سياحة تونس في 2020... عام للنسيان

24/09/2020 - طارق القيزاني


عطلة الأحلام...رحلة خلابة عبر شرق أوروبا حتى البحر الأسود




وارسو - بيرند كوبيش - قد يبدو القيام برحلة قطار طويلة إلى البحر الأسود تستغرق أسبوعين امرا جنونيا ، لكنه بالنسبة للبعض عطلة الأحلام. تتضمن الرحلة المرور على مدينة روكلو البولندية ببلدتها القديمة الشهيرة ومدينة كراكوف بميدانها الرئيسي والقلعة قبل أن يستمر القطار في سيره إلى مدينتي لافيف وفينيتسا غربي أوكرانيا. ويواصل القطار طريقه نحو بالتي وكيشيناو في مولدوفا ومدينة تيراسبول في ترانسنيستريا وأوديسا في أوكرانيا. عبر الحدود من كراكوف إلى أوكرانيا
بعد انطلاقه من كراكوف يصل القطار إلى مدينة بريزيمسل جنوب شرقي بولندا حيث التاريخ العريق. هنا تنتهي حدود الاتحاد الأوروبي. يترجل المسافرون وهم يحملون حقائبهم لعبور الطريق السفلي نحو الجهة الأخرى من المحطة. والقطار المتجه إلى لافيف مستعد للمغادرة.
عربات الدرجة الأولى في القطار مجهزة بمقاعد زرقاء وثيرة وكل شيء يتسم بالعصرية والمساحات الرحبة. يتوقف القطار عند الحدود البولندية الأوكرانية لقرابة 15 دقيقة. يتفقد رجل بزي رسمي هويات الركاب ثم يومئ رأسه. وبالخارج يمر القطار سريعا بالحقول والغابات والبلدات الصغيرة. وتكتب أسماء محطات القطار حاليا بالأبجدية السيريلية ( السلافية القديمة).
لافيف الرائعة



