كي لا يكون النص ضداً للعقل

18/08/2019 - توفيق السيف


تونس بين نارين بشأن عقوبة الإعدام




تونس - طارق القيزاني– تظاهر محتجون اليوم الخميس أمام محكمة تونسية للمطالبة بتفعيل عقوبة الإعدام التي تقرها التشريعات في تونس لكنها لا تطبق، في أعقاب جريمة مروعة هزت الرأي العام بمدينة القيروان.
وتقف تونس، التي ينظر إليها كديمقراطية ناشئة، بين نارين إزاء عقوبة الاعدام، إذ هذه ليست المرة الأولى التي يخرج فيها محتجون لإقرار العقوبة المعلقة منذ أكثر من ربع قرن، والتي لم يتم الغاؤها رسميا بقانون.


 
ففي أعقاب سلسلة من الجرائم المروعة التي شهدتها تونس، ومنها ما هو مرتبط بالعمليات الإرهابية، تزايدت المطالب الشعبية بتنفيذ العقوبة القصوى بشكل يتناسب مع الأعمال البشعة.
وشهدت القيروان قبل نحو أسبوع جريمة اغتصاب حتى الموت، تورط بها شاب بحق عجوز تبلغ من العمر 87 عاما، ما فجر ردود فعل غاضبة في المدينة دفعت أهالي الضحية إلى الاحتجاج اليوم أمام المحكمة الابتدائية بالقيروان من أجل تفعيل عقوبة الإعدام.
وما يزيد من حنق المحتجين وغضبهم أن الجريمة تأتي بعد أشهر قليلة من مقتل امرأة، وهي أم لثلاثة أطفال، على أيدي مغتصبيها في مقبرة بالقيروان.
ويتوقع أن تدفع الحادثتان إلى إثارة المزيد من الجدل حول دستور تونس الجديد الذي صدر بعد الثورة في 2014 والذي وازن بين عقوبة الاعدام ومبدأ الحق في الحياة.
وينص الفصل 22 من الدستور على أن "الحق في الحياة مقدس لا يجوز المساس به إلا في حالات قصوى يضبطها القانون".
وقبل عام كانت الاحتجاجات نفسها تطالب بإعدام جندي تورط في اغتصاب الطفل ياسين /4 أعوام/ وقتله ذبحا في آيار/مايو 2016، في جريمة لقيت إدانة واسعة من الرأي العام.
ومع أن القضاء العسكري أصدر حكما في شباط / فبراير الماضي يقضي بإعدام الجندي رميا بالرصاص، فإنه ليس ثابتا حتى اليوم ما إذا كان قد تم تطبيق العقوبة فعليا.
وقالت ناشطة في المجلس الوطني للحريات زهور كراكشي لوكالة الأنباء الألمانية (د ب أ) "المجلس من حيث المبدأ ضد عقوبة الإعدام، لكن بعض الجرائم التي يتجرد مرتكبها من المشاعر الانسانية، مثلما حصل مع الطفل ياسين، تستدعي تطبيق هذه العقوبة".
وتشمل عقوبة الاعدام في القانون التونسي عدة جرائم، من بينها الاغتصاب والقتل العمد .
وينص أيضا قانون مكافحة الارهاب الذي صدر في آب/أغسطس 2015 على عقوبة الاعدام من بين عقوبات أخرى في الجرائم الارهابية.
لكن الأحكام الصادرة بمثل هذه العقوبات لم يتم تفعيلها منذ أكثر من ربع قرن، بسبب ضغوط المنظمات الدولية المدافعة عن حقوق الانسان.
ولا يزال الالتزام الضمني بذلك من قبل السلطات التونسية ساريا فيما يبدو حتى اليوم.
وقال رئيس الهيئة العليا لحقوق الانسان والحريات الأساسية توفيق بودربالة إن كل التشريعات والمبادئ والنصوص الدولية المرتبطة بحقوق الانسان، تؤكد على اعتبار هذه العقوبة من أشد العقوبات القاسية والمهينة التي تتنافى مع مبادئ احترام الذات البشرية والحق في الحياة.
وآخر حكم بالإعدام في تونس تم تنفيذه يعود إلى عام 1991 وكان في حق سفاح روع المواطنين بقتله 14 طفلاً بعد الاعتداء عليهم جنسيا.
إلا أن المدانين بأحكام مماثلة لاحقا يقضون عقوبة السجن مدى الحياة إلى حين وفاتهم، بدل إعدامهم شنقا.
وتقف هذه العقوبة اليوم حائلا أمام تعقب السلطات لعدد من العناصر الارهابية المطلوبة للقضاء خارج البلاد، خاصة في الدول الأوروبية.
ويمثل هيكل سعيداني الموقوف في ألمانيا منذ شباط/فبراير الماضي، والذي أصدرت بحقه السلطات التونسية بطاقة جلب للاشتباه بتورطه في احداث متحف باردو الارهابية في 2015، نموذجا من بين العشرات الآخرين المطلوبين في أوروبا.
وقال متحدث باسم محكمة تونس سفيان السليطي لـ(د ب أ) "يجب الاعتراف بأن عقوبة الاعدام تشكل في كثير من الأحيان عقبة في جلب المطلوبين خارج تونس بسبب مخاوف من اعدامهم".
وأضاف السليطي "توصلنا في أغلب الحالات الى تسوية وضعيات الكثير من المطلوبين، لكن لا يزال الأمر متعثرا مع هيكل".

طارق القيزاني
السبت 25 نونبر 2017