تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
عيون المقالات

بروفات فاشلة في دمشق

24/03/2026 - ماهر حميد

حرب تغيير الملامح

13/03/2026 - غسان شربل

( تصريحات ترامب ونهاية الحرب )

12/03/2026 - محمد أبو رمان*


سوريا المتأرجحة بين الجمهورية والإمارة الإسلامية




هناك وصفة مضمونة النتائج في التاريخ السياسي الحديث. كلما قررت السلطة أن تتدخل في الحريات الشخصية للأفراد، فإنها تضع اللبنة الأولى لعلاقة تضادّ مع المجتمع. علاقةٌ تتدرج، بحكم تراكماتها، نحو أحد مآلين، إما انفجار يقوّض النظام ذاته، أو التراجع المتأخر نتيجة لما تفرضه كلفة الصدام


 

لا أتحدث هنا عن فرضية نظرية وحسب. فأمامنا تجربتان بارزتان في المنطقة، إيران والمملكة العربية السعودية. في الحالة الأولى، ما زال النظام، حتى ما قبل الحرب الأخيرة، يمارس مستويات عالية من الضبط الديني والاجتماعي، خصوصاً تجاه النساء، من دون تقديم تنازلات تفتح الباب لمصالحة مجتمعية. وقد شكّلت الأحداث التي أعقبت مقتل مِهسا أميني عام 2022 دليلاً صارخاً على ذلك، فبدلاً من إعادة السلطات الإيرانية النظر في سياسات الرقابة والتدخل، ذهبت إلى تعميقها، ما أدّى إلى تكريس فجوة في الثقة يصعب ردمها

المشكِلة الأساسية في الحالة السورية، كما أراها، هو تعشيش عقلية "الإمارة الإسلامية" داخل بنية يُفترض أنها تتجه نحو دولة حديثة، أقلّهُ بحسب تصريحات قادتها الجدد في دمشق.

في المقابل، اختارت العربية السعودية في السنوات الأخيرة مساراً مختلفاً، بل ومعاكساً، يمكن وصفه بالتاريخي. إذ اتجهت نحو تفكيك تدريجي لرواسب عقود من التدخل في تفاصيل الحياة الشخصية والخاصة لمواطنيها، في إطار تسوية غير معلنة مع المجتمع، تعيد بموجبها تدريجياً تعريف العلاقة بين الدولة والفرد. إيرادي لهذه المقارنة لا يهدف هنا إلى المفاضلة فقط، إنما وددت أن أصل إلى إظهار مقولة بسيطة تفيد بأن المجتمعات، في ظل الانفجار الإعلامي العالمي الذي نعيشه، لم تعد قابلة للاستقرار تحت وصاية رثّة على أنماط عيشها من قبل السلطات.

من هنا، أرى وجوب التمييز بين مفهومين "الجمهورية الحديثة" مقابل "الإمارة الإسلامية". المفهوم الأول يقوم، أقلّه نظرياً، على تعاقد مدني بين مواطنين أحرار متساوين أمام القانون إن كانوا من قومية ودين واحد أو من متعددي الانتماءات القومية والدينية والطائفية، في حين يقوم الثاني على سلطة ترى في نفسها وصيّاً على السلوك الفردي والجماعي. هذا الفارق باعتقادي جوهري في بنية الدولة ذاتها، والأهم في قابليتها للاستمرار. للأسف هناك في سوريا مَن ما زال يحلم بتغليب إقامة الإمارة على حساب الدولة الحديثة، من دون الانتباه إلى أن تدخّل السلطة في الحريات الشخصية من أهم الوصفات المجرَّبة لقيام علاقة تناحرية بين الدولة والمجتمع، وصولاً إلى الانهيار تالياً ما لم يتم التراجع، كما أسلفت.

المشكِلة الأساسية في الحالة السورية، كما أراها، هو تعشيش عقلية "الإمارة الإسلامية" داخل بنية يُفترض أنها تتجه نحو دولة حديثة، أقلّهُ بحسب تصريحات قادتها الجدد في دمشق. ما يجعل القرارات المحلية غير مفهومة ضمن السياق الإداري الطبيعي، لتبدو وكأنها تتأتّى من ضمن "إقطاعات" خاصة، يديرها مسؤولون من الصف الثاني، يتصرفون بوصفهم أوصياء على عادات الناس وسلوكهم، وليسوا مجرّد موظفين عموميين مكلفين بتطبيق القوانين والأنظمة. ولهذا يتساءل كُثر من السوريين اليوم، وهم محقّون، هل نحن أمام محافظة أو بلدة تتم إدارتها وفق سياسات الدولة، أم أننا أمام مساحة نفوذ "إقطاعة" يحكمها مزاج "الأمير"؟ المفارقة المؤلمة، والتي تقترب أحياناً من الكوميديا السوداء، أن هذا النوع من التفكير يبرزُ سوريّاً في لحظة إقليمية ودولية شديدة الخطورة.

