تم إيقاف أقسام اللغات الأجنبية مؤقتا على أمل ان تعود لاحقا بعد ان تتغير الظروف

الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بخمس لغات عالمية
الهدهد: صحيفة اليكترونية عربية بأربع لغات عالمية
عيون المقالات

الرقة وقسد: سيرة جسور مُدمّرة

28/01/2026 - ياسين السويحة

سلامتك يا حلب

11/01/2026 - أنس حمدون

في الطريق إلى سوريا ومنطقة جديدتين

03/01/2026 - عبد الوهاب بدرخان


طليطلة مدينة اللوز والعسل وبصمات فنانها الجريكو




مدريد - راكيل ميجيل –لازالت طليطلة تحمل عبق أجواء العصور الوسطى، وكما أنها مدينة الأسلحة والدروع، هي أيضا مدينة حلوى اللوز والعسل، مدينة الكاتدرائيات والقلاع. مبانيها عبارة عن متاهة لا يكسر وحدتها سوى أفنيتها الداخلية، تتميز بعمارتها ذات الطابع التاريخي، التي تتخللها لمسة حداثة. وهي أيضا مدينة تتسم بالهدوء والسكينة، ولا عجب فقد كانت مهدا لتجربة حضارية فريدة في تاريخ الإنسانية، حيث شهدت بين جوانبها التقاء الثقافات المشتركة النابعة من الديانات السماوية الثلاثة: اليهودية والمسيحية والإسلام. وقد استمرت هذه التجربة لقرون طويلة على ضفاف نهر التاخو الخالد، وكان ملكها ألفونسو العاشر الملقب بالعالم أو الحكيم يفخر بأنه ملك على الثقافات الثلاثة، وقد أسس مدرسة للترجمة جمعت علماء وفقهاء من المسلمين والمسيحيين واليهود، ولا تزال هذه المدرسة قائمة ونشطة إلى اليوم.


هذا المشهد التشكيلي هو ما تقدمه المدينة الإسبانية من خلال معرض "طليطلة المعاصرة" الذي يقدم رؤية اثني عشرة فنانا عالميا تمت دعوتهم للتعرف على المدينة، في إطار فعاليات "عام الجريكو" بمناسبة الاحتفال بالمئوية الرابعة للفنان الشهير.
 
فبعد تخطي تحدي التعبير عن الهوية المعاصرة لفينيسيا مدينة البندقية، خلال آخر بينالي أقيم في المدينة الإيطالية، قامت خبيرة المعارض الشهيرة ومسئولة قاعة إيفوريبريس (Ivorypress) إيلينا أوتشوا فوستر، بالإشراف على هذا المشروع الفني، من أجل إعادة اكتشاف الهوية الثقافية والدينية والانسانية لمدينة طليلطة من منظور معاصر، وبأسلوب يكسر جمود الفكرة النمطية السائدة عن واحدة من أكثر مدن إسبانيا كلاسيكية.

من أجل إنجاز هذا البورتريه التشكيلي المجمع للمدينة، وقع اختيار اوتشوا على 12 فنانا استخدموا التصوير الفوتوغرافي أو الفيديو كوسيلة، لتجسيد روح المدينة، بأسلوب غير تقليدي للطرح الفوتوغرافي لمعالمها. تقول منسقة المعرض إن "كان يتعين على الفنانين التعامل مع العناصر الثقافية التي صنعت أسطورة طليطلة، ومن ثم كان يتعين أن تضم هذه اللمحات تاثيرات عربية، يهودية ومسيحية، بالإضافة إلى عناصر شابة ومخضرمة مواهب معروفة وأخرى ناشئة".

الطريف في الأمر أن الجريكو (1541-1614) نجم الفعاليات، يعتبر حاضرا وغائبا في الوقت نفسه عن هذا المعرض. وبالرعم من الحدث الفني لا يتناول أي عمل من أعمال الجريكو، إلا أن جميع المعروضات تحمل نفحة من جوهره وإرثه، وفق ما تؤكده أوتشوا، موضحة بمناسبة تقديم المعرض أن " الفنانين قاموا بعملهم بدون دليل استرشادي، لكي يكون المشروع في صورته النهائية نتاج حقيقي لإعادة اكتشافهم للمدينة، ومن ثم تركت لإرادتهم الحرة مسألة اكتشاف الجريكو من عدمه، إلا أنه خلال مسيرتهم، اضطر غالبية الفنانين للعودة إلى الجريكو كمرجعية لمنظورهم عن المدينة".

