ظاهرة الوشم تجتاح لبنان المحب لتقليد الغرب في الحريات الفردية



بيروت - فاديا عازار - اجتاحت ظاهرة الوشم في السنوات الأخيرة العديد من البلدان الغربية والشرقية ومن بينها لبنان ، وهي ظاهرة قديمة متعددة الوظائف ، لكنها في لبنان لا زالت تحافظ حتى اليوم على بعض وظائفها ، بالرغم من انتشارها بحكم الموضة وتقليد المجتمعات الغربية.

والوشم موروث شعبي عرفته العديد من المجتمعات الإنسانية على مرّ العصور. وقد تراوحت وظائفه بين الحماية والشفاء من الأمراض والتفاخر والتزين لدى الرجال والنساء، لكنه لا زال يحافظ على وظيفتي التفاخر والتزين في العصر الحديث.


 

تنامت ظاهرة الوشم أو "التاتو" في لبنان منذ بداية القرن الواحد والعشرين ، بحكم التقليد للمجتمعات الغربية من جهة واعتمادها كشكل من أشكال التعبير عن الحرية الفردية أو التفاخر من جهة ثانية.

وقال فريج كاتورجيان صاحب محل "هاوس أون مارس بيروت" للوشم في منطقة الحمرا في العاصمة اللبنانية لوكالة الانباء الالمانية(د.ب.أ) " منذ بداية القرن الواحد والعشرين بدأ الإقبال يتنامى على الوشم في لبنان ويطال مختلف الفئات العمرية ، كما أن هناك ربات منازل يقدمن على وشم أجسادهن ، خاصة إذا كن يعانين من تشوه ما في منطقة معينة ويريدون إخفائه".

وعزا كاتورجيان الذي مارس هذه المهنة منذ 13 عاما ، سبب الإقبال على الوشم في الفترة الأخيرة في لبنان إلى "الموضة والتقليد ، فيما الحقيقة أن الرسم على الجسد هو أمر شخصي وخاص ، والهدف منه هو التعبير عن فكرة معينة ، أو للذكرى ، او الزينة ".

وأضاف كاتورجيان "حالياً يطلب معظم المقبلين على الوشم كتابة كلمات ورموز على أجسادهم ، وهم في الحقيقة يستوحون ذلك من أفكار انتشرت في المجتمعات الغربية عبر الإنترنت بشكل خاص فيما يطلب عدد قليل منهم رسم رموز دينية وبخاصة المسيحيون ".

وأوضح كاتورجيان أنه "لا يوجد في لبنان سوى 4 أو 5 فنانين مختصين برسم الوشم بعضهم تصل كلفة ساعة عمله الى 300 دولار ، فيما البعض الآخر يتقاضى أتعابه بحسب الرسمة وهو الذي يحددها ".

وتخضع عملية الوشم ، بحسب كاتورجيان" لتطور مستمر ، حيث تنتج الشركات باستمرار المزيد من "ماكينات الوشم " المتطورة ، فبعد أن كان الوشم يتم يدوياً عن طريق "الدق" وكان مؤلماً ، ويحتاج لوقت أطول ، أصبح اليوم أسهل بكثير بحكم التطور التكنولوجي الذي طاول ماكينات الوشم ، التي باتت تنفذ الرسمات بشكل أدق".

وتبدأ عملية الوشم منذ اختيار الزبون لرسمة معينة واقتناعه بها بشكل كامل ، ثم يتم نقل الرسمة على جسده عن طريق ورق خاص ، حيث تبدأ عملية الرسم باستخدام الماكينات المتخصصة .

فالوشم مهنة جيدة إذا تم احترامها ، بحسب كاتورجيان " ويتم تعلمها خلال سنتين ، ولكن لا توجد اليوم مؤسسات خاصة لتعليم الوشم في لبنان ، بل هناك تعدي على المهنة من قبل أخصائي التجميل ، كما أنه لا يوجد أي قانون ينظمها أو أي رقابة من قبل السلطات المعنية عليها ، لذلك قد تكون عرضة للتلوث ونقل الأمراض إذا لم يتم احترام قواعد النظافة والصحة فيها ، أما عملية إزالة الوشم ، فهي من اختصاص أطباء الجلد الذين يستخدمون الليزر ".

ويرى الأنتروبولوجيون أن الوشم ظهر في المجتمعات الطوطمية ، حيث كان لكل عشيرة أو قبيلة طوطمها الخاص ( حيوان او نبات أو مظهر من مظاهر الطبيعة ) ترتبط به العشيرة وتتخذه رمزاً لها.

وكانت تلك الرموز إما عبارة عن أشكال هندسية أو مجموعة خطوط أو صورة الطوطم ، وهي خاصة بكل عشيرة . ويكون الرمز الطوطمي لكل عشيرة مثبتاً على أجساد أعضائها وملابسهم وأغطية رؤوسهم وأسلحتهم وقبور موتاهم وما تملكه تلك العشيرة من حيوان ومتاع .

ولما كان الإنسان في تلك العصور يرغب بالامتزاج بطوطمه ، فقد ساد الاعتقاد أنه لا بد من خروج الدم ليتم الامتزاج مادياً ومعنوياً ، من هنا نشأة عادة الوشم أول ما نشأت .

وتتراوح كلفة "التاتو" في المحلات المختصة في لبنان بين 6 دولارات للرسمة الصغيرة جداً وقد تصل الى ألوف الدولارات بحسب حجم الرسمة وألوانها . كما تتراوح مدّة تنفيذه من نصف ساعة إلى عدة ساعات ، وأحياناً الى أشهر .