المنطقة بأسرها في قلب المِرجل، وتقف على حافة تحولات كبرى قد تعيد تشكيل توازناتها السياسية وربما الجغرافية، وبالطبع سوريا لن تكون بمنأى عن ذلك مهما حاولت، كما هو دأبها الآن. مع ذلك، ينشغل بعض من يعتقدون بأنهم "حُرّاس العفة والفضيلة" بـتقنين "المكياج" والمشروبات أو بالفصل بين النساء والرجال، من دون الالتفات إلى التحديات الوجودية التي تحيط بالبلد، والتي لا تحتمل هذا النوع من القرارات السطحية في ضبط سلوكيات المجتمع وتطويعهِ لصالح ما يعتقد به هؤلاء. هذا إن لم نذكر المشكلات المحلية الحقيقية بما فيها الفقر والبطالة وشُحّ الموارد والفوضى والفلتان الأمني. هؤلاء بفعلهم هذا، إضافة إلى تحدّيهم لقيم الاعتدال، إنما يزاودون حتى على خطاب رأس هرم السلطة الحالية. على سبيل الطرافة رغم مرارة اللحظة، لا يخطر ببالي شخصياً أمام هذا المشهد سوى المثل الشعبي "الناس بالناس، والقِطّة بالنفاس".

الإيجابي في حالتنا، هو ما يبديه السوريون من استياء تجاه هذه الظواهر، وهو رد فعل صحي، يعبّر عن وعي متزايد بخطورة الانزلاق نحو نماذج حكم ثبتَ تاريخياً عجزها عن إنتاج الاستقرار. ولا أحد، باستثناء الفكر المتطرف، يمكنه إنكار حق المجتمع في النقد والاحتجاج. على العكس يجب أن تنال حركات الاحتجاج تلك تشجيع الجميع حتى من لا يوافق المحتجين على بعض آرائهم. مع ذلك، يبقى من الضروري (لي شخصياً على الأقل كما دأبتُ دائماً) التمييز بين هذا النوع من النقد والاحتجاج، وبين الخطاب العدمي الذي يتبناه بعض المهزومين الثأريين، ممن يرون في انهيار كل شيء انتصاراً شخصياً، باتّباعهم "خيار شمشون" التدميريّ، ولو أتى ذلك على البلد والمجتمع بكامله.

الأهم أن سوريا التي دفعت أثماناً باهظة لا يجب أن تُترك للمراهنات الخاطئة من ذوي التفكير المحدود، فالسوريون لا يملكون ترف تكرار تجارب فشلت في كل اختباراتها.

خروجاً عن الموضوع، خطر لي في هذه اللحظة وأنا أختم كتابة هذه المادة سؤال ذاتي، وهو كلاسيكي كما سترون. هل مواقفي وكتابتي هذه تتموضع في الجانب الصحيح من التاريخ؟

تاريخ سوريا على الأقل؟ الحقيقة، لستُ متأكداً، ولا إجابة حاسمة لديّ. ترجيحات الإجابة بالنسبة لي متماثلة وهذا ما يدعوني إلى التردد. قد يأتي يوم أقول فيه لمن حولي متباهياً، على عادة بعض الأصدقاء "ألم أقل لكم؟". والاحتمال المساوي تماماً أن أردّد بيني وبين نفسي على الأقل، إن لم أمتلك شجاعة القول والاعتراف "كم كنت حالماً وساذجاً، وكم كانت السياسة كعادتها أكثر اتساخاً مما يحتمل تفكيري البسيط".

بكل الأحوال، ما أنا متأكّد منه، ويمكنني قوله بدرجة أعلى من اليقين، هو أن تجاهل هذه المحاذير اليوم أو التقليل من شأنها، لا يمكن أن ينضوي تحت باب الحياد، فليس من النُبل في شيء الانخراط الصامت في مساراتٍ قد ندفع ثمنها جميعنا لاحقاً، بعد أن يتآكل البلد والمجتمع تدريجياً. كما تعلمون انزلاق الدول نحو نماذجها الكارثيّة لا يتم في لحظة واحدة، بل على دفعات قد لا تثير الريبة أحياناً. والأهم أن سوريا التي دفعت أثماناً باهظة لا يجب أن تُترك للمراهنات الخاطئة من ذوي التفكير المحدود، فالسوريون لا يملكون ترف تكرار تجارب فشلت في كل اختباراتها.
-------------
تلفزيون سوريا


مالك داغستاني
الخميس 26 مارس 2026