فتحي وهند...لاجئان يبدآن حياة جديدة بعد سن السبعين في السويد



تعتبر السويد اليوم الوجهة المثالية للكثير من اللاجئين نظرا لبرامجها المتقدمة في هذا المجال ومساعداتها التي تعتبر الأفضل على المستوى الأوروبي. فريق "مهاجر نيوز" زار مدينة موتالا السويدية ليطلع على أوضاع اللاجئين هناك، حيث التقى باللاجئين فتحي وهند وعاد بهذا اللقاء.


الزوجان فتحي و هند
الزوجان فتحي و هند
عند وصولك إلى مدينة موتالا السويدية، أول ما يتراءى لك هو ساحلها المطل على بحيرة ضخمة... مقاه متناثرة هنا وهناك تخدم زبائن معظمهم سويديون . توحي المدينة بسلام عجيب يغزو كيان زائرها، فتبدأ بالتخطيط مباشرة لزيارتها مرة أخرى.

أثناء السير في شوارعها تسمع لغات أخرى غير السويدية. أشخاص من جنسيات متعددة يتنزهون على أرصفتها متجهين إلى واجهة المدينة المائية، إلى ضفاف البحيرة. ما الذي جاء بهؤلاء اللاجئين إلى هذه المدينة الصغيرة في وسط السويد؟ مدينة لا يتعدى عدد سكانها الـ40 ألفا؟

بابتسامة عريضة وكلمات الترحيب يستقبلنا الزوجان فتحي وهند عند باب منزلهما. هند كانت تلبس ثوبا أسود أنيقا مطرزا بالأحمر، وغطاء رأس حريري أبيض. أما فتحي فلم ينتظر دخولنا إلى المنزل ليشرع تلقائيا بسرد ذكريات طفولته عن قريته الأم وكيف تعرف على زوجته هند.

كان فتحي أستاذا للعلوم الاجتماعية في إحدى المدارس السورية. منذ تقاعده، نشر ثلاثة كتب تاريخية سياسية حول منطقة الشرق الأوسط. كما كان ينشر من وقت لآخر بعض المقالات السياسية في مجموعة من الصحف العربية.

"ولدت عام 1943 في قرية اسمها صفورية شمال فلسطين. مازلت أذكر يوم رحيلنا عن البلدة ولجوئنا إلى لبنان. كان عمري حينها 5 أعوام"، لحظات اللجوء مازالت حاضرة بكافة تفاصيلها في ذاكرة فتحي. من الطريق التي سلكوها عبر رأس الناقورة ومدينة بنت جبيل وصولا إلى أحد مخيمات صيدا في جنوب لبنان.

"لم نطل المكوث في لبنان. أهلي فضلوا الذهاب إلى سوريا، فقد سمعوا أن الظروف المعيشية هناك قد تكون أفضل". هكذا بدأت قصة فتحي مع دمشق ومخيم اليرموك والحياة الجديدة، التي كان عليه أن يعتاد عليها ويتبناها.

تعرف الزوجان على بعضهما بداية الستينيات، حيث كان فتحي يتردد مع أهله على أقاربهم في مخيم عين الحلوة في لبنان. "تعرفنا على بعض ونشأت بيننا علاقة. بعد فترة، وتحديدا عام 1966، تزوجنا". ولم يبقى من حياة اليرموك اليوم إلا بعض الذكريات، يحاول أن يستجمعها كل بطريقته. فتحي يقول بالكثير من الحزن والخيبة: "منزلنا في اليرموك كان كبيرا ورحبا. كانت لدينا حديقة صغيرة أمام المنزل. لطالما حاولت أمي إقناعي ببناء غرفة فيها ليكون لدينا مساحة أكبر حين أتزوج. كنت أرفض دائما معتقدا أن عودتنا إلى فلسطين قريبة ولن أبني في أرض ليست لي".