تلوح رؤية لافيف في الأفق. الموسيقى تصدع في ميدان رينوك في وسط المدينة. يرقص الأحبة في الخارج ومن حولهم قاعة المدينة والنافورات والمتاحف والمطاعم. إن هذه البنايات التي يعود تاريخها لقرون ماضية صمدت في وجه الحرب العالمية الثانية.
يمضي الزائرون في جولة عبر الشوارع المتعرجة الممهدة بالحصى. أما الساحات فتتسم بسحر رهيب. تجذب المطاعم الزبائن بأسمائها الأصلية العتيقة مثل "دكتور فوست" و"الأخوية" و"المافيا". ينتظر الكثيرون هنا مزيدا من الزائرين ويتطلعون إلى العضوية المأمولة في الاتحاد الأوروبي.
خارج المسار المألوف
المحطة القادمة هي فينيتسا بعد رحلة مريحة بالقطار مدتها أربع ساعات ونصف الساعة. يسكن المدينة 380 ألف نسمة وبالكاد ترى أي سائحين. أما أبراج الكنائس والقباب فتقدم للسائحين وجهة يزورونها خلال نزهة ما بعد الظهيرة.
يدخل القطار السريع القادم من موسكو إلى المحطة. العربات ذات اللونين الرمادي والأزرق مرت عليها عقود في الخدمة وتعود إلى زمن الاتحاد السوفيتي. رغم أن التذكرة مخصصة لقطارات الدرجة الأولى إلا أنه بيس هناك أحد. ويصحب محصل القطار الركاب وهم في دهشة إلى عربة شاغرة عفنة بها سرير من طابقين.
مولدوفا في الانتظار
المحطة القادمة هي مولدوفا. وخارج القطار، يرعى المزارعون حقولهم وتتعاقب الأشجار مع الأراضي القاحلة على المشهد. وبين الفينة والأخرى، تظهر قرية أو قبة كنيسة أرثوذكسية. تغرب الشمس، ويصل القطار في موعده بعد رحلة استغرقت ثماني ساعات قطع فيها 290 كيلومترا شملت نقاط المراقبة الحدودية.
المقصد هو مدينة "بالتي" الصناعية الصغيرة. وفي مولدوفا يمزج نظام الكتابة بين الأبجدية اللاتينية والأبجدية السيريلية أما اللغة الرسمية فهي الرومانية بينما اللغة الروسية مستخدمة بشكل شبه رسمي. تشمل معالم الجذب هناك الشارع الرئيسي ونصب تذكاري لدبابة ومركز تسوق.
تنصح موظفة الاستقبال في فندق ذا إيليت بأن نستقل سيارة أجرة تاكسي خلال توجهنا من بالتي إلى كيشيناو لمسافة 135 كيلومترا مقابل 35 يورو. فتقول "إنه أسرع بكثير من قطاركم".
السيارة كانت مريحة والسائق كان ودودا. تحدث عن بلده وأهلها ونبيذها. فمولدوفا إحدى أفقر البلدان في أوروبا لكنها تشتهر بنبيذها الجيد.
طقوس الحياة اليومية مصدر جذب سياحي
عاصمة مولدوفا واسعة. ليست مدينة جميلة ولا تحظى بإقبال سياحي ضخم. مشاهد الحياة اليومية هي مصدر الجذب الرئيسي. مراهقون يقفزون بملابسهم في نافورة بأحد المتنزهات؛ ولا أحد يوجه لهم كلمة. منطقة المحطة في مدينة كيشيناو توفر خلفية جميلة لالتقاط الصور بما فيها من قاطرة بخارية قديمة.
أرض شبه مجهولة
نادرا ما يخرج أحد من مدينة تيراسبول عاصمة ترانسنيستريا. هذا الشريط الضيق من الأرض الذي انفصل سريعا عن مولدوفا عقب انهيار الاتحاد السوفيتي إلا أنه لا يحظى بالاعتراف الدولي. فبافتقادها إلى عوامل الجذب السياحي مع الحب العميق تجاه روسيا وبوتين ولينين وماركس لا تشكل ترانسنيستريا مصدر جذب للسائحين الأجانب.
أغلب المسافرين يمكثون في القطار حتى الوصول إلى أوديسا لكن يفوتهم أحد آخر أعظم أسرار أوروبا. فالناس في تيراسبول يتسمون بالمحافظة والود وتقديم العون. يبدو وكأن الاتحاد السوفيتي حيا داخل متحف تيراسبول المقام في الهواء الطلق. أما في ميدان سيوفوروف الضخم، فتصطف المساحات الخضراء والأعلام والمباني الإدارية فضلا عن النصب التذكارية.
أوديسا مسك ختام الرحلة
ساعتان متواصلتان في القطار يفصلاك عن محطة أوديسا، التي ربما تكون الأجمل بين محطات الرحلة بأكملها. المبنى التاريخي الرئيسي يمتلك قبة عظيمة وقد تمت إعادة ترميم معظم أركان المحطة بعد الحرب العالمية الثانية.
جولة قصيرة خارج محطة القطار تصحبك إلى دار الأوبرا التاريخية ودرجات بوتيمكن الشهيرة. وفي الطريق يمكنك تفقد دير سانت بانتيلييمو وكاتدرائية الثالوث المقدس ومعبد أور سومايخ اليهودي ومسجد السلام.
يصعد يوميا مئات الزائرين درجات بوتيميكن البالغ عددها 192 درجة. من أعلاها يبدو منظر ميناء أوديسا على البحر الأسود خلابا. في فيلم "المدمرة بوتيميكن" الصامت للمخرج سيرجي أيزنشتاين عام 1925 ، ظهرت الدرجات كساحة للقمع الدموي الذي مورس ضد محاولة الانقلاب على الجيش القيصري.
نهاية هذه الرحلة الباعثة على الاسترخاء تقترب. ولو أنك أحد محبي التاريخ، احرص على التوقف في كييف خلال عودتك. فزيارة إلى ميدان مايدن الشهير وسط العاصمة الأوكرانية ضرورة لا غنى عنها.

بيرند كوبيش
الخميس 17 سبتمبر 2020