تونس تفتح أبواب التحكيم لمباريات كرة القدم على مصراعيه للنساء



تونس - طارق القيزان - كان الفضول يسيطر على أنظار الآلاف من المتفرجين الذين توافدوا على ملعب رادس، وهم يشاهدون أداء أول حكمة في تاريخ الدوري الممتاز، تصرخ في الملعب وتشهر البطاقات في وجوه اللاعبين وتوزع أحيانا الابتسامات لاحتواء حالات التشنج.

وقع المفاجأة لم يقتصر على الجمهور ووسائل الإعلام في تونس بل أن الحكمة درصاف القنواطي /33 عاما/ كانت أول من تفاجأ بقرار الاتحاد التونسي لكرة القدم بتعيينها من أجل إدارة مباراة الترجي التونسي وضيفه النادي البنزرتي في الجولة الختامية للدوري، والتي خصصت لاحتفالية تسليم درع البطولة للترجي.

كانت حالة الشغف بادية على وجه درصاف في حديثها مع وكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) عقب إدارتها بنجاح المباراة الختامية للدوري قائلة "سررت كثيرا بهذه الثقة. هذا شرف لتونس ولي أن أكون أول حكمة عربية وافريقية في الدوري الممتاز سيكون هذا حافزا قويا لي".


 

وتابعت في تأكيد جدارتها بنيل المكافأة بعد مسيرة حافلة "حققت نجاحا في البطولات الجهوية فمنحني الاتحاد فرصة ادارة مباريات في دوري الدرجة الثالثة ثم الثانية ونهائي كأس الشباب ذكور ومباراة الديربي للشباب (الترجي والافريقي). لكن لم أتوقع أن أحظى بفرصة الظهور في الدوري الممتاز".

وعلاوة على كونها الحكمة الأولى عربيا وافريقيا التي تتولى إدارة مباراة في بطولة محترفة، فهي كذلك الأولى خارج منطقة الاتحاد الاوروبي بعد الفرنسية ستيفاني فرابا التي أدارت مباراة اميانس وسترازبورج في نيسان/ أبريل 2019 والالمانية بيبيانا شتاين هاوس، وهي أول امرأة تدير مقابلة في بطولة اوروبية محترفة في ايلول/سبتمبر عام 2017 خلال مقابلة هرتا برلين وفيردر برام.

وفي الواقع يأتي قرار اتحاد الكرة عقب سلسلة من القرارات الجريئة المثيرة للجدل في خلال سنوات قليلة في بلد يتضمن نسبة عالية من المحافظين والاسلاميين الذين يشاركون في الحكم، مثل قرار سحب شرط الديانة الاسلامية لزواج التونسيات من الاجانب واقتراح مشروع قانون لمساواة المرأة والرجل في مادة الميراث.

وقد عرف عن تونس كبلد رائد في المنطقة العربية في تحرير المرأة منذ منتصف القرن الماضي. إذ تفرد لها القوانين المحلية والدستور حقوقا واسعة كما تنص أيضا على المساواة في الفرص بين الجنسين.

كما تفاخر النخبة في هذا البلد بتحقيق تونس السبق عربيا في عدة قطاعات اقتحمتها المرأة مثل امتهان الطب وقيادة الطائرات المدنية.

لكن برغم الدعم العائلي الذي لقيته درصاف خلال مسيرتها فإنها لم تخف في حديثها التمييز الشائع بين الاناث والذكور في قطاع التحكيم.

وتروي عن بداياتها الصعبة في قطاع التحكيم قائلة "يقولون دائما إن المرأة تنقصها الشجاعة والقدرة على اصدار القرارات فضلا عن الفوارق في اللياقة البدنية مع الرجل. هذا الأمر كان معرقلا في البداية لكن أنا أقول إن العمل والمثابرة هي الفيصل دائما وهي المحك الحقيقي. واليوم أثبت كفاءتي".

وعن طريقة تعاطيها مع احتجاجات اللاعبين الذين قد يكبرونها سنا على الميدان، توضح درصاف في حديثها "لم أجد صعوبة في التعامل مع اللاعبين على الميدان لأن أغلبهم كانوا شاركوا في السابق في مباريات لفئة الشباب كنت قد توليت إدارتها".

