"جمعية حماية البيئة" المصرية تطور البشر لتصنع الفن




القاهرة - جاكلين زاهر- من مجرد مصنع بسيط تأسس عام 1984 لتحويل مخلفات القمامة العضوية لسماد، تعمل فيه عدة فتيات، إلى واحدة من أبرز الجمعيات المدنية بمصر والمنطقة العربية، ليس فقط لخبرتها وتجربتها الطويلة والناجحة في تدوير المخلفات وإنما أيضا لمساهمتها في الارتقاء بمستوى البشر في منطقة امتزج فيها الفقر بالكثافة السكانية العالية.
"نحن قصة نجاح عمرها 35 عاما"، بهذا بدأ تامر مجدي مدير "جمعية حماية البيئة من التلوث" حديثه لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ)، من منطقة منشأة ناصر بضاحية المقطم جنوب شرق القاهرة.


 
ويروي أن "البداية كانت على يد نخبة من سيدات المجتمع، على رأسهم سيدة الأعمال المعروفة يسرية لوزا ساويرس، وليلى إسكندر وزيرة البيئة السابقة، والراحلة ماري أسعد أستاذة علم الأنثروبولوجيا بالجامعة الأمريكية اللاتي كن يزرن المنطقة بهدف مساعدة الفقراء من أهلها وتحديدا فئة جامعي القمامة إلا أنهن فكرن في إنشاء مصنع للسماد لمساعدة سكان هذا الحي (حي الزبالين) بمنشأة ناصر في التخلص من مخلفات القمامة العضوية التي كانت تؤثر سلبا على صحتهم إلى جانب تلويثها للبيئة".
وتابع :"الأمر لم يكن سهلا أبدا في البدايات ... فمجتمع جامعي القمامة كان منغلقا بدرجة كبيرة على ذاته، وبالتالي لم يتقبل بسهولة فكرة دخول غرباء عليه، ولكن بإصرار وجهد تلك النخبة من السيدات تمكنّ نهاية الأمر من اختراقه".
وذكر أن "/النساء الفريزة/، اللاتي يقمن بفرز القمامة إلى عضوية وصلبة، كن الأكثر استجابة ... وبدأ الحديث معهن حول كيفية الفرز الآمن والصحي للقمامة، ثم تطور الأمر إلى دعوتهن لمحو أميتهن ومحو أمية أطفالهن ممن لم يلتحقوا بالتعليم أو تسربوا منه، ثم إلى التدرب على أنشطة يدوية مثل صناعة السجاد اليدوي".
واستطرد :"مع إدراك أن الرجال من جامعي القمامة لم يكونوا ليقبلوا بذلك كونه سيؤثر على دخل الأسرة، جاء تغيير الخطط بدعوة النساء والفتيات لتعلم حرفة صناعة السجاد اليدوي مقابل دخل معقول".
وعن الوضع الراهن للجمعية ومنتجاتها، قال مجدي :"منتجاتنا الآن لا تقتصر على السجاد اليدوي، وإنما تمتد أيضا لأعمال الباتشورك (فن الترقيع بالمنسوجات والورق)، والحلي المعدنية، وبالتالي لدينا أكثر من وحدة تقدم منتجات صديقة للبيئة من مخلفات معاد تدويرها".
وأوضح أن الجمعية لا تصنع منتجاتها من القمامة المنزلية، وذلك لأن المواد الصلبة عادة ما تكون مختلطة بأخرى عضوية. وأوضح :"نلجأ للمنبع، أي أننا نأخذ من مخلفات مصانع النسيج والخيوط المختلفة ونعيد تدويرها، في وحدة النسيج، لتتحول بالنهاية لسجاد يدوي ومفارش للموائد والأسرّة ومنتجات أخرى لا يمكن وصفها إلا بكونها تحفا فنية. كما أننا نحصل من المؤسسات الحكومية والمدارس والجامعات وغيرها على الأوراق المستغنى عنها ونعيد تدويرها، في وحدة الورق، لتتحول إلى قطع جميلة من العلب والكروت والتذكارات والعلب الورقية. ومؤخرا بدأنا في التعاون مع الفنادق الكبرى للحصول على مخلفات قطع الصابون لإعادة تدويرها وتصنيع قطع مميزة من الصابون المعطر".