"منزلي بالنسبة لي كان وطني، مملكتي التي أشعر فيها بالأمان والسعادة. ذكرياتي هناك، ذكريات أطفالي وصورهم. لم أتصور أني سأتركه في يوم من الأيام وأتحول إلى لاجئة خارج المخيم! أشعر وكأن قصة أهلي تتكرر معي"، كانت تلك كلمات هند التي تلفظت بها بهدوء وبصوت رخيم وحزن بالغ الوضوح، قبل أن تذرف بعض الدموع مسحتها بكفها الأيمن، ثم تكمل حديثها: "أهلي وأهل فتحي خرجوا لاجئين من فلسطين، قطعوا حدودا وسكنوا مخيمات في مدن لم يعرفوها من قبل، كانوا قلقين علينا وعلى مستقبلنا، وكانوا يبكون كلما أتى أحدهم على ذكر صفورية ومنازلهم في صفورية. أنا وفتحي نعيش نفس المأساة، نعيد تجربة أهلنا، إلا أننا لم ننتقل إلى بلد مجاور بل قطعنا آلاف الأميال لنصل بلادا، لا نعرف لغتها ولم نسمع بها من قبل سوى من خلال نشرات الأخبار. أتيناها باحثين عن الأمان والسلام والمستقبل الأفضل".

فتحي كان يهز رأسه، يتدخل بشكل مباشر "ما الذي يجبر شخصين مثلنا، تجاوزنا السبعين من العمر، على ركوب أمواج اللجوء وخوض رحلة كادت أن تودي بحياتنا عدة مرات"؟ يصمت الرجل السبعيني قليلا وكأنه يسترجع محطات الرحلة "خرجنا من منزلنا وقطعنا مناطق سيطرة داعش. لم أعتقد أننا سننجو من تلك المناطق... دخلنا إلى تركيا عبر أحد المهربين، وصلنا إلى أثينا بالبحر، في زورق لم يتخط طوله أربعة أمتار والبحر كان هائجا حينها. أحد المهربين هناك زودنا ببطاقات هوية مزورة إيطالية استخدمناها للدخول إلى أحد المطارات اليونانية والسفر إلى ستوكهولم".

كان حديث الرجل متواصلا وسريعا ومليئا بالتفاصيل الدقيقة لرحلة تملؤها المخاطر، خاضها وزوجته في عقدهما السابع. "لم يكن أمامنا طريق آخر. فأنا كنت مطلوبا للأجهزة الأمنية السورية والقوى الإسلامية المسيطرة على بعض المناطق في سوريا على حد سواء" يقول فتحي، "كتبت عدة مقالات ضد النظام السوري بعد أن رأيت كيف تم التصرف مع المتظاهرين المطالبين بالإصلاحات في البداية. رد الفعل كان هائلا ولم أستطع السكوت عن تلك الانتهاكات". ثم يضيف "لا أتخيل مدى المعاناة التي كنا سنمر بها لو ذهبنا إلى إيطاليا أو فرنسا".

يعيش الزوجان اليوم في منزل واسع نسبيا في مدينة موتالا، حيث يتقاضيان مبلغا من المال تقدمه لهما دائرة الهجرة في المدينة. تبدو عليهما علامات الارتياح والامتنان للوضع الذي أصبحا فيه ويؤكدان أن خيارهما بالمجيء إلى السويد كان صائبا، "إنهم إنسانيون بكل ما للكلمة من معنى. تعاطفوا معنا وقدموا لنا العون من اليوم الأول الذي وصلنا فيه" يقول فتحي.

يقضي الزوجان أيامهما بممارسة اهتمامات مختلفة. هند تشغل نفسها بأولاد ابنتها التي تسكن بالقرب منها إضافة إلى الاهتمام بأحفادها الآخرين الذين يأتون لزيارتها بين الحين والآخر من عدة مدن في السويد ومن النرويج. أما فتحي فيشغل وقته بالقراءة والكتابة. كما يعمل الآن على ثلاثة كتب حول الأوضاع السياسية والتاريخية عامة في منطقة الشرق الأوسط.

بالنسبة إلى هند، ليست هذه الحياة التي لطالما أرادتها. "في المخيم كان أولادي يسكنون بالقرب مني، كنت أراهم يوميا، الآن أنا لا أشبع من رؤياهم حين يأتون لزيارتنا في العطل، إنه وضع حزين للغاية".

فرانس 24
الثلاثاء 25 يوليوز 2017