كانت تجارب الفنانين عن المدينة شديدة التنوع بتنوع تياراتهم وانتماءات مدارسهم وهو ما انعكس من خلال الأعمال التي التقطوها، وخير مثال على ذلك الفنان الأمريكي الشهير فيليب لوركا دي كورسيا الذي التقط خلال بضعة ساعات ثمان بورتريهات فوتوغرافية غارقة في طبقة رقيقة من السحاب اشهرها لقطة رأس يوحنا المعمدان على طبق من فضة، في إطار تشكيلي مغرق في التجريد. وبالرغم من أن هذا الإسهام يعتبر الأقل من بين الفنانين المشاركين في المعرض إلا أنه يعتبر الأكثر تراجيدية وتكثيفا للجوانب التاريخية والدينية للفن في طليطلة، بحسب وصف اوتشوا.

على العكس من ذلك استغرق الفنان الارجنتيني ماركوس لوبيز، عدة أسابيع ليعثر على رؤيته الخاصة عن طليطلة. انطلق لوبيز عبر دروب وطرقات الأحياء القديمة للمدينة العريقة، والتي تعج بالسائحين الأجانب، والذين لا تتوقف فلاشات كاميراتهم عن تسجيل كل ركن فيها، مما أصابه بنوبات فزع متكرر، و في أكثر من مناسبة تم نقله إلى حجرته بالفندق لكي يستعيد رباطة جاشه، ولكن يبدو أن أعماله المتميزة عن المدينة كانت تلك التي التقطها عبر نافذة الحجرة أو من موقعه في الحمام، فجاءت كلها تحمل طابعا تهكميا ساخرا، حيث تخيل نفسه أحد فرسان الهيكل، في مدينة من العصور الوسطة مملوءة بجيوش الغزاة، كما عكس أيضا من خلال هذا المنظور طليطلة الحديثة مدينة السياحة الثقافية والتاريخية وحلوى اللوز بالسكر.

أما الفنان الإيطالي ماسيمو فيتالي، فقد اختار التعامل مع جانب الثقافة المسيحية بالمدينة وعناصر الميثولوجيا (الأسطورة) من خلال مجموعة (تاراسكا) التنين القزم المجنح، الذي يعتبر أحد ملامح التراث الثقافي بالمدينة، مستعرضا أيضا قصة آنا بولينا، المرأة التي تعرضت لكثير من الانتقاد، لتسببها في أن تخلي الملك هنري الثامن عن زوجته الإسبانية كاثرين دي أراجون.

بدورها حاولت الفنانة الفرنسية فلوريال، المعروفة بتصويرها لشخصيات المهمشين، والتي اضطرت من أجل معرض طليطلة للتخلي عن قاع المجتمع لتقديم لوحات فوتوغرافية، تعكس تعبيرات الأشخاص الداخلين والخارجين من الكاتدرائية، وقد اكتست وجوههم بمسحة إيمانية. وتعتبر لوحتها التي تصور ستة أشخاص يغادرون الكاتدرائية أكبر لوحة في المعرض حيث يصل طولها إلى ستة أمتار.

صور الفنان السويسري ماثيو جفسو، أجواء طليطلة الليلية، حيث السكون الشاعري، في صورة استعارية تجرد المدينة من ضوضاء السياحة وحصانة قرون من التاريخ، لتظهر تجليات الأضواء المتناثرة هنا وهناك بهاء مدينة تتراقص أسوار قلاعها بين الظلال.

بحثت الفنانة اليابانية رينكو كاووتشي عن طليطلة مختلفة، فاختارت مشهدا ريفيا للمدينة التي تحتضنها ضفاف نهر التاخو. في حين وقع اختيار الفنان الأمريكي ديفيد مايزل تصوير تفاصيل طليطلة المتاهة من الجو، والطريف أن مايزل لم يزر المدينة، بل قطعها بمروحية لالتقاط أعماله المشاركة في المعرض.

أما الفنان المدريدي خوسيه مانويل باييستير، فقام بالتقاط أعمال للجريكو، واستخدم برنامج الفوتوشوب لتفريغ الشخصيات من مضمونها محافظا على خلفيات طليطلة فيها. أما الجانب الإسلامي فعبرت عنه أعمال الفنانة الإيرانية شيرين نشأت، التي صورت بالأسود والأبيض مسلمي اليوم وأوضاعهم إلى جوار الكاتدرائيات التي كانت في يوم من الأيام مساجد.

راكيل ميجيل
السبت 5 يوليو 2014