أما عن عدد العاملين والمستفيدين من أنشطة الجمعية، فقال مجدي :"لقد بدأنا بعدد محدود جدا من العمالة، ربما لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، والآن لدينا تقريبا 200 موظف من بينهم مسؤولو تحكم بالمواصفات والجودة بالوحدات الإنتاجية المختلفة.. وهناك أيضا ما يقرب من 1700 أسرة تعمل معنا بنظام القطعة ونطلق عليهم /شركاء الإنتاج/ ممن ينفذون التصاميم الخاصة بمنتجاتنا في منازلهم طبقا لمواصفات جودة نحددها نحن ... وبالطبع كلما زاد الإنتاج كلما زاد دخلهم ... ونحن طبعا كجمعية نتولى التسويق لكل المنتجات".
يذكر أن الجمعية فازت بجائزة جولدمان للبيئة عام 1994 ، وجائزة دبي الدولية لأفضل الممارسات لتحسين البيئة الحية عام 1998 ، وجائزة الشباب العالمية الشرفية للبيئة عام 1995 من قبل برنامج الأمم المتحدة للبيئة.
ويرى مجدي أن العامل الأكبر الذي ساهم في نجاح الجمعية هو "ثقة أهالي المنطقة بالقيادات والعاملين فيها". وكشف أن الجمعية تهتم بمواهب المتعاملات معها ومواهب أبنائهن، وأوضح :"كثير من التصاميم التي ننفذها حاليا هي من إبداع فنانات كن قبل سنوات مجرد فريزة قمامة".
وقال :"نشعر بالفعل أننا حققنا هدفنا بخلق تنمية مستدامة لأغلب من تعاملن معنا من أهالي الحي ومكناهن من العيش بشكل كريم دون الاعتماد أو انتظار المساعدة من أي جهة".
من جانبه، تطرق المسؤول الإعلامي للجمعية بخيت رزق، في حديثه لـ (د.ب.أ)، لبرامج التنمية التي تقدمها الجمعية. وقال :"بالطبع عملنا على محو أمية العاملات معنا سواء من الفتيات أو السيدات، وبالفعل نجحت كثيرات منهن في الحصول على شهادات تعليمية متوسطة".
وتحدث أيضا عن تجربة الجمعية المتميزة في تأسيس ناد للطفل للتأهيل ما قبل مرحلة التعليم، ولكن على نحو ابتكاري وإبداعي، وقال :"مرحلة ما قبل المدرسة يتم فيها تعليم الطفل مبادئ ومهارات القراءة والكتابة والموسيقي والرسم والفن المسرحي، ويحصل خلالها على وجبة غذائية مناسبة لتنمية جسده في هذه المرحلة."
وتابع أنه يتم أيضا استقبال أبناء الحي الأكثر فقرا بالمرحلتين الابتدائية والإعدادية للحصول على دروس استذكار وتقوية بالمواد التي يصعب عليهم استيعابها حتى لا يقود هذا لتسربهم من التعليم.
أما على مستوى مشروعات الصحة، فلفت رزق لجهود الجمعية على مدار أكثر من 20 عاما في تنفيذ حملات متعددة للكشف المبكر عن كثير من الأمراض وعلاجها.
وأعرب رزق عن اعتزازه وسعادته بأن الجمعية ساهمت في تخريج جيل من "الاسطاوات" (الماهرات) في مجالات صناعة السجاد وأعمال الحياكة والتطريز، مضيفا أن هناك كثيرات تركن الجمعية بعد سنوات من التدريب والعمل بوحداتها وانتقلن للعمل بمصانع كبرى أو صرن يمتلكن مشاريع صغيرة خاصة بهن.
