تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
عيون المقالات

من يقف وراء تفجير دمشق؟

07/07/2026 - بكر صدقي

مجلس الشعب المؤجل والمهان

07/07/2026 - أحمد أبا زيد

الحرب مستمرّة من مضيق هرمز إلى لبنان

06/07/2026 - عبدالوهاب بدرخان

*ثقافة الخضوع*

06/07/2026 - سلام كواكبي

*قانون لحماية المواطنين من الدولة*

05/07/2026 - عبد الرحمن الحاج

يونيو 1967 وهذه الغابة السوداء

23/06/2026 - إبراهيم عبد المجيد

السعار العقاري في سوريا بين المضاربة والفوضى

19/06/2026 - طالب عبد الجبار الدغيم


حين تُجبر الدولة القومية على إعادة تعريف نفسها






ليست أزمة أوروبا مع أبناء المهاجرين أزمة سلوك فردي كما يُصوَّر أحيانًا، ولا هي مجرد سؤال عن الاندماج أو اللغة أو حتى الولاء الرمزي في لحظة مباراة، إنها في العمق أزمة نموذج كامل، نموذج الدولة القومية الذي بُني على فرضية أنّ الأمة يمكن أن تكون متجانسة، وأنّ الانتماء يمكن أن يُختزل في هُوية واحدة واضحة ونهائية.


 لكن أوروبا اليوم تقف أمام واقع مختلف تمامًا. فداخل حدود الدولة الواحدة، تتجاور هُويات متعددة، وذاكرات متباينة، وتجارب تاريخية لا تلتقي دائمًا في سردية واحدة. وهنا تبدأ الدولة في مواجهة مرآتها، مرآة تكشف أنّ ما كان يُفترض أنّه “وحدة ثقافية” صار فسيفساء اجتماعية لا يمكن إنكارها.

يطرح تعاملُ الألمان مع لاعب منتخبهم الوطني مسعود أوزيل هذا الأمر على طاولة البحث بوصفه مثالًا حيًا قريبًا في الذاكرة الرطبة. ويعيد النقاشُ الذي يطرحه اليمين المتطرّف إلى الواجهة مسألة الهُوية القومية كما عرّفتها الأدبيات الكلاسيكية، مع دولة المواطنة المتساوية كما تنصّ عليها الدساتير الحديثة.

في هذا السياق، تصبح كرة القدم مجرد لحظة عابرة تكشف ما هو أعمق بكثير. فحين يشجع أبناء الجيل الثاني أو الثالث من المهاجرين منتخب بلد الأصل، لا يحدث "انفصال عن الدولة"، بل يظهر أنّ مفهوم الانتماء نفسه لم يعد بسيطًا كما كان في التصور الكلاسيكي للدولة القومية.

ما يزال جزء من الخطاب العام في أوروبا ينظر إلى الهوية بوصفها معادلة صفرية، إما أن تكون "كاملاً" في الانتماء، أو أنك في موقع نقص يحتاج إلى تصحيح..

لا ينظر الإسبان بالطريقة ذاتها إلى اللاعب لامين يامال (أمين جمال) ذي الأصول المغربية، فيما لو اختار اللعب مع منتخب المغرب الوطني وليس مع المنتخب الإسباني، ولن ينظروا له مستقبلًا بالنظرة الحالية فيما لو قرر تغيير رأيه.

المشكلة ليست في التعدد، بل في الطريقة التي تتعامل بها بعض الخطابات السياسية والإعلامية معه. إذ ما يزال جزء من الخطاب العام في أوروبا ينظر إلى الهوية بوصفها معادلة صفرية، إما أن تكون "كاملاً" في الانتماء، أو أنك في موقع نقص يحتاج إلى تصحيح، هذا التصور لا يترك مساحة للانتماءات المركبة، ولا للاختلافات الطبيعية الناتجة عن الهجرة والعولمة.

لكن التاريخ الأوروبي نفسه لا يدعم هذا التصور الصارم. فالدول الأوروبية الحديثة تشكلت عبر موجات من التحولات الداخلية، والهجرات، وإعادة رسم الحدود، ولم تكن يومًا كيانات نقية تمامًا كما يتخيلها الخطاب القومي.

ومع ذلك، رسّخت الحداثة السياسية فكرة "الأمة الواحدة"، باعتبارها أساس الدولة والاستقرار. بعد الحرب العالمية الأولى انهارت ثلاث إمبراطوريات أوروبية، وتشكّلت دول جديدة تمامًا، وبعد الحرب العالمية الثانية انتقل الكثير من الأوروبيين بين البلدان المتصارعة لاجئين ومهاجرين، ومن هنا بدأت أساسًا قصّة الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالهجرة واللجوء. 

اليوم، هذا الأساس يتعرض لاختبار صعب، فالمجتمعات لم تعد متجانسة، لكنّ المؤسسات السياسية والإعلامية ما تزال تستخدم لغة قديمة لوصف واقع جديد، وهذا التوتر بين اللغة والواقع هو ما يجعل قضايا مثل تشجيع فريق كرة قدم تتحول إلى رموز سياسية مكثفة.