ويتّخذ الوشم طابعاً تجميلياً أحياناً، لإخفاء عمليات جراحية أو تشوهات جسدية أو ندوب ، إلا أن هذه الظاهرة تبقى في لبنان بعيدة عن رقابة السلطات المعنية مما يجعلها عرضةً لنقل الأمراض أو الإصابة بالتلوث .

وقالت الدكتورة لور ابي خليل أستاذة علم الاجتماع السياسي في الجامعة اللبنانية لوكالة الأنباء الألمانية(د.ب.أ) " الوشم هو نوع من الهوية الثقافية وكان لكل قبيلة وشم خاص بها ومع مرور الوقت اتخذت هذه الظاهرة عدة اشكال في المجتمعات الغربية أو العربية وكان لها طابع ديني أحيانا أو عاطفي حين يقوم أحدهم بوشم اسم حبيبته على يده مثلاً ".

وتابعت أبي خليل "ظهر الوشم في المجتمعات الحديثة في السجون بدايةً، أما الآن فيمكن إدراج هذه الظاهرة في سياق الموضة ".

ورأت أن "انتشار مفهوم الحرية الشخصية في لبنان ساهم بتخطي جيل الشباب لرأي أهلهم وخاصةً بما يخص الوشم كون الأمر يتعلق بأجسادهم ". مشيرةً الى حصول "تغير بطبيعة العلاقة بين الأهل والأولاد تظهر إحدى تبدياته في موضوع الوشم ".

واعتبرت أبي خليل أن الشبان في سن معين "يقدمون على وشم أجسادهم في خطوات مواكبة للموضة ولكنها غالباً ما تترافق مع شعور بالندم مع تقدم العمر، كما أنها قد تكون عرضة للمخاطر في ظلً بقاء مهنة الوشم بعيدة عن رقابة الدولة حتى الآن ".

وتتنوّع أذواق الشباب باختيار "التاتو" ، فبينما تميل الشابات إلى رسومات تعبيرية صغيرة نسبياً كالأزهار والفراشات والأشكال الفنية الناعمة، يتّجه الشباب إلى رسومات كبيرة ، لا تخلو من مظاهر القوة والشر ، من بينها التنين والعقرب، وأحياناً الجماجم، إضافةً الى الرموز الدينية.

وقال وائل مصفف الشعر الذي وشم يداه برسمتين فيهما رموز دينية لوكالة الأنباء الألمانية " كنت أعيش في فرنسا لفترة من الزمن ورأيت معظم الناس هناك من كافة الأعمار يزيّنون أجسادهم برسومات مختلفة فأعجبني الأمر وعندما عدت الى لبنان وشمت يداي".

ونفذ وائل أول رسمة في لبنان " لدى صديق لي في صالون رجالي ، أما اليد اليسرى الموشومة بشكل كامل فقد رسمتها في تركيا ، وذلك بسبب انخفاض كلفة الوشم بالنسبة الى لبنان ، وقد اخترت الرسمة من "الإنترنت " وفيها وجه السيد المسيح إضافةً الى مجموعة من الجماجم وهي ترمز الى أن المسيح رمز الحياة هو أقوى من الموت ".

لم يشعر وائل بأي ندم على ما قام به، كما أنه لم يتعرض لأي انتقاد من الأهل أو من المجتمع.

ويعتبر الباحثون أن فعل الرسم هو شكل من أشكال التعبير عما لم تستطع لغة الكلام والخطاب التعبير عنه ، إو تعبير بديل قد تفرضه القيود والعلاقات الاجتماعية والأخلاقية والنفسية التي يعيشها الكائن الإنساني في وجوده الاجتماعي.

ويعارض وسام مصفف الشعر، الوشم من جهته "وخاصةً بالنسبة للشبان، بسبب خطورته وما يمكن أن يسببه من ميكروبات وأمراض ، وهي مجرد رغبة تجتاح الشبان في عمر المراهقة على وجه خاص ومعظمهم يندم بعد فترة ، بسبب صعوبة إزالته .

وقالت الممرضة مونيكا لوكالة الأنباء الألمانية " قررت أن أضع وشماً على خصري يعبر عن اللانهاية لأنه يرمز الى ما يحصل معي في الحياة ".

وتشعر مونيكا حسبما قالت "أن هناك عددا كبيراً من الأحداث تتكرر في حياتها ، جعلتها تعتقد أن هذه الأحداث تعيد نفسها ، لذلك اختارت أن تضع وشم اللانهاية ، الذي يعبر عن ما يحصل معها ".

وعن اعتراض الأهل أو معرفتهم بالوشم قالت مونيكا " هذا جسدي وليس لأحد أن يقرر بشأنه لا أهل ولا حبيب ولا أي شخص آخر ، وقد اتخذت قراري دون الرجوع لأحد ".

ويعتقد العديد من الباحثين ان المصريين القدماء عرفوا الوشم ومارسوه في دياناتهم القديمة ، إضافةً الى استخدامه للزخرفة والتجميل ، كما استخدم الوشم في شبه الجزيرة العربية قديماً للعلاج من بعض الأمراض ، واستخدم للغرض عينه من قبل قبائل أميركا اللاتينية وأفريقيا .

وكانت وظيفة الوشم بالنسبة لتلك القبائل هي الوقاية من الأمراض وطرد الشياطين التي تدخل جسم الإنسان وتسبب الأمراض. إضافةً الى دوره في إخفاء العيوب وإظهار القوة والسيطرة لدى الرجال ، والأنوثة لدى النساء .

وإذ ينقسم الرأي العام اللبناني بين مؤيد ومعارض للوشم ، فإن من المتوقع أن تنتشر هذه الظاهرة أكثر فأكثر في بلاد الأرز بالرغم من عدم وجود رقابة صحية عليها ، وذلك بحكم الانفتاح الثقافي للمجتمعات بعضها على بعض .

فاديا عازار
الاثنين 15 يونيو 2015