وتبدي زينب عبد الموجود (موظفة بجمعية حماية البيئة) امتنانا كبيرا للجمعية، وتقول لـ(د.ب.أ) :"لم أكن حاصلة على أي شهادة تعليمية، بل لم يكن لدي حتى شهادة ميلاد لأن أسرتي لم تكن تهتم إلا بتسجيل الذكور فقط ... ولكن بعد انضمامي للجمعية تغير كل ذلك، صار لدي هوية وشهادة تعليمية، كما أصبحت موظفة رسمية لديها تأمين وراتب يصل لأكثر من ألفي جنيه".
وتؤكد سامية وديع مسؤولة وحدة النسيج والباتشورك في الجمعية أهمية الدور الكبير الذي تقوم به الجمعية وخاصة أنها تسهم في صقل شخصيات اللاتي عملن فيها.
وأوضحت، لـ(د.ب.أ)، :"كنت من أوائل من انضممن للجمعية، وبفضل مساعدتهم حصلت على شهادة في محو الأمية، ثم شهادة تجارية متوسطة، وكان من الممكن أن ألتحق بالجامعة، إلا أني لم أفعل، لأني رأيت أن عملي أكسبني الكثير من الخبرة التي لا يمكن توافرها بأي جامعة أو معهد".
أما عن منتجات وحدتها، فتوضح وديع :"لدينا ما يقرب من 150 منتجا، وإلى جانب السجاد اليدوي، هناك مفارش أسرّة وموائد وحقائب وألعاب أطفال ووحدات إضاءة ... كما أننا ننفذ طلبيات خاصة كالزي الموحد لبعض المؤسسات والمصانع أو التذكارات ذات الرسوم الفرعونية التي تعرض في البازارات والأسواق القريبة من المواقع الأثرية".
أما زميلتها رئيسة وحدة تدوير الورق هدى فائق فتؤكد أن المجتمع قد صار أكثر تقبلا لفكرة المنتجات المعاد تدويرها .
وتوضح، لـ(د.ب.أ)، :"نحن ننتج من الورق المعاد تدويره دعوات زفاف ورقية وبطاقات معايدة وعلب ورقية وكراسات تلوين ومذكرات، وإلى جانب الورق ننفذ تصاميم فنية من أغطية صفائح تعليب المواد الغذائية ونصنع منها مكملات أناقة (اكسسوارات) للسيدات".
وأعربت سيادة جريس، الرئيس الحالي للجمعية، عن حلمها بأن تتوسع وتتكرر تجربة الجمعية بمناطق أخرى بالجمهورية "لتقديم المساعدات والبرامج التنموية لأفراد ربما يكونون أشد فقرا واحتياجا إلا أنهم لم يجدوا من يمد لهم يد المساعدة حتى الآن".
وأوضحت جريس، لـ(د.ب.أ)، :"نحلم بأن يكون هناك فروع متعددة لنا أو تقوم جمعيات أخرى بنفس دورنا في مختلف المحافظات، وبالفعل دربنا الكثير من الجمعيات على منهج عملنا ومشاريعنا التنموية".
ولفتت إلى أهمية أن تساهم الحكومة في "التوسع في بناء مصانع إعادة التدوير ... والعمل والتنسيق مع المجتمع المدني في الدعوة لفرز القمامة داخل المنازل وعدم خلط العضوي بالصلب لضمان نجاح وزيادة حجم عملية التدوير، وتحديدا للمواد الصلبة من ورق أو نسيج أو معادن أو زجاج أو بلاستيك".
وعن كيفية تمويل الجمعية لنشاطاتها وخدماتها المختلفة، أوضحت :"نقبل التبرعات من قبل أعضاء مجلس إدارة الجمعية ومن خارجهم، بعد التأكد من سلامة وقانونية التبرع وضمان استقلالية عملنا ... وبعض الخدمات نقدمها بأجر زهيد جدا جدا، وبالتالي فإننا لا نعتمد فقط على عوائد بيع المنتجات والمعروضات للإنفاق على المشاريع والأنشطة".

جاكلين زاهر
الجمعة 21 يونيو 2019