مع ذلك فهي تعترف بوجود حالات تشنج طبيعية على الملعب، مضيفة "تحصل بعض المناوشات أو الاحتجاجات من المدرجات لكن الحكم بشكل عام يجب أن يتحلى بقوة الشخصية وبالكاريزما لفرض قراراته، وأعتقد أنني نجحت في فرض شخصيتي".

وحتى تنجح في السيطرة على مجريات اللقاء تقول درصاف إنها لا تبالي بما يصدر عن الجمهور وأن أكثر تركيزها يكون موجها لما يحدث فوق الميدان، وأن الطريقة المثلى هي اعتماد الصرامة والسلاسة كلما اقتضى الأمر ذلك.

ويقول الاتحاد التونسي لكرة القدم في شرح أسباب قراره الخاص بتعيين درصاف الذي لقي اشادة من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) "كان نتيجة لمتابعة نشاطها وتقييم أدائها والارتقاء بها تدريجيا إلى بطولة النخبة المحترفة عن جدارة واستحقاق بفضل عملها الدؤوب كل موسم. وهذا التتويج يفتح الباب على مصراعيه لتنسج بقية الفتيات على منوالها".

لكن يعترف الاتحاد التونسي بأن تعيين درصاف لإدارة مباراة كرة قدم للذكور الأكابر لأول مرة في تونس، شكل حدث الجولة الأخيرة من الدوري التونسي الممتاز بلا منازع. ومع أن الاتحاد يضم 70 حكمة ينشطن في مختلف دوريات الشباب والبطولات الجهوية، إلا أن درصاف هي الأولى التي تحظى بشرف نيل هذه الفرصة عير المسبوقة.

بالعودة إلى سجلها الأول فقد مارست درصاف كرة القدم في طفولتها حتى عام 2009 ومن ثم انتقلت الى قطاع التحكيم في العام 2011 لتتلقى تكوينا مدته عام، ثم بدأت مسيرتها فعليا في العام التالي بإدارة مباريات فئات الشباب للإناث والذكور والمسابقات الجهوية وهي مدرجة في قائمة الحكام للاتحاد الدولي لكرة القدم منذ العام 2015.

والخطة الحالية لاتحاد الكرة هو أن يجعل قطاع التحكيم مجال استقطاب للعنصر النسائي مستقبلا، إذ يوضح الاتحاد أن تكوين الحكمات ليس امتيازا حصريا إذ أنه مفتوح لكل الفتيات ما بين سن 15 و20 عاما مع ضرورة تحصيلهن للحد المطلوب من التكوين الدراسي. ويسمح لهن التكوين الذي يمزج بين دروسا نظرية وتطبيقية بحصولهن على دبلوم درجة ثالثة للتحكيم.

وبحسب لوائح الاتحاد التونسي تتيح الدرجة الثالثة بالمشاركة في إدارة مقابلات الشبان والمقابلات الجهوية. ومن ثم، على مدى سنتين تتلقى الحكمات متابعة خاصة من طرف المكونين والمراقبين لتنمية قدراتهن الفنية والبدنية والنفسية للحصول على الدرجة الثانية.

وإثر الحصول على الدرجة الثانية تختار الحكمة التخصص كحكمة ساحة رئيسية أو حكمة مساعدة.

برغم التحفظات التي أبدتها أقلية من تجربة التحكيم النسائي في ملاعب كرة قدم تضج بالعنف والتعصب، فإن درصاف القنواطي تبدي تفاؤلها بإمكانية تعميم تجربتها تدريجيا في كافة ملاعب تونس.

ولا تخفي القنواطي ابتسامتها المتفائلة قائلة "اشجع الفتيات بقوة حتى يقبلن على قطاع التحكيم ولا يبقى حكرا على الرجال. الأبواب الآن فتحت. طبعا البدايات ربما كانت صعبة معي لكن أتوقع أن تكون أسهل وأكثر سلاسة مع الجيل القادم من الحكمات".

طارق القيزاني
الاحد 7 يوليوز 2019