إن ما يظهر في المدرجات ليس سوى انعكاس لهذا التوتر البنيوي. فالشاب الذي وُلد في باريس أو بروكسل أو أمستردام، قد لا يرى تناقضًا في أن يكون مواطنًا كامل الحقوق في بلده الأوروبي، وأن يحتفظ في الوقت نفسه بصلات وجدانية وثقافية مع بلد أصوله. لكنّ الخطاب العام غالبًا ما يقرأ هذا التعدد باعتباره انقسامًا، لا تركيبًا.

هنا يظهر سؤال أعمق، هل المشكلة في هذا الشاب، أم في النموذج الذي يصر على تعريف المواطنة بوصفها انتماءً أحاديًا؟ وهل الاندماج التزامٌ أحادي الجانب، أم هي معادلة ذات طرفين وعلى كلّ منهما التزامات يجب أن يفي بها قبل أن يطالب الطرف الآخر بالوفاء بالتزاماته؟

هل ينظر الفرنسيون لمواطنيهم من أصول إفريقية من سكّان الدائرة الثامنة عشرة في باريس مثلًا، بالطريقة ذاتها التي ينظرون بها إلى كيليان امبابي أو عثمان ديمبليه أو غيرهما من نجوم المنتخب الوطني الفرنسي؟

إن الدول القومية الحديثة تواجه اليوم تحديًا مزدوجًا، من جهة، فهي مطالبة بالحفاظ على تماسكها السياسي والقانوني؛ ومن جهة أخرى، وهي تعيش داخل عالم تتحرك فيه الهُويات بحرية أكبر من أي وقت مضى. والهجرة ليست استثناءً، بل جزء بنيوي من هذا العالم. 

في الولايات المتحدة، ورغم كل تعقيداتها، تم تطوير نموذج أكثر مرونة نسبيًا تجاه الهويات المتعددة، حيث يمكن للفرد أن يحتفظ بذاكرته الثقافية دون أن يُطعن في انتمائه الوطني تلقائيًا. كان هذا قبل صعود ترامب وقبل تطوّر الظاهرة الترامبية، لكنّ ذلك يبقى مسألة عابرة في تاريخ بلدٍ قام أساسًا على الهجرات. أما في أوروبا، فما زال النقاش حول الهُوية محكومًا في كثير من الأحيان بمنطق الحذر من “الآخر الداخلي”، حتى عندما يكون هذا الآخر مواطنًا كامل الحقوق.

لكنّ أخطر ما في هذه الإشكالية ليس فقط في السياسة أو الإعلام، بل في اللغة نفسها. فحين تُستخدم مفاهيم مثل "الاندماج الناقص" أو "الولاء المزدوج" بشكل فضفاض، تتحول المواطنة من وضع قانوني إلى اختبار نفسي دائم، لا نهاية له.

وفي هذا السياق، تصبح كرة القدم مجرد لحظة تكثيف لهذا الاختبار. فهي تكشف ما تحاول السياسة أحيانًا إخفاءه، أنّ الانتماء ليس حالة صافية، بل تجربة معقدة تتشكل عبر الزمن والذاكرة والعلاقات الاجتماعية.

المفارقة أنّ المجتمعات التي تشعر بثقة أكبر في هويتها هي الأقل انشغالًا بمراقبة تعبيرات الانتماء لدى أفرادها. فكلما زادت هشاشة التصور الجمعي للهوية، زادت الحاجة إلى اختبارات رمزية مستمرة لإثباتها.

أوروبا لا تواجه أزمة مهاجرين بقدر ما تواجه أزمة تعريف الذات. فهي تنظر إلى مرآتها الاجتماعية الجديدة، لكنّها ما زالت تستخدم مفاهيم قديمة لاستيعاب ما تراه..

ولعل هذا ما يفسر حساسية بعض النقاشات الأوروبية تجاه مظاهر بسيطة مثل رفع علم أو تشجيع منتخب أو ارتداء لباس معيّن. فهي لا تُقرأ كفعل رياضي أو عاطفي، بل كإشارة سياسية محتملة، تحتاج إلى تفسير أو ضبط أو حتى مساءلة.

لكنّ الاعتراف بتعدد الانتماءات لا يعني تفكيك الدولة، كما يُخشى أحيانًا. بل يعني إعادة تعريفها بطريقة أكثر انسجامًا مع الواقع. دولة تستطيع أن تضم مواطنين يحملون ذاكرات مختلفة، دون أن تشترط عليهم محو هذه الذاكرة كي يصبحوا جزءًا منها.

في نهاية المطاف، أوروبا لا تواجه أزمة مهاجرين بقدر ما تواجه أزمة تعريف الذات. فهي تنظر إلى مرآتها الاجتماعية الجديدة، لكنّها ما زالت تستخدم مفاهيم قديمة لاستيعاب ما تراه. وهذا التوتر بين الواقع والتصوّر هو ما يجعل سؤال الهُوية حاضرًا في كل تفاصيل الحياة اليومية، حتى في مباراة كرة قدم.

ربما لهذا تبدو كرة القدم مهمة أكثر مما ينبغي. لأنها ببساطة تكشف ما لا تستطيع السياسة قوله بسهولة، وهو أنّ الانتماء في العالم المعاصر لم يعد خطًا واحدًا، بل شبكة من الروابط المتداخلة، وأنّ محاولة تبسيطه قد تكون أحيانًا أكثر خطورة من تعقيده نفسه. 
------------
تلفزيون سوريا 


حسان الأسود
الجمعة 10 يوليو 2026