصصة”.

مرحلة انتقالية

رغم اختلاف تقييماتهم للعملية الانتخابية، اتفق المتحدثون الثلاثة على أن الانتخابات الحالية لا تمثل الصيغة النهائية للحياة البرلمانية في الحسكة، بل تشكل جزءًا من مرحلة انتقالية مرتبطة بواقع سياسي وأمني معقد.
وأشار الأحمد إلى أن العملية الحالية “غير مكتملة”، متوقعًا الوصول خلال السنوات المقبلة إلى انتخابات شعبية مباشرة تسمح بتشكيل كتل وتحالفات سياسية أكثر وضوحًا واستقرارًا.
كما شدد على ضرورة استثمار “الثلث الرئاسي” لتعزيز تمثيل المكون السرياني والمرأة وبعض القبائل، إلى جانب إدخال كفاءات تقنية ومهنية من حقوقيين واقتصاديين وأصحاب اختصاص.
في المقابل، دعا ملا النواب المنتخبين من مختلف المكونات إلى العمل بصورة مشتركة للدفاع عن مصالح المنطقة وتحسين أوضاعها الاقتصادية والخدمية، مؤكدًا أن الحسكة عانت طويلًا من التهميش وضعف التنمية.
أما الهاشمي، فاعتبر أن ما جرى يمثل “إدارة لمرحلة مؤقتة وفق قاعدة الممكن والمتاح”، وليس نموذجًا نهائيًا لتمثيل سياسي طبيعي ومستقر.
وبين الانتقادات المتعلقة بـ”المحاصصة” والتفاهمات السياسية، والآراء التي ترى في الانتخابات بداية لمسار سياسي جديد، تبدو نتائج انتخابات مجلس الشعب في الحسكة مرآة لتعقيدات المشهد السوري عمومًا، حيث لا تزال التوازنات الأمنية والسياسية تلعب دورًا حاسمًا في تشكيل المؤسسات التمثيلية، بانتظار مرحلة أكثر استقرارًا قد تفتح الباب أمام انتخابات أوسع وأكثر مباشرة في السنوات المقبلة.